اجتياح قطاع غزة.. بين الممكن والمستحيل

اجتياح قطاع غزة.. بين الممكن والمستحيل

أحمد الحيلة
2008-02-20

كثر الحديث في الأيام القليلة الماضية حول استعداد جيش الاحتلال الإسرائيلي لسيناريو اجتياح قطاع غزة وسط ارتفاع أصوات مختلفة من المسؤولين الصهاينة المطالبة بذلك بهدف القضاء على…

كثر الحديث في الأيام القليلة الماضية حول استعداد جيش الاحتلال الإسرائيلي لسيناريو اجتياح قطاع غزة وسط ارتفاع أصوات مختلفة من المسؤولين الصهاينة المطالبة بذلك، بهدف "القضاء على حماس، وإسقاط الحكومة الفلسطينية في غزة في غضون أشهر معدودة"، وذلك كما جاء على لسان نائب رئيس الوزراء الإسرائيلي حاييم رامون (11/2)، أي التخلص من المقاومة الفلسطينية وصواريخها التي باتت تؤرق القيادة السياسية والعسكرية الإسرائيلية المتخوفة من تحول حركة حماس والمقاومة في الجنوب إلى قوة تشبه قوة حزب الله في جنوب لبنان، وبالتالي وقوع إسرائيل في شرك استراتيجي نتيجة تجذّر حالة المقاومة المسلحة في الجنوب والشمال، كتهديد لأمن واستقرار الكيان الإسرائيلي، الذي ما زال يعاني من أزمة فشله في حرب تموز 2006

وبغض النظر عن مدى مصداقية ودقة ادعاء الاحتلال بأن حماس أصبحت تمتلك من القدرات التسليحية والقتالية ما يجعلها تحاكي نموذج حزب الله..، ـ بسبب وجود اختلافات موضوعية بين الحركتين على صعيد البيئة الداخلية، والمحيط الإقليمي ـ ، إلا أن حركة حماس والمقاومة في غزة ـ ناهيك عن الضفة ـ كانت وما زالت تشكل هدفاً رئيساً للاحتلال الإسرائيلي الذي بات ينظر إلى المقاومة الفلسطينية على أنها تهديد متعاظم، قد يتحول بفعل الزمن وتراكم الخبرات إلى تهديد دائم يصعب التعامل معه أو التخلص منه عسكرياً.

ولذلك نجد أن القيادة الإسرائيلية كلما تجدد لديها الشعور بخطر الصواريخ الفلسطينية التي تسقط على اسديروت (يسكنها نحو ربع مليون مستوطن) بعد كل مرة يقدم فيها الجيش الإسرائيلي على استهداف المدنيين الفلسطينيين أو المقاومة..، تسارع تلك القيادة إلى الاجتماع ولطرح فكرة اجتياح غزة كوسيلة لا بد منها للتمكن من القضاء على البنية التحتية للمقاومة، بعد أن فشلت كل المحاولات الإسرائيلية السابقة للنيل من عزيمة المقاومين ومطلقي الصواريخ، الذين تمكنوا في 3/1/2008 من استهداف مدينة عسقلان التي تقع شمال اسديروت، عندما وصل أول صاروخ (غراد) إليها على أيدي مقاومي الجبهة الشعبية ـ القيادة العامة.

ما يدور حالياً من نقاش في القيادة الإسرائيلية، إنما هو على صلة باستهداف المقاومة الفلسطينية في الضفة الغربية التي تعتبرها حكومة سلام فياض بمثابة ميليشيا خارجة عن القانون، وهو على صلة بحصار غزة الهادف إلى تركيع المقاومة وحركة حماس والشعب الفلسطيني الذي انحاز لخيار المقاومة..، وهو على صلة بالتخوف الإسرائيلي من فشل الحصار المضروب على قطاع غزة، بعدما انتفض الفلسطينيون مؤخراً لكسر الحصار، عابرين الحدود مع مصر للتزود بالغذاء والدواء..، وهو على صلة بتخوف الاحتلال من ابتلاعه لمعادلة ميزان الرعب المتبادل التي تحاول المقاومة صياغتها على قاعدة أن لكل فعل ردة فعل، وأن على الاحتلال أن يدفع الثمن غالياً في كل مرة يقدم فيها على الاعتداء على المدنيين الفلسطينيين، عبر استهداف مدنه الجنوبية بعدد من الصواريخ.

