بعد أيام قلائل ستستضيف العاصمة السورية دمشق قمة عربية هي الأولى في تاريخها تلك القمة التي أطلق عليها عدد من الكتاب والباحثين والمراقبين قمة التناقضات أي التي تحمل في طياتها الكثير…
بعد أيام قلائل ستستضيف العاصمة السورية دمشق قمة عربية هي الأولى في تاريخها ، تلك القمة التي أطلق عليها عدد من الكتاب والباحثين والمراقبين "قمة التناقضات" أي التي تحمل في طياتها الكثير من التناقضات، هذه التناقضات تتمثل في كون كثير من الدول العربية تعتبر أن سوريا لم تعد تغرد داخل السِرب العربي وأنها أصبحت جزءً من المِحور الإيراني ومشروع الهلال الشيعي على المنطقة العربية الأمر الذي يعزز من الحضور الإيراني وفرض أجندتها في المنطقة العربية، التناقض الآخر يتمثل في كون أمريكا تعتبر دمشق عاصمة حاضنة للإرهاب وبالتالي هي جزء من محو الشر الذي تتخوف منه أمريكا وتحاربه بكل قوة وهو الأمر الذي أجبرت الدول العربية على الإيمان به ، والتناقض الثالث يتمثل في أن هناك إجماعاً عربياً على حل الأزمة اللبنانية بما يضمن حرية وسيادة لبنان إلا أن كثير من قادة العرب أو بالأخص قادة الرباعية العربية يعتقدون أن دمشق تعمل في الاتجاه المعاكس وأنها تُعطل انتخاب الرئيس في لبنان لتنفيذ مشاريع خاصة بها بلبنان وبما يخدم أجندتها، المتناقض الرابع هو أن سوريا التي اختلفت مع كثير من الدول العربية حول عدة قضايا شائكة في المنطقة العربية بل واختلفت مع عديد من الدول الغربية بما فيها الولايات المتحدة الأمريكية حول بعض من تلك القضايا إلا أنها استطاعت أن تجعل من قمتها سبيل للإجماع العربي حول حضور تلك القمة الأمر الذي يُعد قمة في التناقض لكنه في الوقت ذاته انجازاً للدبلوماسية السورية بل وأكثر من ذلك حيث تعد انتصار على الإرادة الخارجية .
قمة التناقضات تلك ستكون من بين أكثر القمم العربية زخماً كونها تنعقد وأمامها كومة من الملفات الشائكة خصوصاً في المنطقة العربية ابتداءً من حصار غزة وحالة الانقسام التي يعيشها مروراً بحالة الانقسام اللبنانية وما خلفها من تعذُر انتخاب رئيس للبنان، ثم إلى العراق الذي ما زال ينزف دماً.. ناهيك عن السودان ومشكلته الرئيسية "دارفور" وليس انتهاءً بالصومال، كل تلك الملفات وعديد من القضايا الإقليمية والدولية ستكون حاضرة في تلك القمة ، ما يعنينا نحن الفلسطينيون في تلك القمة هو التناقض الذي نبحث عنه ونتمنى أن يحصُل والذي يتمثل في "كسر الحصار عن غزة في ظل هذا الضعف والهوان العربي" بمعنى أن تنجح القمة العربية في دمشق من رفع الحصار الظالم والمفروض على قطاع غزة منذ ثمانية أشهر هذا الحصار الغير أخلاقي والذي فُرض على شعب قطاع غزة أمام ناظري اثنان وعشرون دولة عربية لم تحرك ساكناً بل صمت قادتها صمت القبور في مؤامرة لم يشهد لها العالم مثيل على الأطفال والنساء والشيوخ في فلسطين ، وتعدى الأمر إلى غض النظر عن محرقة ارتُكبت في غزة ذهب ضحيتها مائة وثلاثون شهيداً فلسطينياً وخمسمائة جريح تلك المحرقة التي أطلق عليها قادة صهاينة هذا الاسم لم تستدعي قلوب الحكام العرب ولا عطف المجتمع الدولي.. هذا المجتمع الظالم.
اليوم وبعد هذا الظلم الواقع على شعبنا الفلسطيني وخصوصاً شعب غزة علينا أن نقول وبكل صراحة أنه لا قيمة لقمة عربية لا يتبعها كسر الحصار المفروض على قطاع غزة لأنه لا يمكن أن يبقى الشعب الفلسطيني رهينة تحت رحمة الاحتلال الصهيوني بعيداً عن عمقه العربي والإسلامي ولا يمكن أن يبقى قادة العرب تحت رحمة الراعي الأمريكي إلى هذا الحد..، آن الأوان لقادة العرب أن يقفوا وقفة تكون بمثابة رسالة واضحة للعالم مفادها أن العرب ما زالت في أيديهم الكثير من أوراق القوة تلك الأوراق الرابحة التي يمكن لهم من خلالها التأثير في القرارات الدولية ذات العلاقة ، وإلا فلا فائدة من قمة يبقى من خلالها ملفات عربية شائكة بدون أي حل لا سيما حصار غزة، مكمن الخطر في موضوع رفع الحصار عن قطاع غزة لا يتمثل في عدم رغبة القادة العرب والمجتمع الدولي في رفع الحصار عن غزة بل في عدم رغبة قادة رام الله في ذلك، حيث أن قادة رام الله وحلفائهم في إسرائيل والمجتمع الدولي لا يعيرون اهتماماً كبيراً لحياة المدنيين بقدر اهتمامهم في القضاء على ما يسمونه "الإرهاب" في قطاع غزة المتمثل في حماس والذي يعتقدون أنها استولت على السلطة في قطاع غزة عبر ما يسمونه الانقلاب، وأنه لن يُرفع الحصار عن غزة إلا بعد عودة حماس حسمها العسكري ضد السلطة السابقة، فالإرادة العربية ربما تكون حاضرة لرفع الحصار بجدية لكن هل يضمن كائن من كان الإرادة في رام الله لرفع هذا الحصار وهذا ليس تجنياً بل هذا ما أكده قادة رام الله وعبر مؤسساتهم الرسمية ففي مجلس الأمن وأمام مرأى العالم.. ألم يعترض مندوب فلسطين على مشروع قرار يدين حصار غزة.. ثم ألم يذهب رئيس السلطة إلى مصر لتحذيرها من رفع الحصار واستمرار تدفق الفلسطينيين عبر الحدود التي فجروها أو العمل باتفاقية غير اتفاقية 2005م المذلة لشعبنا.. ألم يعطي الرئيس ذريعة للعالم لحصارنا وذبحنا بقوله إن القاعدة دخلت إلى قطاع غزة، كل تلك المحطات شواهد على عدم الرغبة الجدية لحكومة رام الله في رفع الحصار عن شعبنا في قطاع غزة على وجهه الخصوص، وعليه فان الرسالة التي يجب أن تصل إلى القادة العرب في قمة دمشق هي أن لا قيمة لوجودكم ولا لقممكم إن بقي الحصار مفروضاً على نساء وشيوخ وأطفال ومرضى غزة.
* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع