بين حصارين وحكومتين ذل الضفة وعزة غزة لقد اقتضت إرادة الله تعالى وتدبيره أن تفوز حركة المقاومة الإسلامية حماس في الانتخابات التشريعية بكل أسباب ومقومات ذلك الفوز الذي صعق القاصي…
بين حصارين وحكومتين .. ذل الضفة وعزة غزة !!!
لقد اقتضت إرادة الله تعالى وتدبيره أن تفوز حركة المقاومة الإسلامية حماس في الانتخابات التشريعية بكل أسباب ومقومات ذلك الفوز الذي صعق القاصي والداني، وأحدث العديد من الضربات الزلزالية في أكثر من إقطاعية، صهيونية كانت أم أمريكية أم عميلة تقتات على جراح الشعب، ولقد كان الوحيد الذي لم تفاجئه النتيجة هو الناخب الفلسطيني الذي يدرك تماماً حقيقة الواقع الذي يعيشه من جميع الجوانب، ولم يكن يحتاج إلى دعاية انتخابية رنانة أو إلى تحليل المحليين ليقرر من يصلح للقيادة عن غيره، ولن نتحدث أكثر من ذلك حول فوز حركة حماس في ذكراها السنوية، فلا مجال لتجاوز ما يحدث في غزة على وجه الخصوص والحصار يفتك بها.
إن كان لا يغيب عن أي كان الأحداث التي تتوالى في غزة بكل تفاصيلها بل ودقائقها وجزئياتها الدامية، فإن غياباً تشهده الضفة المحتلة في الكثير من العناوين والقضايا الرئيسية عن مرأى ومسمع الإعلام المحلي والعالمي بقصد أو بغيره، فقد خططت الأعداء لتكريس معادلة جديدة في المنطقة بعد أحداث حزيران الماضي 2007م ، بحيث تحاصَر المقاومة حكومة وشعباً في غزة، بينما تفتح أبواب الدنيا على حكومة المفاوضات والحل الاستسلامي في الضفة وإن لم يعطها الشعب والقانون أية شرعية –فكتلة سلام فياض في المجلس الشتريعي لا تكاد تصل إلى نسبة الخطأ الطبيعية مقارنة مع عدد الأعضاء-، وقد تم الانقلاب في الضفة المحتلة على كل الشرعيات وتم تسليم دفة قيادة الرئاسة والمنظمة وحتى حركة فتح بالكامل جهراً وعلانية لأمريكا والصهاينة وهو بلا شك ثمن فشل خطة دايتون وخسارة الرهان.
ومنذ ذلك الوقت بدأ حصار غزة بشكل حقيقي ممنهج، ولكن !! لم تفتح أموال الدنيا على الضفة، فقد اعتدنا في كل مرحلة وقوع المفاوض الفلسطيني في دائرة الاستغباء والاستعباط والفشل، هذا بعيدا عن تاريخ الخيانات المتسلسلة المتدحرجة.
الحالة التي أفرزها حصار غزة من خلال إحداث الثغرات في معبر رفح، تعتبر منعطفاً كبيراً يثبت مرة أخرى من هو المراهق سياسياً في تاريخ القضية ومن هو صاحب الحنكة والذكاء والدهاء في الوصول إلى الأهداف والحفاظ على الثوابت لا بيع القضية من أجل بعض الأوهام والسراب على الأرض وبعض النقود في الجيوب لهذا أو ذاك.
إن أقل درجات الحنكة وأبسط مثال عليها تمثلت في إحداث الثغرات في معبر رفح الحدودي وسط قبول عربي وإسلامي شعبي ومؤسساتي وحقوقي وحتى حكومي، وهو بذاته من جهة أخرى مثـّل قمة الغباء والفشل في الطرف الآخر من خلال استنكار حركة فتح بمعية أمريكا وإسرائيل واستيائهم جميعاً مما حدث!! ولا تعليق أكثر من ذلك، فالتناغم الفتحاوي بدلاً من أن يكون مع الحشد العربي والإسلامي كان مع الأجندة الصهيو أمريكية مرة أخرى. لكننا نقول وشاء من شاء وأبى من أبى، أن هناك واقعاً جديداً فرِض على الأرض في قضية معبر رفح، يجب التعامل معه ورسمه من جديد عن طريق طرفين أحدهما مصري والآخر فلسطيني في غزة، وبذلك أصبحت اتفاقية المعبر الصهيونية-الفتحاوية في إحدى مزابل التاريخ كما هو الآن صاحبها محمد دحلان –رجل المهمات القذرة كما لقبته حركته فتح-.
