في الوقت الذي خفت فيه وتيرة المعارك في غزة بعد معركة جبل الكاشف إلى حد كبير لا زالت استعدادات كل الأطراف للجولة القادمة جارية على قدم وساق وتستمر في هذه الأثناء أحداث مواجهة أمنية…
في الوقت الذي خفت فيه وتيرة المعارك في غزة بعد معركة جبل الكاشف إلى حد كبير؛ لا زالت استعدادات كل الأطراف للجولة القادمة جاريةً على قدم وساق؛ وتستمر في هذه الأثناء أحداث مواجهة أمنية وسياسية مستعرة نحاول الآن قراءة مواقف مختلف الأطراف المنخرطة فيها.
سلطة المقاطعة
جاء اغتيالُ أربعةٍ من المطلوبين في بيت لحم صفعةً على جباهٍ صفيقةٍ ووجوهٍ خاليةٍ من الماء لساسةِ وإعلاميِّي تَوَسُّدِ الحضن الأمريكي. ما هي الصواريخ التي انطلقت من بيت لحم لتدخلها فرقة الموت الصهيونية وتقتل فيها وتذبح؟ وما هي حجج ومواقف أيتام "أنابوليس" أمام ما يجري بالمقارنة مع تبريرهم العاجز والمنافق للحرب على غزة بأن صواريخ حماس هناك تستجلب الصهاينة؟ رَدَّ قادةُ سلطة المقاطعة بتصريحاتٍ تظاهروا فيها بتصعيد اللهجة لكن الأفعال لم تصدق هذا الكلام الذي كان باردًا وباهتًا على أية حال. ففياض سارع لحضور اجتماعه المقرر مع الصهاينة بعد يوم واحد من المذبحة وازدراهُ هؤلاء بأن أرسلوا له مديرًا عامًّا في وزارة الدفاع وحسب. وليس هذا غريبًا على فياض وفريقه أبدًا ألم يكن قريع في اجتماعٍ مع يَهُود في القدس فيما هم يقتلون مرافقه الشخصي في رام الله؟ عند كل الأمم الحية تتأخر "المصالحة" مع العدو أعوامًا عديدة تناسبًا مع كم الدم المسفوك؛ أما "قادة" فلسطين هؤلاء فهم غير حساسين للدم أبدًا – اللهم إلا إن كان دمًا صهيونيًّا بريئًا تستدعي إراقته إدانة جديدة للعمليات "الحقيرة"!
لكن موقف سلطة المقاطعة لا يقتصر على تلقي صفعات الزراية من الكيان؛ فهي تساعد الكيان في ملاحقة المطلوبين. وعلى عكس ما يتصور بعض الذاهلين من هواة التغني الأصم بمصطلح الوحدة الوطنية (على طريقة الحملان في رواية "مزرعة الحيوان" لجورج أورويل) شهد أسبوع معركة جبل الكاشف والأسبوع الذي تلاه أعلى معدلات وحدة الأجندات بين حكومة فتح وحكومة الكيان؛ فسجلت حماس النسبة الأعلى لمطاردة واعتقال نشطائها على يد جلاوزة العملاء في الضفة؛ ووقفت خلود دعيبس وزيرة السياحة في حكومة المنطقة السوداء توجه الانتقادات ل حماس وهي ترفل بالرعاية أثناء "زيارة" داخل حدود الكيان. هذا ونبشركم بالنجاح المتجدد للحديين الجدد في إعادة مستوطن صهيوني دخل إلى مناطق السلطة خطأً. ترى ألا يمكن أن يكون هؤلاء الداخلون خطأً – عددهم زاد في الأشهر الأخيرة على الخمسين - أعضاء في فرق الموت وضلوا أهدافهم أو فشلوا في إنجاز المهمة؟ هذا ليس مهمًّا بالنسبة لفتح؛ فالمهم أن توفي الحركة "بتعهداتها" في إطار مرجعية عملية السلام وإلى آخر ما تقوله اسطوانات "صائب عريقات" المشروخة.
وطالت حملة الاعتقالات اللحدية الأخيرة عددًا من الصحافيين؛ فجرى خطف الصحافي نواف العامر (أفرج عنه لاحقًا هو والصحافي خليل مبروك مع استمرار خطف كل من الصحافيين مصعب قتلوني ومحمد القيق وأسيد عمارنة وعلاء الطيطي على يد زبانية أوسلو) ولم تشكل هذه الاعتداءات التي لم تتوقف على الحريات في الضفة أي وازع أو دافع للمؤسسات الحقوقية لتقف موقفًا شجاعًا يدين فتح. هذا في حين أن هذه المؤسسات غضبت لحرمان مراسلي تلفزيون فتح التخذيلي من تغطية الاجتياحات في غزة – نظرًا للغة الهدامة التنكيسية التي يستعملونها في تقاريرهم – وأقامت "مولدًا" للحريات حين جرى اعتقال "عمر حلمي الغول" الوزير في حكومة المنطقة السوداء لبضعة أسابيع! (هذا الأخير كتب مقالاً بمناسبة يوم المرأة دعا فيه "الديمقراطيين" و"الوطنيين" – يعني نفسه ومن على شاكلته من لاقمي رضاعة تل أبيب – لإنقاذ المرأة الفلسطينية من اكتساح العمل الإسلامي "الظلامي" لشارعها؛ فحسب منطق هؤلاء فإن لَفَظَكَ الشارع لَفْظَ النواة فلا شك أن المشكلة في الشارع! ولا شك أن حسرة هؤلاء على تناقص عدد السيقان العارية لا يذهبها ولا الاستحمام في بركة من الخمر التي يعاقرها "الغول" بكل فخر). وحديث الإعلام هذا يقودنا لأن نختم جرد حساب المواقف الأخيرة للسلطة بالإشارة إلى أن كلاًّ من حركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح" ودولة "إسرائيل" وجهتا الدعوات لمقاطعة قناة الجزيرة ولأسباب لا تكاد تختلف!
النظام الرسمي العربي
الفريق الأمريكي في العالم العربي غاضب من حماس التي جعل صمودها حضور قمة دمشق "إجباريًّا"؛ ويعتبر هؤلاء أن صمود حماس سمح لسوريا بأن "تزايد" عليهم بملف فلسطين فغلبت تمحكهم بملف الرئاسة في لبنان وقَرْنِ الحضور إلى دمشق بحله على ما خير ما يرضي أمريكا! وهناك بلد عربي "مركزي" يضغط على حماس التي يضيق بها وبحكومة الاخوان المسلمين فيها فيعبث معها حتى على المستوى الأمني؛ وذلك عن طريق التعامل مع فلول التيار الإنقلابي وبعض العائلات وحتى بعض الأسماء التي تفيأت عناوين "السلفية الجهادية"(!!!) للتخريب والعبث في غزة لإجبار حماس على الخضوع لاملاءاته. ولا يعرف هذا النظام أن مضغ الحجارة و"قرقشة" الصخور وشرب العناد المنقوع بماء الصبر هو فاكهة مجالس الإسلاميين في غزة هاشم!
الصهاينة
لا زال هؤلاء غاضبين بشدة من حماس وصنيعها. "دان مريدور" وزير العدل السابق مصر على التصعيد ويدعو لعدم عقد أي هدنة مع حماس و"افرايم سنيه" يطالب بسحق الحركة واستئصالها من غزة نهائيٍّا. هذه الأصوات ليست إلا انعكاسًا لأزمة الكيان مع هذا اللاعب الجديد المختلف والذي نجح – بحسب تصريحات وزراء في حكومة الكيان - في فرض قواعد اللعبة على الكيان وتحديد مواعيد رفع وتيرة النار ومواعيد خفضها. لذلك يتخبط الكيان غضبًا ويعد العدة لهجوم قد يقع في الربيع – لما يوفره من تحسن لإمكانات العمل من الجو بشكل كبير وسهولة حركة الدبابات على الأرض الجافة - وحتى ذلك الحين يحاول الكيان أن يمني النفس بأي نصر أمني. في هذا السياق جاءت عملية بيت لحم الإجرامية لاغتيال أربعة مقاومين وجرى نسج أساطير لا أساس لها عن مسؤولية أحد الشهداء (محمد شحادة) عن عملية القدس وكون الكيان سدد حساب العملية. أصل الاسطورة أن بيت الشهيد في بيت لحم كان قد هدم بعد عملية القدس بساعة واحدة؛ فربط مراسل الجزيرة "وليد العمري" بين الهدم والعملية؛ فذهب الخبر للإعلام الصهيوني وعاد من صحفهم ليتلقفه الإعلام الفلسطيني والعربي مرة أخرى كأنه قادم من مصدر صهيوني؛ فقرن البعض العملية بمحمد شحادة (هؤلاء هم إما أجنحة في الكيان أرادت أن تقول أنها انتقمت لعملية القدس أو جهات فلسطينية فاقدة للمصداقية تمارس الكذب على سجيتها!) فيما الحقيقة تبقى أن الكيان لا زالت رأسه تدور منذ وقعت تلك العملية الخطيرة ولا زال لا يملك ولا خيطًا واحدًا يقوده للمخطط والمنفذ الحقيقي. كل هذا فيما كتائب عز الدين القسام تلاعب الكيان لعبة صامتة لكنها تكاد تُفْصِح؛ فتُقْدِم وتُحْجِم وتُعْرِضْ وتُعَرِّضْ وتَتَحَفَّظ بخصوص الفاعل الحقيقي ودون أن تسمح الكتائب – لأمر ما! – لأي طرف بتأكيد صلته بالعملية فتسارع لتكذيبه. ولا زالت حرب العقول بين الفريقين المقاوم والصهيوني وإعلامهما سجالاً!
