عن زيارة الضيف الثقيل (2-2)

عن زيارة الضيف الثقيل (2-2)

رشيد ثابت
2008-01-12

بعد لقاء أولمرت قال بوش في المؤتمر الصحافي أنه سيطالب الرئيس محمود عباس خلال لقائهما الذي سيلحق بضرورة وقف إطلاق الصواريخ كاستجابة لشكوى أولمرت منها وسيسأله عن خططه لتحقيق ذلك…

بعد لقاء "أولمرت" قال "بوش" في المؤتمر الصحافي أنه سيطالب الرئيس محمود عباس خلال لقائهما الذي سيلحق بضرورة وقف إطلاق الصواريخ كاستجابة لشكوى أولمرت منها وسيسأله عن خططه لتحقيق ذلك. وأشار إلى أن "على الفلسطينيين أن يختاروا بين رؤية الدولتين ورؤية حماس وإطلاق الصواريخ؛ لما لها من تداعيات تدميرية على المنطقة". نقلت وسائل الإعلام الخبر وعلق عدد من المحللين بطرق شتى على قول بوش أنه سيسأل عباس عن خططه لوقف الصواريخ؛ وراح أحسن المعتذرين لعباس طريقةً يندب حظ المسكين الذي يطلب منه بوش ما عجزت "إسرائيل" عنه؛ وأعطيت العبارة ثقلا كبيرًا لم تستحقه في رأي العبد لله. ليس هذا لأن محقِّر الصواريخ والعمليات الاستشهادية لا يرغب ولا يمتلك النية لمنع اطلاق الصواريخ على الكيان؛ بل ببساطة لأنه حسب الظروف الميدانية القائمة لن يكون بوسعه التصدي لصواريخ حماس من غزة في غياب الوقائي والتعهر الأمني. فلماذا مرت هذه العبارة رغم "ركاكة" الفكرة؟

العبارة مرت ببساطة لأنها صادرة عن رئيس العجم وكبير العلوج في العالم؛ فمن في فريق عباس وحاشيته يستطيع أو يجرؤ أن ينبه سيادة الرئيس بوش إلى أن غزة التي تطلق حماس منها الصواريخ هي نفس المكان الذي طرد منه فريق أيتام دايتون وأعوانه؛ وبالتالي هم لا يقدرون عمليًّا على منع الصواريخ؟ فكان هذا السكوت العذري تجسيدًا حيًّا لباب طريف بعنوان " تعظيم الأمر الخسيس إذا صدر عن العِلج النفيس" من كتاب الحيوان للجاحظ. فشكرًا لحكومة فتح على إحياء التراث ودقة اختيار الباب؛ وشكرًا لله أولا وآخرًا على هذا التوافق العجيب بين اسم الكتاب واسم الباب وأبطال الحكاية.

ومن كان لا يصدق أن بوش الأحمق خالي البال من مكان غزة على الخريطة أو مكان رام الله فليبحث عن الأنباء التي تسربت عن إفراطه في الشرب حين تعشى مع المسؤولين الصهاينة وما "خرطف" به آنئذٍ؛ وليقرأ عن سيرة الرجل الشخصية التي تمتلئ بمواقف ضاحكة لانسان مغفل. وهذا بالمناسبة امتداد لقالب نمطي صحيح إلى حد كبير في حق فريق من الأمريكيين ممن لا يعرفون شيئًا عن العالم ولا تنقصهم الجرأة رغم ذلك للإفتاء فيما كان وسيكون. مثلا؛ هناك المدونون من فريق "التواصل الرقمي الالكتروني" التابع لوزارة الخارجية أو وزارة "كوندي رايس"؛ والذين ينشطون في المدونات العربية للتبشير حرفيا بالرأي الرسمي الأمريكي (أي من نفس سلة "سوى" و"الحرة") وكتب أحد هؤلاء في شبكة فلسطين للحوار يقول أنه يتوقع من الشعب الفلسطيني أن يحسن استقبال بوش لأن العرب يكرمون الضيف. فهل رأيتم هذه الطريقة الفذة في الاقناع وهذه الحجة الماضية؟ "قطروز أمنا الغولة" يظن أن الشعب الفلسطيني "بريالة" ليضحك عليه بمضامين أغنية "سميرة توفيق"؛ وكأن الشعب الفلسطيني لم يقرأ رسائل العشق القادمة من الضيف الوقح على شكل طلقاتٍ ثقيلة من الأباتشي وصواريخ من طائرات إف 16 وباقي منتجات "لوكهيد مارتين" التي وقعت بالنار على لحومنا الحية. لكن هذه أمريكا الرسمية وهذه طريقتها الغبية في احتقار ذكائنا.

على أية حال...ها قد انقضت الزيارة؛ فماذا تبقى منها؟

سمعنا من الضيف قليل الأدب مفردات وكلمات عن مكافحة المتطرفين وأمَّن الابن المفترض للبلد على كلام الغريب بكل وقاحة. سمعنا بوش يؤكد تمسكه بضماناته لشارون عن "يهودية" الدولة الصهيونية وعن الاحتفاظ بالمستوطنات وعن احترام المعطيات على الأرض – من مستوطنات وجدار وتهويد للقدس – ولم نسمع من خلف جلد الأجرب ولا همسة عتاب. بل إن بوش أنهى عددًا من قضايا الحل النهائي – مثل حق العودة – واعتبر أن قضية اللاجئين قضية تعويضات وحسب فماذا قال عباس وفريقه؟ لا شيء. لم يسجل عنهم أنهم قالوا في حضرة بوش أي شيء ينقض هذا. فقط في المنابر الإعلامية العربية قيل كلام فض مجالس معاد ومكرور عن الانسحاب واستعادة القدس الشرقية. هذا وللأمانة بذل صائب عريقات جهدًا جبارا في سرد لازمته اللازمة التي لم يحفظ غيرها منذ عام 1991 على عجل فيما مذيع الجزيرة"جمال ريان" يستعجله لينهي بسرعة. أما أولمرت فقد أكد بين يدي بوش أن الاستيطان في القدس أمر مختلف عن الاستيطان في غيرها؛ ونقلت وسائل الإعلام عن بوش أنه اختار أن لا يصطدم مع مضيفه؛ أو

not to confront with Olmert

ومر الخبر في إعلام فتح كأنه لم يكن.

لكن وحدهم الصهاينة عرفوا قدر الزيارة وقيمتها الحقيقية. فقد وصف وزير في الحكومة الصهيونية الزيارة أنها لا تعدو كونها مجرد "زيارة بروتوكولية"، ونقلت الإذاعة العبرية صباح الخميس عن الوزير رافي ايتان قوله "إن الفلسطينيين غير قادرين في هذه المرحلة على تولي زمام الأمور بأنفسهم مما ينعكس على إسرائيل"

أما جماعتنا من لصوص القرار فقد استمرأوا خداع شعبهم والاشتراك في لعبة الضحك عليه. فبينما الأنباء في وسائل الإعلام الأجنبية تقول

Bush predicts peace signed before end of 2008

ومعناه أن "بوش يتوقع توقيع اتفاق سلام قبل نهاية عام 2008" ؛ يتحول الخبر في وسائل إعلام فتح من هذه الصيغة التضعيفية الواضحة ليصبح "بوش يقول أن اتفاقية السلام وقيام الدولة سيكون قبل نهاية عام 2008"

 

وبوش في وسائل الإعلام الأجنبية يقول

illigal outposts must be removed

أي أن البؤر الاستيطانية غير القانوية يجب أن تزال

أي أننا وصلنا لمرحله فيها كل المستوطنات شرعية؛ والبؤر الاستيطانية – تعريف "آوت بوست" في الانجليزية يوحي بأننا بصدد محطة مهلهلة في منطقة نائية – صار فيها نظر فبعضها قانوني وبعضها غير قانوني!

لكن في إعلام فتح تسقط كلمة "غير القانونية" دون تفسير!

ماذا تبقى لنا بعد كل هذا؟ بقي لنا نبيل عمرو وهو "يتشحتف" لسيده ويقول في رسالته التي نشرها في جريدته " سيادة الرئيس إن الشعب الفلسطيني، الذي من اجل قيام دولته الموعودة أتيت، لا يقيس التقدم أو التراجع في عملية السلام وفق مقاييس الساسة الكبار أو المثقفين ذوي التحليلات المعقدة". أي أن من لا يوافق من الفلسطينيين على أن تجارة المفاوضات كانت هباءً وخسارةً وخسرانًا وعبثًا من المنتفعين فهو ليس مثقفًا ولا يفهم التحليلات المعقدة. "بلاش يا نبيل"! واجتهدت جوقة الكتاب في جريدة نبيل وباقي جرائد أشباه نبيل في الضفة في ترداد نفس "الحكي المصدي" من طراز "الفرصة التاريخية"؛ و"المصداقية الأمريكية التي هي على المحك"؛ و"هذه المرة يبدو بوش جادًّا"؛ و"الحل يبدو قريبا أكثر من أي وقت مضى" وما إلى ذلك من الغثاء الذي أعيد تدويره مرات ومرات على ألسن وأقلام نفس أعجاز النخل الخاوية...هذه العجائز التي شاب شعرها في هذا الضلال والتضليل ولمَّا استحت من الله عزوجل أو من الناس أو من فلسطين!

فيا أيها الضيف بوش لا أهلا ولا سهلا بك وبوفدك ولا رأيناك في فلسطين مرة أخرى بإذن الله

ويأ أيها المضيفون "الله لا يخلف عليكم فوق تعبكم"!

* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع
جميع الحقوق محفوظة لدى دائرة الإعلام العسكري لكتائب الشهيد عز الدين القسام ©2026