تكرار النقاش حول مسألة اجتياح غزة من حين إلى أخر في الوسط الإسرائيلي، يؤكد أن الاحتلال فشل في القضاء على المقاومة وعلى ظاهرة الصواريخ في غزة، وهذا ما يفسر سبب الحدة والغضب والسخط المتعاظم لدى بعض المسؤولين الصهاينة، الذين دعا بعضهم لمحو أحياء سكنية بالكامل في غزة مقابل كل صاروخ يسقط على اسديروت..، هذا فضلاً عن المطالبة باستهداف كامل القيادة السياسية لحركة حماس عندما أعرب الوزير شاؤول موفاز عن غضبه بالقول "لا يوجد شيء يسمى ذراعاً سياسياً في حماس. كلهم مشاركون في الإرهاب. لا أفهم لماذا لا نضرب حتى محمود الزهار الذي هو الآخر ضالع مباشرة في الإرهاب" (هآرتس 11/2)

أمام هذا التشنج، والتعاظم في المطالبة باجتياح قطاع غزة بالكامل، وقف رئيس الوزراء أولمرت، ووزير دفاعه باراك على مسافة من تلك الدعوات مطالبين المتحمسين بالتريث والتعامل مع الحدث ببرودة أعصاب، مع إبقاء الخيار لاجتياح غزة والاستعداد له قائماً..

وفي تقديرنا أن التريث المطلوب لاتخاذ القرار، عائد إلى وجود مجموعة من المعوقات التي تستلزم التفكير فيها ملياً قبل الإقدام على خطوة بهذا الحجم، خاصة وأن خلاصات تقرير فينوغراد ما زالت ماثلة أمام أعين أولمرت الذي لم يتخلص بعد من آثارها السياسية السلبية في الداخل الإسرائيلي.

ومن المعوقات التي تقف دون الاجتياح الواسع لقطاع غزة، نذكر ما يلي

أولاً حجم الخسائر البشرية المتوقعة في صفوف جيش الاحتلال الإسرائيلي، حيث تقدر أجهزة الأمن الصهيونية بأن جيش الاحتلال قد يتعرض لفقدان المئات من الجنود أثناء الاجتياح، لأن طبيعة قطاع غزة المزدحم بالمدن والمخيمات، والمكتظ بالسكان تفرض على جنود الاحتلال خوض حرب شوارع، وقتالاً وجهاً لوجه مع عدد كبير من المقاومين في الشوارع والأزقة الضيقة..

 ثانياً أن الاجتياح الواسع لغزة، يحتاج إلى تأمين الجبهة الإسرائيلية الداخلية، وخاصة في مدينتي اسديروت وعسقلان، وفي بلدات إسرائيلية أخرى شرق قطاع غزة، والواقعة في النقب الغربي، والتي أثبت الواقع بأنها تقع تحت مرمى الصواريخ الفلسطينية. ويزيد من حجم هذا التخوف أن مصادر الاحتلال الأمنية تعتقد بأن المقاومة الفلسطينية تمتلك صواريخ أكثر تطوراً من الصواريخ التي تستخدمها لحد الآن، وهي تحتفظ بها ليوم الحسم أو لمواجهة أي اجتياح صهيوني مرتقب على قطاع غزة لتمطر بها البلدات والمدن الإسرائيلية في الجنوب..، الأمر الذي سيخلق مأزقاً جديداً للقيادة الإسرائيلية إثر النزوح الجماعي المتوقع للمستوطنين اليهود من الجنوب إلى الشمال.

