لم يكن التقرير الذي نشرته وكالة رويترز مؤخرا حول استعداد الأجهزة الأمنية التابعة لعباس في الضفة للبدء بتدريبات أمنية في دول مجاورة وبتمويل أمريكي لم يكن هذا التقرير هو الإشارة…
لم يكن التقرير الذي نشرته وكالة رويترز مؤخرا حول استعداد الأجهزة الأمنية التابعة لعباس في الضفة للبدء بتدريبات أمنية في دول مجاورة وبتمويل أمريكي، لم يكن هذا التقرير هو الإشارة الوحيدة إلى (رعاية) أمريكا لمشروع تأهيل وتدريب تلك الأجهزة.
فقبل عملية الحسم في غزة كشفت مصادر إعلامية متعددة عن معسكرات تدريب أمريكية لقوات عباس في أريحا وخصوصاً لجهاز حرس الرئاسة بهدف تصفية حماس عسكرياً في غزة، وما تلا ذلك من عمليات تدريب وتسليح وتمويل متسارعة لعناصر فتح في القطاع، أو ما اصطلح على تسميته بتيار دايتون نسبة للجنرال الأمريكي كيث دايتون الذي كان يشرف مباشرة على خطة الحسم الفتحاوية التي قطعت حماس الطريق عليها وطهرت القطاع من وبائها وإجرامها.
الجديد هذه المرة أن التدخل الأمريكي في تأهيل عناصر أجهزة فتح ووصايته المطلقة عليها يجري بشكل علني وسافر ودونما اضطرار للتستر على حقيقة أن عمل الأجهزة اليوم في الضفة بات خاضعاً لرؤية أمريكية شاملة، ولتوجيه إسرائيلي بطبيعة الحال، وهو الأمر الذي شاهدنا تجلياته واضحة في الضفة والتي باتت أكثر من أن تحصى!
بل إن هناك تفاخراً بإشراف الجنرال الأمريكي دايتون على كل كبيرة وصغيرة في عمل أجهزة عباس في الضفة وقيامه بزيارات دورية لمدن الضفة (وخاصة مدن الشمال) والاطلاع على ما يجري داخل مسالخ تلك الأجهزة للتأكد من أن فتح ملتزمة بالملاحقة المستمرة لكوادر حماس وأنصارها!
غير أن المثير للسخرية في الأمر هو محاولة فتح التخفيف من وطأة هذه الحقيقة ومدى بشاعتها بالقول إن إسرائيل تعمل على عرقلة الجهود الأمريكية لتدريب الأجهزة الأمنية وتأهيلها، وكأن هناك فرقاً بين حدود المصلحة المبتغاة صهيونياً وأمريكياً من هكذا عملية، أو كأن أمريكا تجهد نفسها كل هذا القدر في (عصرنة) أجهزة فتح لصالح كيان آخر غير (إسرائيل)! ، هذا مع أن الاحتجاج الإسرائيلي تركز فقط حول بطء إجراءات التدريب حتى الآن وطالب بالمزيد لكي يكون على اطمئنان كامل بأن عناصر فتح الأمنية بنسختها الأمريكية ستكون جاهزة ومؤهلة لمحاربة المقاومة في حال انسحبت إسرائيل من مدن الضفة.
وحسب التقرير فستتم القوات الفتحاوية الدورات التي تمولها الولايات المتحدة بحلول يناير كانون الثاني 2009، وستمكنها أن تكون طلائع قوة قوامها نحو 50 ألفا من عناصر الأمن في الضفة الغربية. وليس هذا وحسب بل إن مصادر عبرية كشفت عن أن قوة من الجيش الأمريكي ستكون جاهزة لاستلام الأمن في الضفة الغربية سويا مع قوات عباس في حال حدوث انسحاب إسرائيلي منها وبذلك بغرض (حفظ النظام) أي ضمان الجاهزية التامة لمحاربة أية بوادر (إرهابية) لعناصر المقاومة!
وكونه لا يختلف اثنان عاقلان على حقيقة أن الحكومة الأمريكية لا يمكن أن تقدم على عملية تمويل وتأهيل لهذه الأجهزة بدافع إثبات حسن النوايا أو العمل على دفع عملية التسوية للأمام فإن الهدف من عملية الأمركة الشاملة لأجهزة أمن عباس يتجاوز حدود الجوانب المادية التي تشكل ضمانة لقدرتها على محاربة المقاومة وقمعها نحو الوصول لأمركتها معنوياً ونفسياً وتنظيف (عقيدتها القتالية) من أية أجندة وطنية الأمر الذي سيؤدي في النهاية إلى أجهزة ولاؤها الأول والأخير لأي قيادة تفرضها أمريكا ولأي اتجاه أو تيار موالٍ للاحتلال بشكل علني ما دام يوفر لها الراتب والوظيفة، مما سيسهل على القيادة الأمريكية فرض أي قيادة فلسطينية جديدة حتى لو كان رصيدها الشعبي صفرا، في حال وجدت ممانعة من قيادات فتح الحالية تجاه بعض القضايا المتعلقة بمشروع التسوية وفق الرؤية الأمريكية. إذ ستكون هذه القيادات مخيرة ما بين الرضوخ لأي منطق صهيوأمريكي مهما كان مهيناً ومجحفا حفاظاً على بقائها ومصالحها وبين التغييب نهائياً عن واجهة المشهد السياسي ودائرة التأثير والقرار.
وبذلك تكون الإدارة الأمريكية قد ضمنت لنفسها ولمشروعها ورقة ضاغطة في فلسطين قوامها ليس فقط قناة المال والدعم بل قوة أمنية كبيرة على الأرض تستطيع أن تشكل رقماً صعباً في معادلة التسوية وعصا قوية ومؤثرة قادرة على التأثير على قرار فتح والعبث به وسحبه بعيداً عن أية أجندة وطنية ما زال الواهمون يتبجحون بأنهم حماتها، مع أن واقعهم يشي بأنهم سائرون في طريق التحول إلى مجرد أداة في اليد الصهيوأمريكية لا أكثر ولا أقل، وإلا فإن البديل الأمريكي سيكون جاهزاً وحاضرا !
* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع