آخر القول.. زوال الكيان الصهيوني حقيقة واقعية وحتمية تاريخية

آخر القول.. زوال الكيان الصهيوني حقيقة واقعية وحتمية تاريخية

عدنان سليم أبو هليل
2008-02-23

عدنان سليم أبو هليل على أهمية الخطاب الديني في هذا الموضوع ووجاهة سوق الأدلة حول سنن الله تعالى العامة في إزالة الممالك وإهلاك الكافرين والظالمين والأدلة الخاصة باليهود ومآلات…

  عدنان سليم أبو هليل

على أهمية الخطاب الديني في هذا الموضوع ووجاهة سوق الأدلة حول سنن الله تعالى العامة في إزالة الممالك وإهلاك الكافرين والظالمين والأدلة الخاصة باليهود ومآلات الصراع معهم والتأكيد على أن القوة المادية ليست حصانة لأمة بالغة ما بلغت أو بالغت في الاعتماد عليها إذا كان الحديث عن قدرة الله تعالى وإرادته وحكمته.. وقد قال تعالى {ألم تر كيف فعل ربك بعاد. إرم ذات العماد. التي لم يخلق مثلها في البلاد. وثمود الذين جابوا الصخر بالواد. وفرعون ذي الأوتاد. الذين طغوا في البلاد، فأكثروا فيها الفساد. فصب عليهم ربك سوط عذاب. إن ربك لبالمرصاد} سأكتفي بما قيل ويقال من هذه الناحية الدينية ـ وما أكثره ـ وسأتطرق للموضوع من زاوية المنطق السياسي والحسابات المادية المجردة وبلغة الواقع التي لا يفهم البعض إلا بها، حتى لا يبقى كلامنا ـ في نظر هذا البعض ـ مجرد نظريات دينية وخواطر إيمانية أو خيالات وأوهام دراويش وبلهاء، وأذكّر بداية بأن دولة العدو هي التي تعلن بأنها لم تنجز حتى اليوم ما قامت لأجله وأنها لا تزال في مرحلة «الاستقلال» ولا تزال لم تعترف بها عشرات الدول على رأسها الدول العربية والإسلامية أما زعمائها فمن السهل اكتشاف أنهم مسكونون بشعور فظيع مميت من الخوف على مستقبل دولتهم وأبنائهم.

وأقول إن زوال دولة العدو قد أصبح واقعاً بلغة التحليل الموضوعي والقراءة الواعية للأحداث ورصد المتغيرات وفي ضوء معرفة سنن التاريخ وفهم طبائع الاستبداد! ولنتذكر أن بن جوريون قد حدد ثلاثة أهداف لها واعتبر تحقيقها هو الدليل على قيامها وبقائها والثلاثة هي «الاستيطان والهجرات اليهودية إليها ثم التطبيع والاندماج في الجوار..» وأترك للقارئ أن يحدد ما إذا كانت هذه الأهداف قد تحققت حتى مع الدول التي غرقت في التطبيع مع دولة الاحتلال أم لا، وبنظرة سريعة على الخط البياني لهذه الاستراتيجيات يمكن التعرف بسهولة على أنها لم تتحقق وأنها بدأت تعود حوراً على كور ـ كما يقولون ـ أما لماذا فبالتأكيد ليس لأن دولة العدو غير قوية كفاية، ولا لأن الدول العربية العلمانية تفعل شيئاً ضدها أو تعاكس اتجاهها فقد نبذت هذه الدول المقاومة وكسرت البندقية وكسرت معها إرادة الصمود منذ زمن بعيد.. ولكن لسبب آخر هو في ذات دولة العدو وإنما المقاومة تعززه وتستثمره وهو أن هذه الاستراتيجيات نفسها غير قابلة للتحقيق وتحمل أعراض موتها وأسباب علتها في محاضنها.. وأما كيف فهذا هو مربط الفرس في موضوعي اليوم.

وأقول أولاً لأنها استراتيجيات تتسم فيما بينها بالتناقض.. فالاستيطان يقتضي العدوان والطغيان والدماء وترافقه الحروب ونهب الأراضي وتهجير الناس وتدمير مزارعهم.. وذلك يستفز المقاومة أكثر فأكثر فيصعب من إمكانية التوصل لتهدئة فضلاً عن سلام أو تسوية ويضعف الهجرات اليهودية بل يزيد على عكس ذلك الهجرات المعاكسة من وليس إلى الكيان.. هذا عن التناقض بين الاستيطان والهجرات، ثم هناك تناقض آخر بين الاستيطان والهجرات من جهة وبين التطبيع مع بيئة محيطة موالية للفلسطينيين بالمعايير الدينية والقومية ولا تقبل التنكر لهم أو تجاهل معاناتهم من جهة أخرى.. ومن هنا فإن دما يسيل في فلسطين من أي من الطرفين هو في الواقع يزيد من أزمة الكيان ويقرب من حتمية زواله والقضية تتجاوز أثرها على الرأي العام فقط ليكون لها أثر على أصل وجوده ومبررات بقائه بما يزيده من تناقض بين هذه الاستراتيجيات الثلاث.

ثانياً ولأنها استراتيجيات تتسم بالمؤقتية وما قبولنا وقبول العالم بها وبتناقضاتها إلا مرتبطاً بضعفنا أمامها وعجزنا عن مواجهتها أو بما جرى علينا من تلفيق واستغفال وتخويف وتطميع وما تبع ذلك من قلة الوعي وصناعة الأوهام ـ أوهام السلام وأوهام الرخاء بعده وأوهام الهزيمة والعجز ـ.. وهذه كلها اعتبارات لم تعد الشعوب تقتنع بها وهي في سبيلها للتلاشي مع كل صعود للمقاومة ومع كل فشل للاحتلال ومع كل تعثر للتسوية ومع كل انفضاح لرموزها ومع كل يوم يمضي بدون إنجاز شيء ما على صعيدها.. وفي هذا السياق يأتي كلام السيد حسن نصر الله حول قرب زوال دولة العدو، وهنا تلتمس أهمية تحولات الرأي العام العالمي ـ وبالأخص الغربي ـ الذي صار يعتبر دولة الكيان وأمريكا التي تدعمها بشكل مطلق الخطر الأكبر على السلم العالمي والتعاون الدولي، ويأتي الحديث عن فشل كل محاولات التقريب بين شعوب المنطقة وأمريكا، وفشل كل محاولات التطبيع وتسويق الاحتلال، وهنا يأتي الحديث عن أهمية الزمن في علاج التقصير والجهل اللذين يوفران البيئة الحاضنة للاحتلال، وهنا يأتي الحديث عن قيمة وأهمية المفاصلة الجارية في فلسطين بين تيار التسوية الذي تغطى زمنا بدعوى الثورية والقومية وهو اليوم يتدثر بالاحتلال ويعول على الاختلال وبين تيار المقاومة الذي يستفيد من كل دم يبذله وخسارة تقع عليه بقدر ما يستفيد من كل نصر أو إنجاز يحققه، وهنا تأتي أهمية المقاومة في زيادة المأزق الثقافي ثم الميداني للاحتلال وهو ما لا يفهمه الذين يزهدون فيها ويظنون أو يزعمون أنها عبثية.. ويأتي دور الكتاب والمثقفين والإعلاميين.. الذين يبرزون جدوى المقاومة وحجم التناقض بين استراتيجيات دولة العدو.

ثالثاً وهي استراتيجيات تعتمد على الخارج «أمريكا والغرب» لإيجادها وتسهيلها والدفاع عنها وتسويقها على الرأي العام، وعلى الخارج «نحن» ضعفاً ومؤامرات وتناقضات فوجود «إسرائيل» إذن هو معادلة الآخرين بالنسبة لها وليست معادلة القوة الذاتية وهنا يأتي الكلام على ضرورة أن تنتهي رعونات جماعة رام الله الذين يرفضون الحوار الداخلي ويسعون للمزيد من إثارة الدماء وإيقاد الفتنة وشق الصف الوطني والذين يخططون لاغتيالات ضدها تؤبد الصراع.. فالقضية إذن أكبر وأخطر من تقاطعات مع أهداف الاحتلال وخططه وخدمة آثمة لأمنه، وهنا أيضاً تأتي مصلحة الاحتلال في وجود هؤلاء وعلى هذه الشاكلة لتصبح جريمتهم ليست خدمة الاحتلال بل صناعته وبث الروح فيه.. «إن كانوا لا يدرون فتلك مصيبة أو كانوا يدرون فالمصيبة أعظم».

سيقول بعض الناس هذا كلام جميل وأمنيات رائعة ولكنها بعيدة المنال وأبعد عن الواقع وهي أقرب إلى الخيال.. في ظل انقسام الحالة الفلسطينية خصوصاً والحالة العربية والإسلامية عموماً وفي ظل عظم قوة جيش العدو وتدججه بالأسلحة النوعية والذكية والاستراتيجية والتقليدية وفي ظل وجود جيوش أجنبية جرارة على أراضينا، وفي ظل ما ابتلينا به من طغيان الفكر المادي والإحساس بالعجز العام والهزيمة النكراء وتواطؤ البعض مع الأعداء كثيراً أو قليلاً مجاهرة أو في الخفاء.. وأقول لو تجاوزنا قلة الدقة في هذا التشخيص للحالة الراهنة ولو افترضنا الاعتراض صحيحاً فإنه يكون وجيهاً لو كان الحديث عن زوال دولة العدو يتعلق بهذه الليلة أو الغداة أو يرتجى بالهمم الساقطة والجيوش الرسمية البليدة الباردة، وأما أن العدو يمتلك قوة.. فإن وجود الدول واستمرارها ليس مرهوناً بقوة مجردة عن المنطق الإنساني والمبرر القانوني والدعم الأيديولوجي هذا أولاً، وثانياً لقد شهدنا وقرأنا عن ممالك ودول وإمبراطوريات زالت مع أنها تمتلك قوة جبارة وآخر مثال على ذلك الاتحاد السوفييتي، وحتى لا نبتعد كثيراً عن جوهر الاعتراض إذا كانت القوة المادية وكل ما يذكر عن العدو هنا هو الحاسم في المواجهة ونزال الإرادات ومبررات النصر فلماذا انسحب من لبنان عام 2000 وترك من خلفه عملاءه اللحديين؟ ولماذا لم ينتصر في صيف 2006 على بضعة آلاف من المقاومين الأشبه بالمدنيين؟ ولماذا انسحب من غزة العزلاء الجائعة؟ «ما أكثر اللماذيات في هذا السياق»!!

آخر القول إن القوة العسكرية التي يمتلكها العدو ومهما عظمت أو فتكت فلن تستطيع تعطيل سنن الحياة ولن تقدر على حسم مشكلات التناقض بين الاستراتيجيات التي تقوم عليها دولته، ولن تكون قادرة على لجم ما سيترتب على تلك التناقضات من تهديد للسلم الداخلي في الكيان نفسه ولقد صار زواله حقيقة واقعية وحتمية تاريخية و«من كان يظن أن لن ينصره الله فليمدد بسبب إلى السماء ثم ليقطع فلينظر هل يذهبن كيده ما يغيظ»!!

* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع
جميع الحقوق محفوظة لدى دائرة الإعلام العسكري لكتائب الشهيد عز الدين القسام ©2026