 ثالثاً سلاح الطيران الإسرائيلي يفضل خوض الحرب مع الخصم في سماء صافية وخالية من الغيوم، لتحقيق أفضل النتائج، وهذا يتطلب تأجيل أي سيناريو لاجتياح غزة ـ في حال إقراره ـ إلى الصيف، أي إلى شهر أيار/ مايو، أو حزيران/ يونيو القادم مع بقاء دوافع العملية العسكرية قائمة إلى حينه. وإذا كانت الأحداث في الشرق الأوسط سريعة ومتقلبة، فإن هذا سيضيف المزيد من المصاعب أمام القيادة الصهيونية في اتخاذ قرار منذ اللحظة لإنفاذه بعد ثلاثة أشهر. لأن الأشهر القادمة قد تحمل المزيد من التعقيدات والعراقيل أمام الاجتياح؟

 رابعاً إن عملية بهذا الحجم والخطورة ستفضي إلى وقف أو تأجيل مسار المفاوضات السياسية بين أولمرت وعباس، وستلقي بظلال سلبية على المفاوضات المتعثرة أصلاً. فمن المستبعد أن تتمكن الأطراف من التوصل إلى حل سياسي يفضي  بين أنقاض الدمار، ودماء الشهداء التي ستسقط أثناء الاجتياح، إلى تحقيق رؤية بوش في إقامة دولة فلسطينية خلال عام 2008.

 خامساً الأوضاع على الساحة اللبنانية آخذة في الاضطراب السياسي، بين الموالاة والمعارضة، وقد تنزلق الأمور إلى حرب أهلية أو إلى صدامات مسلحة قد تتيح لبعض الأطراف توجيه ضربات عسكرية ضد إسرائيل عبر الحدود مع لبنان. هذا بالإضافة إلى فرضية أن حزب الله سيرد بقوة على اغتيال القائد عماد مغنية الذي اغتيل في دمشق (12/2)، وذلك للحفاظ على هيبته ومصداقيته أمام الجمهور اللبناني والعربي، وحتى يفقد الاحتلال شهيته في التجرؤ مستقبلاً على اغتيال أي شخصية قيادية أخرى من حزب الله، الأمر الذي قد يجر ردود أفعال متتالية تفضي إلى توترات أمنية على الحدود الشمالية، وهذا بدوره سيحوّل جزءاً كبيراً من اهتمامات القيادة الصهيونية وجيش الاحتلال نحو الحدود مع لبنان، مما  سيخفف حجم الاحتقان والتركيز على غزة.

 سادساً الأهم من كل ذلك، أن الاحتلال الذي يدرس ويستعد لسيناريو اجتياح غزة، لا يريد البقاء في غزة، ولا يرغب في عودة الاحتلال المباشر إليها، وإنما يأمل في أن يجتاح ليوجه ضربة قاضية للمقاومة ولصواريخها ثم ينصرف عائداً من حيث أتى، ولكن هذا في نظر الاحتلال لا يكفي، لأن خروجه من غزة، سيعني عودة المقاومة من جديد بعد أن تداوي جراحها، وأن المسألة مسألة وقت حتى يعود المشهد إلى ما كان عليه وربما على صورة أشد وأقسى على الاحتلال.

فالعقدة تكمن في حاجة الاحتلال إلى سلطة مركزية تحكم قطاع غزة، وتملأ الفراغ السلطوي المفترض والناشئ عن سقوط حكومة تسيير الأعمال بقيادة السيد إسماعيل هنية. بمعنى آخر أن الاحتلال بحاجة إلى سلطة جديدة تمتلك القدرة على التحكم في المؤسسات المدنية والأمنية التي يفترض بها أن تملأ الفراغ بعد انسحاب الاحتلال لتمارس دورها في احتكار السلاح لصالح السلطة الجديدة، وبالتالي منع المقاومة وتشكيلاتها من استعادة عافيتها من جديد في حال تعرضت لضربة قاسية وقوية.

عند البحث عن تلك السلطة البديلة والمفترضة، والتي يمكن أن تتعاون مع الاحتلال في إنهاء ظاهرة المقاومة في غزة، نجد أنها قد تتجسد في إحدى طرفين أو كليهما معاً

الطرف الأول استجلاب قوات دولية للتمركز في قطاع غزة، تتمتع بصلاحيات واسعة ممنوحة لها من مجلس الأمن الدولي، تتيح لها إدارة قطاع غزة (سلطة وصاية دولية)، وحفظ أمن الاحتلال. هذا الخيار على وجاهته، إلا أنه يصطدم لحد الآن برفض مصري، وتخوف الدول الأوروبية من أتصبح طرفاً في الصراع، بعدما أعلنت حركة حماس والمقاومة في غزة بأنها ستتعامل مع أي قوات دولية قادمة إلى غزة على أنها سلطة احتلال، مما يعني تعريض عناصرها للموت المحتم.

الطرف الثاني يتجسد في سلطة الرئيس عباس، الذي ما زال يرى في حماس وحكومة تسيير الأعمال في غزة بأنها سلطة خارجة عن الشرعية، وبوصفها سلطة جاءت عبر انقلاب على شرعية الرئيس في حزيران/ يونيو 2007، وإذا كانت سلطة الرئيس عباس تعتبر المقاومة الفلسطينية ميليشيا خارجة عن القانون، وتمارس دورها عملياً في احتكار السلاح في الضفة الغربية سعياً لإنهاء ظاهرة المقاومة في الوسط الفلسطيني، بكونها تمثل ـ حسب ظن الرئيس عباس ـ تهديداً على فرص السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين، فإن سلطة عباس وحكومة السيد سلام فياض في رام الله، تصبح الطرف الأكثر ترشحاً لملء الفراغ السلطوي المفترض والناشئ بعد انسحاب الاحتلال من غزة إثر الاجتياح المتوقع.

لكن هذا الأمر يتطلب جهوزية عالية من الأجهزة الأمنية في الضفة الغربية، وجهوزية عالية من أنصار الرئيس عباس ومن الذين ما زالوا يحتفظون بالولاء له في غزة..، فهل إرسال نحو 700عنصر من المنتسبين للأجهزة الأمنية في الضفة الغربية كدفعة أولى للتدرب في الأردن، إضافة إلى الحديث عن إمكانية دخول قوات بدر (جيش التحرير الفلسطيني) إلى غزة، يأتي ضمن التحضير لهكذا سيناريو؟

ما سقناه سابقاً، يأتي على فرضية أن الاحتلال، معني الآن أكثر من أي وقت مضى باجتياح غزة، لتوجيه ضربة قاضية لرأس المقاومة هناك. لكن هذا السيناريو رغم إمكانية إنفاذه لما يمتلك الاحتلال من آلية عسكرية ضخمة ومتطورة مقارنة بالمقاومة الفلسطينية المتواضعة في تجهيزاتها وإمكاناتها المادية والعسكرية، إلا أنه ليس بالضرورة أن يكلل بالنجاح، أو أن يحقق أهدافه المعدة سلفاً، فبالإضافة إلى المعوقات التي سقناها، فإن المقاومة في غزة كما الشعب الفلسطيني، مستعد ومتحفز لمواجهة الاحتلال ولإنزال أكبر الخسائر في صفوفه.

وإذا نجحت المقاومة في جر الجيش الصهيوني لعمليات استنزاف متواصلة ولمدة طويلة، فإن ذلك سيخلق أزمة قاسية ومركبة للاحتلال، باضطراره المكوث مطولاً في غزة مما سيجعل منه قوة احتلال مباشر أمام المجتمع الدولي، مع ما قد يحمله ذلك من استحقاقات وأثمان صعبة لا يريدها الاحتلال، هذا من جانب ومن جانب آخر، فإن طول مدة القتال في غزة سيعنى إمكانية تصدع الجبهة الداخلية لإسرائيل وخاصة في مدن الجنوب، نتيجة لاستمرار سقوط صواريخ المقاومة الفلسطينية عليها، مما قد يعيد ويكرر مشهد هزيمة الاحتلال في حرب تموز/ يوليو 2006 في لبنان؛ لأن الاحتلال مركب سيكولوجياً وفي عقيدته القتالية على حسم المعارك مع الخصم بسرعة خاطفة، وهو لا يقوى على خوض حرب لمدة طويلة.. فهل تنجح المقاومة الفلسطينية في مفاجأة الاحتلال وجره إلى مقتله، إذا فكر في اجتياح غزة؟

* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع
جميع الحقوق محفوظة لدى دائرة الإعلام العسكري لكتائب الشهيد عز الدين القسام ©2026