على مدى عمرها استطاعت حركة حماس أن تفاجئ جمهورها والمراقبين بإنجازات تجديدية وفتوح في ميدان عملها السياسي والعسكري والتعبوي والإعلامي أما مؤخرا فقد أخذت وتيرة الإنجاز هذه تتسارع…
على مدى عمرها استطاعت حركة حماس أن تفاجِئ جمهورها والمراقبين بإنجازات تجديدية وفتوح في ميدان عملها السياسي والعسكري والتعبوي والإعلامي. أمَّا مؤخرًا؛ فقد أخذت وتيرة الإنجاز هذهِ تَتَسارع على نحوٍ يملأُ صدور الأصدقاء سرورًا ويذهل الخصوم والأعداء ويثير إعجاب "الأكفياء" منهم!
حين بدأت الحركة نشاطها السياسي كانت مجموعات الإخوان المسلمين في فلسطين قد قضت أعوامًا تتحاشى اضطهادًا واقصاءً كثيرًا ما تعرضت له على يد قوى علمانية ويسارية عديدة لديها مع الفكر الإسلامي عداءٌ مزمن. والآن تتربع حماس على رأس قائمة الفصائل الأكثر شعبيةً داخل فلسطين المحتلة عام 1967 – على الأقل كما دلَّت نتائجُ آخر انتخابات تشريعية – وأما في الخارج؛ فإنني أحسب أن نسبة تأييد حماس أكبرُ بكثير؛ وذلك بسبب انتشار أكثر فلسطينيي الشتات في مناطقَ ذاتِ حضورٍ أكبرَ للتيار الإسلامي منها في الوطن. ناهيك طبعًا عن خروج عامل التجييش خلف الوظيفة والراتب وأسباب المعيشة وكل العوامل الضرورية للحياة من المنافسة – هذا العامل الذي كثيرًا ما استخدمته فتح في حشد أتباعها في الداخل أو في مخيمات الشتات (بين اللاجئين المعوزين تحديدًا) ودون أن يكون لهم في الحقيقة أي خيار في الابتعاد عن فتح؛ لئلاَّ تُقْطَعَ أعناقُ أرزاقهم بسيف قطع الرواتب الذي سلطته فتح على كل رجال الشرطة والأطباء والممرضين والقضاة الغزيين الذين رفضوا الجلوس في بيوتهم انصياعًا لرغبة سلطة محمود عباس في تحطيم النظام الحكومي في القطاع تحت إمرةِ حماس. هذا سياسيًّا؛ أما عسكريًّا فقد بدأت كتائب الشهيد عز الدين القسام من مرحلة كانت فيها بندقية واحدة قديمة تدور على عدة مدن في الضفة والقطاع لتنفيذ العمليات بها؛ وسبق ذلك بطبيعة الحال ثورة الحجارة وحرب السكاكين. أما الآن وبعد عقدين من إنطلاقتها أصبحت الكتائب جيشًا نظاميًّا يشهد له عدوهُ بالبراعة والمهنية والقدرة القتالية العالية وحُسْن إدارة العمليات؛ ويتنفس جنود الاحتلال من وحدات النخبة الصعداء حين يأتيهم أمر الانسحاب من مواجهته! ولو عدنا للكيفية التي أطلقت فيها كتائب القسام فكرة النضال بالعمليات الاستشهادية (لن أدخل في جدلٍ حول أول عملية تفجيرية من نوعها في فلسطين وتحديد نسبها الفصائلي؛ لكنَّ أحدًا لا يستطيع أن يجادل في أن "يحيى عياش" كان الصناعي الذي أعطى هذه "الرياضة" صفة "الحرفة" وأخرجها من دائرة الخيار العسكري كهواية محتملة إلى صفة السلاح الماضي والورقة الاستراتيجية الأكيدة المحققة) ولو عدنا للكيفية التي ولدت بها فكرة صواريخ القسام من العدم لأمكننا أن نتطلع إلى العقد أو العقدين القادمين بعينين ممتلئتينِ أملاً في أن هؤلاء المردة سيأتون بما لا يمكن أن يتوقعه أحد – ناهيك طبعًا عن أن يفهمه أحدٌ من قليلي الهمة من محقري الصواريخ ومهيني العمليات الاستشهادية ورافضي أي سلوك يقطع عليهم سباتهم الأبدي في أحضان أمهم الرؤوم "أمريكا" ومرضعتهم "إسرائيل"!