حماس
بالنسبة لكتائب القسام لا زالت اليد على الزناد تحسبًا لغدرات المنافقين وقريظة (غساسنة أمريكا) وبالدرجة الأولى استعدادًا لفجرات قريش وغطفان (جيش العدو الصهيوني). ولا زالت الكتائب تحافظ على المستوى المطلوب من الشدة في لعبة عض الأصابع؛ فتُطلِقُ رشقات من نيران الرشاشات الثقيلة على سيارات اجتازت خط حدود القطاع منذ نحو يوم وتَفْتَحُ النار في عملية لها ما بعدها على مروحية عسكرية صهيونية فتصيبها وتجبرها على الهبوط الاضطراري؛ وهو أمر لم يحدث في قطاع غزة منذ العام 1967 وكما قالت المصادر الصهيونية! ونحن حين نعرف كيف بدأت صواريخ القسام بل كيف بدأت كل الكتائب وكيف كانت بندقية قديمة أو مسدس واحد يدور على مدن فلسطين كلها لتنفيذ العمليات وننظر لواقع الكتائب الحالي نتفاءل بمستقبل الدفاع الجوي القسامي كثيرًا. فوتيرة النمو والتطوير لدى كتائب القسام لا تشبه شيئًا مما ألفه العدو أو جيوش وعروش الرجعية العربية.
هذا في غزة؛ أما في الضفة فقد دوى صوت إسماعيل هنية في بيت عزاء شهداء بيت لحم ووعد الرجل بكفالة إعادة بناء منزل الشهيد محمد شحادة. وكتائب القسام في الضفة توعدت بالانتقام وخاضت اشتباكات عنيفة في قلقيلية مؤخرًا مع قوات الاحتلال المتوغلة بتنسيق ورعاية من جهاز المخابرات الفلسطيني العميل. وصدرت في الأسبوع الماضي أحكام صهيونية بمؤبدات مكررة على "شكيب العويوي" و"موسى وزوز" و"محمد الجولاني" و"لؤي العويوي" من عناصر كتائب القسام لقتلهم عددًا من الصهاينة في 3 عمليات وقعت في الأعوام الثلاثة الماضية في الضفة الغربية وكانت قد تبنتها – كالعادة! -كتائب الكذب باسم المسجد الأقصى!
وفيما أبناء الزهار وخليل الحية ومحمد شهاب يتقدمون صفوف الشهداء كتب "ايريز ايشل" في "يديعوت" يتساءل عن أبناء أولمرت لماذا لا يقاتلون في الجيس بل لماذا لا يعيشون داخل الكيان!
ويبدو واضحًا أن الحركة قررت منح المصريين بعض الوقت القصير للسعي لايجاد هدنة مع الكيان – تمامًا كما أعطى الكيان تهدئة مؤقتة في غزة لذات الأسباب – لكن الحركة أعطت الضوء الأخضر لقوى المقاومة بقصف "سيدروت" ردًّا على تعدي الكيان في بيت لحم. وعلى المدى الأوسع لا زالت الحركة عازمة على فك حصار القطاع وشمولية وتبادلية التهدئة؛ وإن لم يتحقق هذا قريبًا فهناك استعداد نهائي لدى الحركة للتصعيد الصاروخي على سيدروت وعسقلان وربما ما بعد عسقلان! هذا بخلاف الأفق الجديد الذي تفتحه عملية القدس – التي لم تتبنها حماس بعدُ وإن كانت أحاطتها كما قلنا برعاية سياسية وإعلامية خاصة يفهم الكيان مغزاها جيدًا – والذي بموجبه سيكون من الممكن كيل آيات العقاب الأمني الموضعي للكيان في جبهات ظن أنه فرغ منها؛ أو بالتعبير القرآني "فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا"...وهذه على أية حال سيرة كتائب القسام في حرب الكيان منذ نشأت تعود للضرب تمامًا حين يظن الكيان أنه أجهز عليها!
وهكذا تستمر هجمة الأحزاب على مدينة القسام...ولا زالت حماس تقابل هذا كله بقلب قويٍّ ثابتٍ ولسانُ حالها يستهزأُ بجيفعاتي وطابور عرب أمريكا الخامس كأنها تُنْشِدُ قول الأعرابيّ "نحن الأُلى فاجمع جموعك ثم وجههم إلينا"!