نستطيع أن نقول إن المرحلة الحالية التي تمر بها المدن الفلسطينية في الضفة المحتلة هي الإفرازات الطبيعية لاتفاقية أوسلو المشؤومة وقد تأخرت قليلا لأسباب كثيرة من أهمها انتفاضة الأقصى…
نستطيع أن نقول إن المرحلة الحالية التي تمر بها المدن الفلسطينية في الضفة المحتلة هي الإفرازات الطبيعية لاتفاقية أوسلو المشؤومة وقد تأخرت قليلاً لأسباب كثيرة من أهمها انتفاضة الأقصى المباركة .. وإن كانت مرحلة أوسلو السابقة حتى نهاية التسعينات تشبه إلى حد ما المرحلة الحالية .. إلا أننا نستطيع الجزم بكونها لم تمر في تاريخ القضية الفلسطينية أكثر شؤماً ولا ظلامية من مثل هذه المرحلة في الضفة المحتلة كحد أدنى.
لا نبالغ إن تحدثنا بهذا وقد زار كيت دايتون شخصياً مدينة نابلس –عاصمة الإرهاب حسب الاصطلاح الصهيوني- والتقى بقادة الأجهزة الأمنية التابعة لعباس هناك .. وبالتأكيد فهي ليست زيارة أقارب له هناك أو قضاء إجازة شتوية على جبال المدينة التي تحولت إلى أشبه بمدينة أشباح .. ولا يختلف الأمر كثيراً إن مررت بمدن جنين وقلقيلية وطولكرم ذات الشريط الحدودي المباشر مع الأراضي المحتلة عام 1948م والتي تعاني من الإغلاقات الشديدة والاقتحامات المتواصلة وسياسة كبت الأنفاس المتواصلة لمنع احتمالية وجود واحد بالمائة من عمل مقاوم .. أما إن وصلت إلى الجنوب الفلسطيني فلا شك بأنك ستصطدم كثيراً بالمستوطنات الصهيونية والطرق الالتفافية والمناطق المصنفة "ج" حسب أوسلو ناهيك عن التواجد الصهيوني المكثف داخل مدن الجنوب .. أما العاصمة "رام الله" فهي مدينة الوزارات والتجارة وأشبه بكونها شركة استثمارية لا مجال للعمل السياسي غير المنسق مع السلطات الصهيونية أو العباسية فيها.
وبين كل ما ذكرناه من مدن رئيسية .. هنالك القرى متقطعة الأوصال مبتورة الحدود التي كثيراً ما تخضع لرحمة سيارة عسكرية صهيونية واحدة تقف أمام أحد مداخلها .. وكل ذلك بفضل الطرق الالتفافية التي جعلت من كل مدينة أو مجموعة قرى سجناً كبيراً .. وهي لوحدها تكفي لإثبات خيانة أوسلو والقائمين عليه والمدافعين عنه .. بكون تلك الطرق إحدى ثمرات العلقم من شجرة أوسلو .. فهي بأدنى تقدير اقتطعت مساحات شاسعة من الأراضي الزراعية الفلسطينية.
المدارس والجامعات .. لا تربية ولا تعليم !!
من ناحية أخرى فإن المدارس في الضفة المحتلة قد خرجت تماماً عن محتواها التربوي التعليمي .. فأكاديمياً لا داعي لشرح كبير بعد قضية تسريب أسئلة الامتحانات وقاعات الغش المشترك لمدعي الوطنية .. واعتقال الطلبة والأساتذة من داخل مدارسهم وقاعات الامتحان .. ووزارة التعليم العالي "الفياضية" تارة تحذف جزءاً من المادة المقررة للطلبة وتارة تقرّها .. والطالب يعيش بين هذا الهم وذاك .. ولا تجعل العجب يعتريك إن مررت على شارع من شوارع الضفة او أحد نوادي اللعب والانترنت والمقاهي لتجدها عامرةً بطلبة المدارس أثناء وقت الدوام المدرسي .. ففي كل أسبوع إضرابات من المعلمين لسبب هنا أو هناك وسحقاً لمعنى العلم والتعلم وتباً للبعد الحضاري .. ولينشأ الجيل كما أراد .. ومن زاوية أخرى وفي أيام حكومة حماس .. فلطالما دق الإعلام ورقص على أنغام أنزلت حماس منزلة الفشل بتوالي الإضرابات وبدعوى عدم قدرتها على الإدارة الأكاديمية والتربوية لحقول العلم والتربية والتعلم الحضاري وغيرها من العبارات الرنانة اللماعة المحبوكة في المعامل الفتحاوية جيداً .. أما اليوم والاضرابات تجوب مدارس الضفة المحتلة تحت ظلال حكومة سلام فياض العباسية .. فالموضوعية تقتضي عدم إعطائها أي بعد سياسي لأنها مسألة نقابية بحتة .. فحكومة فياض محاصرة من ليس بيدها ما تقوم به وعلى الجميع التناغم مع هذه الترهات !!
ولك أن ترى العجب العجاب في الجامعات المختلفة .. ولأقرب الصورة أكثر فأكثر .. تستطيع اعتبارها معتقلات بقوانين عسكرية صارمة جداً .. فالدخول عبر بوابات إليكترونية كما في النجاح جامعة الشهيد المغدور محمد رداد الذي قتل أمام مبنى إدارة الجامعة بتستر كامل منها .. وضرب أعضاء ورئيس مجلس الطلبة المنتخبين في جامعة الخليل بسبب قيامهم بإرشاد الطلبة الجدد في الجامعة .. وعلى هذا المنوال في جميع الجامعات وإن كان الأبرز في النجاح .. فإقالة إمام مصلى الجامعة وتعيين بديلاً عنه أحد أفراد الأمن في الجامعة ومؤهلاته الكاملة لا أكثر من كونه "ملتحٍ" وبالتأكيد هذا يكفي للإمامة حسب مقاييس دايتون !! وكذلك منع الدروس الدينية والمحاضرات داخل مصلى الجامعة .. ولا أدل في ذلك من انخفاض معدل تسجيل الطلبة بعد بداية الدوام بمقدار ثلث عدد الطلبة الكلي والثلث كثير يقدر بآلاف الطلبة.
البحث عن إمام فتحاوي أو الأقرب فالأقرب !!
أما بالنسبة لما يحدث في مساجد الضفة المحتلة .. فعلى الرغم من وجود الشواغر الكثيرة جداً في مساجد محافظات الضفة المحتلة إلا أن مديرية الأوقاف التابعة لكبيرها سلام فياض تقوم بالتوظيف عبر قطارة وعلى أقل من مهلها .. ولا مجال للغرابة فالبحث جارٍ حتى الآن عن شيخ أو إمام أو حتى خطيب جمعة ينتمي لحركة فتح وهو أمر يعد صعباً للغاية ويكاد يندر على سطح الكرة الأرضية .. ويروى أن أحدهم تقدم بطلب للتوظيف كإمام لأحد المساجد في الضفة .. وذهب للمقابلة .. واستهلت لجنة التوظيف أسئلتها بـ ماذا يحد دولة غزة من الشمال والجنوب؟؟ .. وهكذا بدأت الأسئلة وانتهت بالسؤال عن أحكام الحيض والنفاس والجنابة .. وخرج ذلك الشخص من المقابلة ولم يجب عن شيء مما سئل عنه في المجمل العام .. وخرج محبطاً .. لكن إحباطه لم يدم كثيراً .. فقد تم قبوله في الوظيفة .. فالمواصفات المطلوب لدى حكومة سلام فياض لأئمة المساجد بلا أدنى شك الامتياز في الرسوب في كل الكفاءات وكفى!!!
بين براءة الذمة والتوظيفات !!
وملف التوظيفات في ظل حكومة سلام فياض خاضع في الدرجة الأولى لورقة حسن السلوك .. التي يجب من خلالها أن تخضع لرحمة جهازي المخابرات والأمن الوقائي بالتحديد واقرأ المكتوب من عنوانه!!