أما إعلاميًّا؛ فقد استطاعت الحركة أن تستمثر المجازر والضربات القاسية المسددة لها في محاولة فك الحصار وتخفيف الأزمات عن شعبها وإطلاق دفعاتٍ من البخار الساخن في الاتجاهات الصحيحة؛ وتشتيت فرص الانفجار الداخلي وتحويلها إلى عوامل تغذية لأهداف الحركة الآنية والمرحلية. وهكذا – وكما لاحظ تقرير مجموعة الأزمات الدولية – نجحت حماس في تحويل الضغط على الجمهور إلى طاقة تحرك هذا الجمهور ليصب جام غضبه على من يحاصره ويحاصرها معًا. لقد كان محللو الصهاينة وساستهم يشدون شعور رؤوسهم بالإجماع وهم يرون حماس تستغل صَلَفَهُم وبَهيمِيَّتَهُم العدوانية الوحشية – حين قُطِعَت الكهرباء عن غزة – وتُرْسِلُ الأطفال في مسيرة بالشموع نجحت في مخاطبة أكثر القلوب تحجُّرًا وتَكَلُّسًا؛ وعلى نحو أجبر حتى نظام "تمام يا أفندم" على أن يفتح الأبواب ولو لبعض الوقت!
أما على الصعيد التعبوي؛ فالحركة تدير نظامًا فعَّالاً في العمل الجماهيري يحسدها عليه "الحزب الحاكم" وكل الأحزاب الاخرى في فلسطين. وفيما بعض الشُّعَب الحزبية لأيديولوجيَّات تجاوزها الزمن تنعقد بالواحد والاثنين والواحدة والاثنتين تُجيِّش حماس عشرات الآلاف في كل روحة وغدوة. وبينما تقف بعض الأحزاب لتتكلم في الفراغ وفضاءات الوهم عن حقوق المرأة وشراكة الجنسين ومساواتهم وهي مع ذلك لا تستطيع أن تحشد خلف هذه الشعارات "البراقة" أكثر من بضعة "رفيقات" – بينما يحدث هذا فتقوم حماس بتجييش الآلاف من النساء المحجبات المجلببات اللاتي - وإن كنا لا نعرف ألوان جواربهن - إلا أنَّنَا نعرف كريم فعالهِنَّ ونضالَهُنَّ وقتالَهُنَّ في سبيل حقوق المرأة الفلسطينية وحقوق الأسرة الفلسطينية وحق هذا الشعب في استقلال وطنه وحماية أشواقه الروحية من العدوان والتدنيس. شاهدناهُنَّ مع أم نضال فرحات ومع جميلة الشنطي وعرفنا منهُنَّ الأخت الأسيرة أحلام التميمي والمقاتلة الفدائية سناء قديح التي أبت حين حاصر الصهاينة بيت زوجها المجاهد باسم قديح – أبت إلا أن تقاتل معه؛ وترتقي إلى العلا معه؛ وفي يدها رشاش مثل الرشاش الذي في يده!
لكننا نفرد الخاتمة للسياسة وما يلحق بها من نشاط أمني ومخابراتي. نأتي في هذا المقام بمثالٍ قديمٍ نسبيًّا – بضعة أشهر إلى الوراء – فنستدعي تقرير الطيب عبدالرحيم عن أحداث غزة. في ذلك التقرير سجلت لجنة التحقيق الفتحوية دهاء حماس وبراعتها في نزع فتيل المواجهة مع فتح عن طريق اختراق أجهزة الأمن بشريًّا (من خلال وجود عناصر من حماس يعملون فيها أو من خلال تجنيد وجوه جديدة) واختراقها معنويًّا (من خلال الشرح والتعريف طويل المدى لطبيعة المواجهة بين حماس وأيتام دايتون كمعركة تستهدف العملاء وحسب ولا تقصد النيل من كل عنصر في فتح) وكيف أن ذلك أسهم في وَهنٍ عامٍّ في هذه الأجهزة وعزوفٍ عن القتال على كل طبقات الهرم.