وقفت ملياً عند أحداث المعبر حين لمسنا الرعاية الكاملة للشعب المقاوم وتعبيد الطريق له وللمجاهدين المقاومين من قبل الحكومة في غزة، وإنجازات المقاومة الحكيمة للشعب المرابط، فاستذكرت في أحداث غزة تلك، أياماً تكررت فيها شهدت عدة عمليات حصار صهيونية وإن كانت مصغرة في مدن متفرقة في الضفة المحتلة، فليست بعيدة عن أذهاننا حصار البناية التي تجمع فيها عدد من مقاومي حركة فتح وأجهزة السلطة في أواخر آذار مارس 2002م، وكيف تم تسليمهم فرداً فرداً لقوات الاحتلال التي حاصرت تلك البناية وإعطائهم الأوامر بعدم المقاومة والاستجابة الفورية لمطالب الصهاينة وتسليم أنفسهم.
موقف آخر ليس ببعيد، وهو الحصار المتكرر لمدينة نابلس، وبالتحديد في البلدة القديمة داخل المدينة، فلقد شهد تاريخ هذه البلدة على مرور انتفاضة الأقصى ومن قبل هجمات متكررة ومركزة، باعتبارها مأوى المقاومين التي لطالما أرهقت قوات الاحتلال الصهيوني وأرقته بنفسها الطويل، ولو وقفنا قليلاً عند الحصار الأخير للبلدة القديمة في نابلس، الذي تم من خلاله تسليم أسلحة مقاومي مجموعات فارس الليل، فقد كان المفاوض عن الطرف الصهيوني لتسليم السلاح حكومة عباس-فياض من خلال أجهزتها الأمنية التي رهنت عملية تسليم السلاح برفع الحصار الصهيوني عن البلدة!!
وإن تطرقنا بشكل موجز وسريع إلى الحالة القائمة في الضفة المحتلة فهي تكاد تتجاوز كل النكبات والنكسات، فرمضان الأخير شهد إغلاقاً للمؤسسات الخيرية وتهديداً للمتبرعين والمتصدقين من قبل حكومة فياض-عباس، وواهمٌ من ظن أن الضفة المحتلة ملأى بالحواجز العسكرية، فالطرق تمتلئ بالمعابر ذات الأبواب الممغنطة والكهربائية والبوابات العسكرية وقلما تجد حاجزاً، وهذا بذاته مثال جديد على فطنة المفاوض الفلسطيني ودهاء مطالبه بإزالة الحواجز وما شابه. والجامعات أشبه بمعتقلات كبيرة تحاصرها الأجهزة الأمنية من الخارج، وقد يفصل الطالب من جامعته إن تعرض لتهمة ما تخص انتماءه لإطار حماس الطلابي الممنوع داخل حرم الجامعة. أما المدارس فتعاني من أميبية وزارة التعليم العالي التي لا تدري ما هي رسالتها للطلبة فتارة تحذف اجزاء من المقررات الدراسية وتارة تعيدها من جديد، ولا أدل في ذلك من مهزلة امتحانات الثانوية العامة الماضية وقاعات الغش المشترك المباح للمنفليتن وتسريب الأسئلة.
إن كانت المقاومة وأبناء الشعب الفلسطيني في غزة تكتنفهم حماية الحكومة وحرصها على الحياة الاجتماعية الكريمة والعزة من غير تفريط ولا هوان، ففي الضفة حدث ولا حرج من اعتقال المقاومين المجاهدين والحكم عليهم بتهمة التعرض للاحتلال كما حدث مع أهلنا في الخليل والاعتقالات السياسية لكل من عارض نهج الحكومة المنزهة في رام الله من أي فصيل سياسي كان، أما العوام وغير المؤطرين من المواطنين، فإن ثبت بالدليل القاطع أو حتى المشكوك فيه بانتخابه لحركة حماس في ميدان ما، فقد حكم على نفسه بالفصل من الوظيفة، وفي أيامنا الحالية نشهد الاستياء الشعبي العام في الشارع الفلسطيني من ما يسمى بملف براءة الذمة المقرر تطبيقه في الضفة المحتلة من قبل احتلال الصهاينة واحتلال عباس- فياض، وحتى تتضح الصورة مما يحمله هذا الملف، فمن أجل القيام بأي إجراء حكومي أو قانوني كجواز سفر أو ترخيص، عليك إحضار براءة ذمة وسلامة أمنية من أجهزة الأمن أمثال الوقائي والمخابرات، ويعرف الجميع حدود حسن السلوك الذي يقره الوقائي عبر الفاكسات مع أجهزة المخابرات الصهيونية.
من دون شك .. فالحصار ظالم ويحمل في طياته الظلم والظلامية .. لكننا نشكره فقط على جزئية تعرية البعض وإسقاط ورقة التوت .. ورفع الآخر فوق الرؤوس .. وكما تحمل الفيضانات الدمار والهلاك وهي ملأى بماء الحياة .. وكما أخرجت الصحراء جند محمد الأطهار الأبرار .. أخرج الحصار عزاً في غزة .. وأفرز الـ"فيّاض" ذلاً وهواناً في الضفة ..