المناورات “الإسرائيلية” بين دوافع الخوف ورد الاعتبار

المناورات “الإسرائيلية” بين دوافع الخوف ورد الاعتبار

عوني صادق
2008-05-31

كان النصر الذي حققه مقاتلو حزب الله على الآلة العسكرية الإسرائيلية في تموز دينا مستحقا في رقبة رئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود أولمرت الناجي الوحيد من الثالوث الذي تحمل مسؤولية…

كان النصر الذي حققه مقاتلو حزب الله على الآلة العسكرية “الإسرائيلية” في تموز 2006 دينا مستحقا في رقبة رئيس الوزراء “الإسرائيلي” إيهود أولمرت، الناجي الوحيد من الثالوث الذي تحمل مسؤولية تلك الهزيمة، في انتظار تقرير القاضي فينوغراد، ثم انتقل إلى الثالوث الجديد أولمرت باراك أشكنازي، الذي تحمل مسؤولية رد الاعتبار لتلك الآلة التي سقطت عنها الهالة التي تم اصطناعها على مدى عقود. كان النصر قد تحقق والهزيمة قد وقعت وانتهى الأمر عندما قال فينوغراد كلمته الأخيرة، وبحيث لم يكن أمام الثالوث الجديد من مهمة إلا أن يصلح ما أفسده الثالوث القديم فيثأر للهزيمة ويرد الاعتبار للجيش الذي اعترف الجميع إلا بعض العرب وبعض اللبنانيين أنه قهر فعلا. وفي هذا السبيل أقدم الطاقم السياسي العسكري “الإسرائيلي” على ثلاث خطوات، كانت الأولى والثانية أقرب إلى أفعال القراصنة وليس أفعال الجنود غارة على دير الزور السورية، واغتيال للقائد الشهيد عماد مغنية في دمشق، وكلا العملين لا يحققان الهدف المطلوب وإن حملا إشارة قوية على “تحسن” وضعية الاستخبارات “الإسرائيلية” ومكنا باراك وداغان أن يزهوا على نحو ما، بعد أن ظهرت في حرب تموز بلا فعالية ففقدت بسببها سمعتها. أما الخطوة الثالثة فكانت “المحرقة” في غزة التي لم تحسن ولم تغير شيئاً في الصورة “الإسرائيلية” البشعة المعروفة. غير أن الزهو الذي غالب باراك وداغان حمل معه في الوقت نفسه، للتجمع الاستيطاني كله، مخاوف جديدة وشديدة بعد وعد أطلقه حسن نصر الله بحرب مفتوحة، وبأن دم الحاج رضوان لن يذهب هدرا... في هذا السياق، ومتزامنة مع مرور أربعين القائد الشهيد جاءت المناورات العسكرية “الإسرائيلية” الأوسع والأكبر في تاريخها كله.

عند التدقيق نجد أن في خلفية هذه المناورات يقف أكثر من نوع واحد من الدوافع. فمن جهة، تثق القيادة “الإسرائيلية” بأن وعد نصر الله يظل قائما إلى أن يؤخذ بثأر مغنية، ليس فقط من أجل أن لا يذهب دمه هدرا، بل لأن هذا الوعد وثيق الصلة بأمرين الأول، مصداقية نصر الله، والثاني رد الاعتبار لحزب الله، لأن اغتيال قائده العسكري كشف عن نقطة ضعف لا بد من معالجتها، ولا تكون المعالجة إلا بتنفيذ وعد أمينه العام. من جهة ثانية، القيادة “الإسرائيلية” بدورها تعرف أن ما نجحت في تحقيقه حتى الآن لا يلغي هزيمة تموز ولا يرد الاعتبار للجيش الذي هزم في ذلك الشهر، بل يرده نصر معادل لتلك الهزيمة، وهذا لم يتحقق حتى الآن. لذلك فإنه يخطئ من يتصور أن “إسرائيل” لن تقدم على حرب جديدة عندما تسنح لها الفرصة، وبالتحديد ضد حزب الله في لبنان، حتى لو حمل ذلك في طياته احتمالات نشوب حرب إقليمية تشترك فيها سوريا، وربما إيران. ولأنها لا تضمن الظروف بعد مغادرة الرئيس الأمريكي جورج بوش البيت الأبيض، فالأنسب أن تقع هذه الحرب في الوقت الباقي من ولايته. وإذا أضفنا إلى هذا كله تلك المخاوف “الإسرائيلية” إزاء الملف النووي الإيراني، يصبح منطقيا أن يفعل أولمرت كل ما يستطيع لدفع إدارة بوش أو جرها بكل الوسائل إلى الحرب.

وإذا كان للتصور السابق قدر معقول من الصحة، يصبح من غير المبالغة أن يكون السؤال الذي يشغل بال القيادة “الإسرائيلية” هو عن ساعة الصفر المناسبة لبدء هذه الحرب.

وفي هذه المسألة قد يقال إن “إسرائيل” على أعتاب الاحتفال بالذكرى الستين لقيامها، وليس من الحكمة أن تقدم في هذا الوقت على الدخول في حرب لا تضمن نتائجها، وهذا وارد. ربما شهر يونيو/ حزيران مناسب على أساس أنه قد يعيد لها (انتصارا) بنت زورا أمجادها عليه، وربما يكون في شهر يوليو/ تموز، على أساس أن رد الاعتبار يظهر بأوضح تجلياته إذا جاء في المكان والزمان اللذين وقعت فيهما الهزيمة... ربما، لكن المؤكد أن المناورات الجارية ليست للتسلية. ولكن يمكن أن يتحدد الزمان من دون قرار من القيادة “الإسرائيلية”، وربما يكون موعد تنفيذ حزب الله وعد أمينه العام بالثأر لقائده العسكري، والشكل الذي سيتخذه رد الفعل “الإسرائيلي” عليه هما ما يحدد ساعة نشوب الحرب.

وهناك أمر آخر لا يجب نسيانه، وهو ما يمكن أن تفكر به إدارة جورج بوش الذاهبة. فالملاحظ أن هذه الإدارة لم تغير شيئاً من مواقفها وسياساتها لا في العراق ولا في فلسطين، ولا في لبنان، أو من سوريا وإيران، الأمر الذي يشير إلى تمسكها بمشروعها في المنطقة (مشروع الشرق الأوسط الجديد). والمراقب لأوضاع هذه البلدان يلاحظ أن أزماتها مجمدة، وأن هذا الجمود لا سبب له إلا تلك المواقف والسياسات الأمريكية. وتبدو المنطقة كلها في حالة انتظار لشيء أو حدث كبير ما، ولأنه في كل أزمة من أزمات المنطقة “طرف محلي” يراهن على الخطوة الأمريكية المقبلة تستمر حالة الاستعصاء الراهنة. والمشكلة أن ليس لدى الولايات المتحدة ما تقدمه للعالم المأزوم غير قوتها العسكرية، لهذا فإن “الحدث” الذي يأتي من الولايات المتحدة ليس شيئا غير الحرب.

مخاوف “إسرائيل” ورغبتها في استرداد قدرتها على الردع، وغباء القوة العسكرية الأمريكية وأطماعها في المنطقة، وانسياقها وراء الأهواء الصهيونية، كل ذلك كاف لإشعال عشر حروب جديدة وليس حربا واحدة فقط.

* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع
جميع الحقوق محفوظة لدى دائرة الإعلام العسكري لكتائب الشهيد عز الدين القسام ©2026