وآخر مواويل حكومة سلام فياض .. ملف براءة الذمة .. وهذا الملف بحد ذاته إلجام لحركة فتح ودلالة واضحة على الفساد التاريخي في إدارة شؤون المحافظات والذي كان بعينه أحد أسباب خسارة حركة فتح في الانتخابات التشريعية .. ومع استخدام هذه المسألة كنجاح إداري باهر لحكومة فياض بدعوى ضبط الأمور في الدوائر الحكومية وغيرها .. إلا أنها لا تخفي الحقيقة .. فالمراقب أو حتى المواطن الفلسطيني يعلم تماماً منبع هذه القضية التي يدفع ضريبتها المواطن الفلسطيني وتدخل سجل المعاناة من واقع وجود بعض الحركات على الساحة الفلسطينية، وبعيداً عن البعد القانوي أو أي تأصيل للقضية .. لماذا يكتب على كل الفلسطينيين "ملف براءة الذمة" بسبب عدم التزام أبناء فتح "أصحاب المحسوبية والخاوات والكراسي ..." بالرسوم المترتبة عليهم أو دفع مبالغ التأمينات المطلوبة والتعويضات القانونية أو غيرها ؟؟؟ وإن تم تنفيذ هذا القانون ولا محالة، فهل هناك شفافية حكومية في تطبيقه على الجميع، أم أننا سندور مرة أخرى في دائرة مفرغة لنعود إلى إشكالية ضياع المسؤولية والفساد الإداري والمالي في الوزارات والمديريات كما عودتنا فتح؟؟!!!
لا بأس .. فمرة أخرى .. إن كانت حركة فتح تستلم زمام الأمور لا داعي لإعطاء الموضوع أي بعد سياسي أو تحميل حركة فتح .. ولكن إن كانت حماس في سدة الحكم –ولم تعط المجال لذلك حتى اللحظة- .. فبالتأكيد لن نستمع إلى غير اسطوانات تحميل فكر حماس وممارستها المسؤولية في كل ما يحدث !!
البلديات والأموال الضائعة !!
وإن التفت قليلاً إلى المجالس البلدية "البلديات" .. فلن تجد أعضاءها المنتخبين إلا مغيبين بين سجون الاحتلال وسجون أجهزة عباس .. بل ستجد أعضاءً تم تعيينهم من قبل حركة فتح .. وإياك أن تسمي هذا بانقلاب ففتح أم الجماهير وأول الرصاص ورأس الشرعية وفوق القوانين -وإن كانت أول الخيانة وأساس التنازل- .. فالأموال تغدق على البلديات من الداخل والخارج .. والمشاريع المدعومة أجنبياً تنهمر من كل صوب .. ولا مجال للتوظيف لغير أبناء فتح .. والفساد المالي والاختلاسات المالية تظهر بشكل جلي على أوضاع الطرق والمواصلات والخدمات التي تقدم للمواطن الفلسطيني من قبل البلدية .. والشفاف الموضوعي المهني الحكيم فياض يمنع التحقيق في قضية اختلاسات أموال في بلدية طولكرم لسبب عظيم يتمثل في كون المسألة تمس الشخص الكريم لرئيس البلدية الفتحاوي .. وهنا إن ووجهت حركة فتح بذلك تعود لتقول لك إن المسألة بعيدة عن المعادلات السياسية ولا تحاول إقحام هذا بذاك ..
الحالة الأمنية .. على أبناء جلدتهم أسود!!
مشاهد متكررة من واقع الحملات الأمنية لأجهزة عباس .. تخيل معي
•سيارة عسكرية صهيونية تمر من شارع ما في إحدى المدن الفلسطينية فتعتقل أفراد الأجهزة أو تسلبهم بطاقاتهم العسكرية أو تصرخ عليهم بمغادرة مواقعهم فوراً .. والاستجابة فورية .. –قمة العزة والأنفة- ..
•أجهزة أمن عباس تسلّم جنوداً تائهين داخل مناطق فلسطينية للارتباط العسكري الصهيوني .. كما حدث في جنين وبيت لحم وغيرها ....
•أجهزة أمن عباس تحاصر منزلاً يحتوي على عدد من المطاردين للاحتلال وتقوم باعتقالهم والتحقيق معهم .. وإرسال إفاداتهم عبر الفاكس إلى "الطرف الآخر" –باصطلاحهم لأدبهم الجم مع الصهاينة- ثم تقوم قوات الاحتلال باعتقال هؤلاء المجاهدين وإخضاعهم للمحاكمة من دون التحقيق معهم لاعتماد ملفات التحقيق من الطرف الفلسطيني.
•جهازي المخابرات والأمن الوقائي يجندان عدداً كبيراً من طلبة المدارس وغيرهم لجمع المعلومات عن المجاهدين والنشاطات السياسية للفصائل الفلسطينية .. ويستغبونهم بإعطائهم رتبة "مندوب" وراتب يرتبط بطبيعة المعلومة المرفوعة .. والأعداد كبيرة جداً ..
•الحملات الأمنية في المدن الفلسطينية .. حملات وهمية .. فمثيرو الفوضى الآن يلعبون دور الشرطي والمنضبط لا أكثر من ذلك .. بداية الحملات الأمنية تم حشد عدد من الأجهزة الأمنية الفلسطينية في مكان واحد واستدعي الإعلاميون والكاميرات وتم تغطية الحدث في المكان والزمان المحدد وانفض الجميع بما فيهم رواد الحملة الأمنية ..
•لا يقوم المواطن الفلسطيني بإبلاغ أجهزة أمن عباس بأية قضية لاأخلاقية مضبوطة .. لقناعته التامة بقيام تلك الأجهزة بالابتزاز والمقايضة على الشرف والعمل معهم بدلاً من المحاسبة القانونية.
•التنسيق الأمني عبر الحواجز العسكرية .. وضرب النساء والاعتداء على المصلين .. ومنع النشاطات الدينية والخيرية في رمضان ومواسم الخير ..
•الوصاية الكاملة لأجهزة أمن عباس على جميع المؤسسات وإغلاق معظمها ومصادرة محتوياتها وإغلاقها .. بشتى أنواعها الإعلامية والاجتماعية والخيرية وغيرها .. والجميل أنك إن طالبت بممتلكاتك المصادرة فستقابل بالرفض .. ليس لأنها محجوزة عسكرياً .. بل لأنها معروضة أو بيعت في أسواق الخردة والبضاعة المستعملة .. وأسواق المخيمات تشهد بذلك !!
•تواصل الأجهزة الأمنية الاعتقال والمداهمات وحملات التفتيش في البيوت والمؤسسات ودور العبادة والأيتام وغيرها .. ولا تراعي حرمة امرأة أو دين أو ... أو ... فالنساء والأطفال ضربوا في رام الله ونابلس .. ومعظم المساجد دوهمت واقتحمت بالأحذية .. ودنست فيه رايات التوحيد ..
•ملاحقة خطباء المساجد .. ومنع آخرين من الخطابة .. واعتقال عدد منهم .. ومطالبتهم بعدم التعرض لأمريكا وإسرائيل من خلال الخطب ..
•حكومة فياض تحكم على منفذي العمليات الجهادية بالسجن .. في المقابل تفرج وتغض الطرف عن تجار المخدرات وأصحاب البارات وشبكات الإسقاط .. وتتفاخر بمصادرة سلاح المقاومة ومنع العمليات العسكرية ضد الكيان الصهيوني الغاصب.
•أجهزة أمن عباس تقوم بملاحقة وتهديد وسائل الإعلام والإعلاميين .. حتى مراسلي الجزيرة فلطالما كرروا عبارة "لا نستطيع تغطية هذا الحدث حفاظاً على حياتنا ومستقبلنا المهني".
•ممارسة التعذيب بشتى أشكاله وأنواعه في سجون عباس .. والتعذيب لمجرد التعذيب لا أكثر من ذلك .. وقد يقوم به هواة من حركة فتح مفرغين على الأجهزة الأمنية .. ولا حدود له وتحاك في أقبية التحقيق المؤامرات وتنسج المسرحيات .. وتستدعى النساء من واعظات وناشطات نقابية للمقابلات العسكرية لدى أجهزة عباس.
في النهاية .. ووالله لدينا المزيد المزيد .. لكننا نقف هنا حتى لا نطيل أكثر .. ونقول إن فلسطين اليوم .. انتهكت حرماتها .. كلها بلا استثناء .. من مساجد ودور للأيتام ومراكز تحفيظ القرآن .. وانتهكت حرمة النساء فيها والشيوخ والأطفال .. ولم تسلم الجامعات ودور العلم والمدارس والمؤسسات من ذلك .. فعذّب من عذب وقتل من قتل .. ودمر ما دمر.. وإن مجريات الأمور توجب على الجميع توثيق المرحلة بكل تفاصيلها .. حتى لا ينسى التاريخ ولا تضيع الحقائق أو تقلب رأساً على عقب .. فهذا هو الحصار الواقع على الضفة المحتلة وباختصار شديد .. وفي كل بند ذكر أعلاه أمثلة كثيرة وحالات متكررة في الشارع الفلسطيني .. والإعلام صامت أو مغيب ومهدد .. ونحن في انتظار لحظة انفجار شبيهة بانفجارات معبر رفح !!