أما مؤخرًا؛ فقد سدد العقل الحماسي ضربة نوعية لصلف فتح وتعنتها؛ وذلك حين نجحت حماس في أن تجعل فتح "تحنث" بيمينها الخاص بعدم الحوار مع "الإنقلابيين" حتى يرجعوا عن "الإنقلاب". الذي حصل أن حماس نجحت في استدراج فتح للجلوس دون أن تعطيها شيئًا؛ وأحالت كل نقاط الخلاف إلى الحوار؛ وأجبرت فتح على أن تقر أن النقاش يجب أن يشمل الضفة وغزة معًا. لقد كان مثيرًا للطرافة ذلك الخلاف الذي جَرَّت حماس فتح له على الهواء مباشرة وعلى شاشة القناة الأكثر مشاهدة في العالم العربي! أما الأكثر طرافةً على الإطلاق فهو نجاح الإسلاميين في جعل فتح تجرع من كأس الخيبة المرة الذي لطالما مزجته لنا...فوافقت فتحُ حماسًا على مناقشة المبادرة اليمنية "كاتفاق إطار" وليس كاتفاقية نهائية برسم التنفيذ. تُرى؛ هل كان في هذا انتقامٌ جزئيٌّ لوعينا الذي اعتدت فتح عليه مرات ومرات وهي تُكْرِعُنا المر في كل مرة عادت فيها "باتفاق إطار" من "أوسلو" أو "واي ريفر" أو "جنيف" أو أي منتجع تفاوضي آخر؟ "اتفاق إطار" يعيد الصهاينة تفسيره مائة مرة ومرة ولا ننال منه في نهاية المطاف إلى الجوز الفارغ؟! (الغريب أن "ياسر عبدربه" لاحظ أن الحوار على المبادرة اليمنية كإطار اتفاق وليس كاتفاقية برسم التنفيذ يمكن أن يطيل الحوار إلى سنوات وسنوات. لماذا لم يفكر عبدربه في هذه النتيجة المرعبة حين صنع عديد "الفريم ويركس" في جولاته ونزواته التفاوضية التي لعب فيها بحقوقنا وثوابتنا دون مشورة منا؟!)
وليس ذلك كل شيء؛ فحماس نجحت فوق هذا كله في إجبار وفد فتح على الكف عن ممارسة لعبة الاختباء خلف اسم "المنظمة". وإن كنا رأينا رأفت صالح وقيس عبدالكريم في الأيام الأولى من المحادثات على شاشات التلفزيون كثيرًا (وصدق الرجلان الدور تصديقًا كاريكاتيوريًّا) فإننا لم نصل إلى نهاية الحوار إلا وصفة "وفد فتح" تفرض نفسها في الإعلام وعلى لسان المتحدثين اليمنيين وعلى شخوص ركب "المنظمة" بعينهم!
هذا كله بتوفيق الله ثم باجتهاد هذا الفريق المسمى حماس! فهذا صنفٌ جديدٌ من الإسلاميين لم تعتده فلسطين ولم يعتده العالم العربي. هذا جناحٌ مختلف من الإخوان المسلمين يتعبد الله بمغالبة خصومه بكل ما أوتي من قوة وفي كل ساحات المواجهة ولا يوفر عدوًّا؛ ولا يدير خدَّهُ الآخر ليُسَوِّي بين الخَدَّيْنِ في تلقي الصفعات! كلاَّ كلاَّ! بل إنه يستجمع كلتا قبضتيه ليهشم أسنان هذا الخصم المجتريء على التطاول والعدوان. هؤلاء الإخوان غيرُ إخوانهم من أبناء الجماعة في غير بلد عربي؛ ممن لا زالوا عاجزين عن مبادلة الأنظمة لعبًا بلعب ودهاءً بدهاء (عسى الله أن يفك عقدتهم قريبًا!). ولو كنت مكان أيٍّ من أولئك الذين يدعو لهم ملايين المصلين في العالم العربي في صلوات الجمع – وهو واللهُ أعلم دعاءٌ لا نرى له بعلمنا البشري المحدود أثرًا من استجابة! – لخشيت على نظامي وملكي من أن يتعلم الإسلاميون عندي طريقة حماس في شق طريقها نحو أهدافها وأهداف شعبها وجمهورها الذي صدَّرها. ولعل في هذا تفسيرًا "للعداء" المميز الذي تحظى به الحركة من أنظمة السوء؛ ومن "صديقتهم" حامية الأوغاد..."أمريكا"!
في ذكرى استشهاد شيخي المقاومة الإسلامية المعاصرة أحمد ياسين وعبد العزيز الرنتيسي اخترنا أن نعرض بلسان أفعال حماس وليس بلسان المقال المجرد سيرة حركة شَبَّت عن الطوق وتجاوزت الغصة التي خنقتنا جميعًا حين ودعنا الشهيدين. الآن على أرض فلسطين جسدٌ أصلبَّ عودهُ لحركة إسلامية متجذرة قوية ممتدة تصنع القادة والرموز ولا ينقض بناءَها شهادةُ قادةٍ كرام – ولا ينقص من عظيم قدرهم أنهم صنعوا حركة مؤسسية لا ينفرط عقدها بموت قائدٍ أو شهادته. وحين ننظر في كتاب حماس تمتلأ قلوبنا وعقولنا يقينًا بأن يوم الثأر للشيخين ولكل شهدائنا ودمائنا قادمٌ لا محالة؛ وهو يوم ستعود فيه فلسطينُ الكاملةُ عرييةً إسلاميةً من البحر إلى النهر؛ وسَتَتَجَدَّدُ فيه في هذه البلاد لصلاحِ الدينِ أعراسٌ وأفراحٌ بعز عزيزٍ أو بذلِّ ذليل!
* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع