هل كان ينبغي على بعض حركات المقاومة أن تنتظر حتى يمس بلل التنسيق والتواطؤ الأمني ثوبها لتصدر عنها مواقف واضحة دون مواربة وكيف يمكن تفسير صمتها على خطة قمع المقاومة التي كانت قد…
هل كان ينبغي على بعض حركات المقاومة أن تنتظر حتى يمس بلل التنسيق والتواطؤ الأمني ثوبها لتصدر عنها مواقف واضحة دون مواربة؟!
وكيف يمكن تفسير صمتها على خطة قمع المقاومة التي كانت قد بدأت في غزة منذ مدة، ثم رفع صوتها الآن بعد أن لمست بنفسها حجم المؤامرة ومدى خستها؟!
لسنا هنا في مقام تقريع قوى المقاومة الشريفة أو مهاجمتها، لكنه عتاب واجب بعد التطورات الأمنية الأخيرة في الضفة التي طالت عدداً من نشطاء الجهاد الإسلامي وبعض المحسوبين على كتائب الأقصى، وأسفرت عن اغتيال بعضهم واعتقال بعضهم الآخر على يد قوات الاحتلال، الأمر الذي دفع بحركة الجهاد إلى إصدار بيان شديد اللهجة وغير مسبوق في تعليقه على حقيقة الدور الأمني لسلطة عباس في الضفة.
وأهمية هذا التصريح لا تكمن في ما يحتويه من معلومات خطيرة بقدر ما هي في صدوره عن حركة الجهاد الإسلامي هذه المرة التي أكدت وجود معلومات لدى المقاومة بأن السلطة سلمت الجنرال الأمريكي دايتون قوائم بأسماء عشرات المطلوبين في الضفة ممن رفضوا تسليم سلاحهم ولم تستطع السلطة ملاحقتهم، مما يعني إعطاء الاحتلال الضوء الأخضر للقيام بما عجزت عنه السلطة وتخليصها من عبء استهدافهم!
مثل هذه التصريحات سبق وأن صدر عن حماس الكثير منها سواء في الضفة أو غزة، وكانت في الغالب لها من الشواهد ما يؤكدها وخلال السنوات الأخيرة فقط - إذا ما تغاضينا عن دور السلطة الأمني خلال حقبة أوسلو – في الوقت الذي كان الواجب والالتزام الوطني يفرض على الجميع أن يدق ناقوس الخطر منذ أبرمت خطة الالتفاف على نتائج الانتخابات الأخيرة، واضطلعت حركة فتح وأجهزتها الأمنية بتنفيذها بعد إعداد وتدريب كوادرها في معسكرات داخل وخارج فلسطين تخضع لإشراف أمريكي مباشر ودعم سخي بالمال والسلاح، ثم البدء بتنفيذ تلك الخطة تدريجياً عبر استهداف نشطاء حماس وقياداتها العسكرية في القطاع.
لكن ما حصل أن كل القوى الفلسطينية باستثناء حماس وقفت متفرجة، بل ساهم بعضها في تضليل الوعي الشعبي وحرفه عن فهم حقيقة ما يجري عبر ضخها الإعلامي باتجاه تصوير النزاع حينها على أنه تقاتل على السلطة!
وبطبيعة الحال فقد كان لكل فصيل حساباته الخاصة، فبعضها آثر عدم الاصطدام بفتح سياسياً لما سيترتب على ذلك من تبعات مادية وسياسية لا يحتملها جسد تلك الفصائل المتضائل والذي قد يغدو أثراً بعد عين في حال قطع عنه شريان الدعم الفتحوي المتمثل بمخصصات فصائل المنظمة التي تسيطر عليها فتح، وبعض تلك الفصائل حسب أن تجاهل الحقائق عبر ولوج بوابة اللهجة (الوحدوية) رغم ما يكتنفها من مغالطات وتعامٍ عن أصل المشكلة كفيل بحشد المزيد من المؤيدين حوله والإبقاء على صورته ناصعة في نظر العامة الذين يفترض أنهم ضجوا وضجروا من (اقتتال) الفصيلين الكبيرين!
وهكذا نجحت فتح منذ ذلك الحين بتحييد القوى الفلسطينية سوى حماس، وإلزامها بمواقف ضبابية كانت بكل تأكيد تخدم فتح والخطة التي تعمل على تطبيقها عبر عصابات الأجهزة الأمنية التي قارفت أبشع الجرائم وأقذرها في زمن قياسي، وحقيقة الحال أن تلك الأجهزة أريد لها أن تؤجل معركتها مع بقية قوى المقاومة وأن تركز جهودها على حماس لأن سقوط حماس بالضرورة سيجعل المعركة مع بقية قوى المقاومة سهلة وتخلو من العناء.
لن نتجنى على الحقيقة إن قلنا إنّ جزءاً من مسؤولية تنفذ فريق أوسلو وتماديه في التواطؤ والتآمر على مشروع المقاومة تتحمله كل الفصائل التي أبت أن تدرك الحقيقة في وقت مبكر واختارت لنفسها موقفاً على الهامش واعتبرت أن معركة ذلك الفريق مع حماس أمر لا يعنيها، بل وتجاهلت طبيعة الأيادي والمرجعيات التي تحرك رموز ذلك التيار وتدعم عصاباته وتوجهها! رغم أن قليلاً من المسؤولية الوطنية الجماعية ووضوح المواقف وتكاتف الجهود حينها كان سيتكفل بتجنيب الشعب الفلسطيني وقضيته خسائر كثيرة مادية وسياسية، وكان سيعجل بعزل ذلك الفريق قبل تماديه في فجوره وجرائمه ووصوله بخطة تصفية المقاومة إلى مراحل متقدمة جدا.
بفضل الله تمكنت حماس وحدها من صد طوفان مؤامرة عاتية وكبيرة أدركت أبعادها في الوقت المناسب ونبذت التذبذب في المواقف وخداع النفس، وعالجت سرطان الانقلاب عليها كما ينبغي حين أدركت أن المسكنات لن تؤدي سوى إلى استفحاله في الجسد الفلسطيني ككل.
كانت حماس تدرك حينها أنها تغامر بجزء من شعبيتها بفعل الصورة المغلوطة التي ارتسمت في أذهان قسم غير قليل من الناس عن طبيعة ما كان يجري وأبعاده، هذه الصورة التي ساهمت فصائل (اللاموقف) كما قلنا في تكريسها وتغذيتها بمسلمات خاطئة. غير أن حماس ما لبثت أن استعادت شعبيتها وبشكل يفوق ما كانت تحظى به سابقاً وعادت صورتها الناصعة الرفيعة لتترسخ في الأذهان داخل فلسطين وخارجها، وخاصة مع الحقائق المستمرة التي تتكشف باستمرار ملقية الضوء على حقبة ما قبل الحسم.
والآن.. أحسب أن لا حركة الجهاد ولا غيرها من بقية قوى المقاومة التي تتعرض للاستنزاف في الضفة تقبل أن توصف بالكذب في اتهاماتها لسلطة لعباس بأنها شريك رسمي في اغتيال المقاومين، تماماً كما أنها لا تقبل أن تتهم بأنها تحرض على الحرب الأهلية حين تدعو عناصرها صراحة إلى مواجهة إي كان ممن يحاول اغتيالهم أو اعتقالهم، ومن جهة أخرى فإن حماس لن تقبل لنفسها أن تمسك العصا من المنتصف عندما تتعامل مع مواقف من هذا الطراز حتى حين لا تكون طرفاً فيها، ذلك أن مشروع المقاومة في عرف حماس يتجاوز حدود الحسابات الضيقة والنظرة الحزبية الجزئية.
ولذلك ليس من باب المن على الآخرين القول إن كل قوة فلسطينية شريفة وحرة مدينة لحماس بالكثير ليس فقط لأن حماس بريادتها للمقاومة ووقوفها الصلب أمام عواصف تصفيتها قد صدت عن غيرها الرماح ووفرت عليهم مشقة الاستنزاف، بل لأنها أسست للمقاومة في غزة قاعدة حرة ومنحتها هامشاً مريحاً جداً ما كانت لتظفر به لو بقي الوضع على حاله السابق، وما بتنا نشاهده بشكل شبه يومي من تطور لتقنيات المواجهة لدى المقاومة في غزة وتطوير مذهل في تكتيكاتها ووسائلها وأسلحتها إلا خير دليل على ذلك، فهل من معتبر؟! أو هل هناك من يجرؤ على الإقرار بأن الحقيقة التي اكتشفها أخيراً كان قد جانبها مدة طويلة؟!
* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع