كلما استجد جديد أو شبه جديد على صعيد مواقف حماس أو خطابها السياسي نلمس موجة عارمة من ردود الفعل المتباينة يقصر معظمها عن إدراك حقيقة وجوهر ذلك الخطاب وتلك المواقف وقد تجلى ذلك بوضوح…
كلما استجد جديد أو شبه جديد على صعيد مواقف حماس أو خطابها السياسي نلمس موجة عارمة من ردود الفعل المتباينة يقصر معظمها عن إدراك حقيقة وجوهر ذلك الخطاب وتلك المواقف. وقد تجلى ذلك بوضوح عقب لقاء قيادات الحركة مع الرئيس الأمريكي الأسبق جيمي كارتر.
ففريق المزايدة المعروف المتمثل بقيادات فتح والسلطة ينشط إعلامياً في إثارة زوبعة محورها التأكيد على أن حماس انتهت أخيراً إلى تبني مواقفه التفريطية وأنها أدركت متأخرة صوابية الرؤية الفتحاوية السياسية وطبيعة الظروف المحيطة التي تقتضي تغيراً في الاستراتيجية لدى حماس ولا يناسبها استمرار الحركة في تبني (خطابها الراديكالي) !
الغريب أن هؤلاء وغيرهم يغضون الطرف عن تلمس الفروق الجلية بين كلا الموقفين السياسيين الفتحاوي والحمساوي وبين السياقات التي يجري ضمنها تطور الخطاب أو تقديم بوادر المرونة أو الضوابط التي تحكمها.
فجوهر الموقف السياسي لحماس حتى الآن لم يخرج عن رؤيتها المطروحة منذ سنوات عدة والمتعلقة بالقبول مبدئياً بدولة في حدود 67 مع التأكيد على الثوابت الفلسطينية المعروفة كحق العودة والقدس وإزالة المستوطنات، ودون الاعتراف بشرعية الاحتلال.
غير أن تلهف فريق سلطة المقاطعة لتسجيل نقاط على حماس والتعمية على إخفاقاته الكارثية والتدليل على صوابية منهجه المنحرف عبر الاستشهاد بالتغير المزعوم في مواقف حماس تدفعه لتلك الصبيانية الإعلامية في تعاطيه مع مواقف حماس المختلفة. والدليل أنه لا يلبث لاحقاً أن يعود لتحميل وزر إخفاقاته لحماس عبر الحديث عن مواقفها السياسية (المتصلبة) وكيف أن تشددها وعدم واقعيتها السياسية هو ما يعرقل مسيرة التسوية ويتسبب في إفشالها. فمنذ إعلان حماس عن نيتها المشاركة في الانتخابات التشريعية وذلك الفريق يترنح بين الخطاب المزايد على حماس تارة من باب أنها تنازلت عن كل ثوابتها ولحقت بفتح، وتارة من خلال الحديث عن تشددها وتصلب مواقفها وانتفاء المرونة السياسية لديها، دون أن يدرك حجم التناقض الذي يحكم تقييمه المتباين لسلوك حماس!
أما فريق التشكيك فيتمثل بأولئك الذين ما زالوا يحلمون بأن يزيد رصيدهم قليلا على حساب حماس، أو حمل الجمهور على الاعتقاد فعلاً بأن الحركة تغيرت وبدلت جلدها وسارت في ركب فتح، بينما هم لا زالوا على مواقفهم الثابتة! فاليسار الفلسطيني من جهته يحلم بلعب دور كالذي لعبته حماس عندما رفضت اتفاقات أوسلو، ولكن يغيب عنه أن حماس لم تكن تمارس معارضة مريحة وكلامية، بل مهرت معارضتها بالدم وقدمت وضحت بالكثير للإبقاء على مشروع المقاومة حياً ومتجذراً في الوعي الفلسطيني، أما هذه الفصائل فرصيدها في المقاومة لم يعد يتجاوز بضعة بيانات تبنٍ لعمليات يعلم الله وحده أين تقع، يتم إصدارها فقط كلما لاح في الأفق حديث عن إمكانية تهدئة، ومن باب (شوفوني يا ناس)! بينما هي في الحقيقة لم يعد دورها يتجاوز الكلام والتنظير وإغراق نفسها في تناقضات لا أول لها ولا آخر.
يضاف إلى ذلك أن حماس لم تقدم أي تنازل مقابل أي موقف سياسي لها، ولم تجعل من رأس المقاومة قرباناً لقبولها لدى المجتمع الدولي، ولم تعمل وكيلاً للاحتلال، ولم تشطب ثوابتها المعروفة، بل كانت مقاومتها مستعرة حتى وهي تطرح مبادرتها السياسية أمام كارتر والعالم بأسره.
أما المتخوفون على حماس ومن بعض مواقفها السياسية فلهم الحق بطبيعة الحال أن يعبروا عن قلقهم، خاصة أولئك الذين شهدوا تجربة فتح وعملية التحول الجذرية التي مرت بها إلى أن انتهت إلى واقعها الحالي الذي يعبر عن نفسه!
وبالتالي فهذا القلق على حماس دليل على أن مجموع المخلصين في الأمة يرون فيها بارقة الأمل الوحيدة التي يمكن التعويل عليها، وأن المكانة التي احتلتها الحركة في وعي الأمة تجعل كل حر فيها يعد نفسه معنيا بأي تحرك سياسي لها وحريصاً على بقائها في مسارها، لأنها لا تعبر عن وجدان الحمساوي فقط بل تمثل ضمير الأحرار والمخلصين في الأمة ككل.
ومع ذلك فإن المبالغة في التخوف والقلق أمر غير محمود على الدوام، وقد لا يكون ذا مردود إيجابي بالضرورة، خاصة وأننا أمام تجربة حمساوية طويلة أثبتت فيها الحركة باستمرار ألا تحول عن مواقفها الأصيلة واستراتيجيتها الثابتة حتى في أصعب الظروف، ومع وجود قيادة واعية للحركة تدرك جيداً أبعاد أي تغير خطير على الحركة وجمهورها وبعدها العربي والإسلامي وعلى مشروع التحرر على المدى البعيد.
ولكن من جهة أخرى، ورغم أن حماس أكدت على أنها لم تغادر مربع مواقفها السابقة المتعلقة بالهدنة والتهدئة وشروطهما، ورغم أن هذه المواقف لم تخرج عن إطار وثيقة الوفاق الوطنية، إلا أن الحركة مطالبة أيضاً بالإصغاء إلى صوت المخلصين وأخذه بعين الاعتبار، ومراعاة القاعدة الجماهيرية في الخطاب السياسي الذي ينبغي الاهتمام بأن يكون على الدوام منسجماً مع قناعاتها قبل الاهتمام بمراعاته للمزاج الدولي، وهذا هو العهد بحماس دائماً وهكذا كانت الحركة ولا زالت في خط سيرها الثابت المحكوم بالضوابط الشرعية، والسياسية الواعية، وغير المراهن على السراب، والمستفيد من تجارب الآخرين، والواضع على الدوام نصب عينيه الهدف الكبير الذي يبغي الوصول إليه.
* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع