أمتنـا فى مــواجهـة التـحـديـات

أمتنـا فى مــواجهـة التـحـديـات

محمد مهدى عاكف
2004-11-27

أمتنا فى مواجهة التحديات رسالة من المرشد العام للإخوان المسلمين الحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد النبى الأمين وعلى آله وصحبه والتابعين إلى يوم الدين وبعد إلى كل مسلم…

أمتــنــا فى مــواجــهــة التــحــديــات

رسالة من

المرشد العام للإخوان المسلمين

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد النبى الأمين وعلى آله وصحبه والتابعين إلى يوم الدين .. وبعد

إلى كل مسلم فى أى بقعة من بقاع الأرض نسطر هذه الرسالة دونما تفريق بين حاكم ومحكوم .. أو بين عربى وعجمى .. أو بين مهتد وعاص .. أو بين ظالم ومظلوم، ليس تناسياً للحقوق وإنما تذكيراً بأمانة عقيدة (إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْأِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً)(الأحزاب72) ودعوة ليقف كل مسلم على حقيقة التداعى "تتداعى عليكم الأمم كما تتداعى الأكلة إلى قصعتها" يوم قالها إمام الأمة محمد صلى الله عليه وسلم سأله صحابته الكرام "أو من قلة نحن يومئذ يا رسول الله" فأجابهم وكأنه ينظر إلى واقعنا اليوم" لا .. إنكم يومئذ كثيرٍ ولكنكم غثاء كغثاء السيل" . ومن هذا الواقع ننطلق ليرصد مداد القلم معان للألم حيث سادت "الغثائية" واقع المسلمين فهان الدم واستباح الأعداء الأرض منتهكين كل حرمة للمقدسات والأعراض .

"أكلة" حذّر من طغيانهم رسول الله صلى الله عليه وسلم دون أن يرى ملامح قوى الشر تقود جزارى العالم صوب الذبائح المسلمة حاملين نصلاً صهيونيا لا يُشبع نهمه إلا الدماء المسلمة والنحور الموحِّدة .

"أكلة" يتسترون تحت أستارٍ نسجوها من قوانين الجوْر التى أفرزت منظمات وهيئات وكيانات تُشّرع لهم قلب الحقائق، وإضاعة الحقوق، والبغى على أوطاننا تحت دعاوى التحرير تارة والإصلاح ثانية ونشر الديمقراطية تارة أخرى، وفى كلٍ تخرج قوى الشر حاملة فى يدها قراراً للأمم المتحدة يجيز لها سرقة تحملها يدها الثانية .. وفى كلٍ يمنح مجلس الأمن قوى الشر صك الغفران من "ذنب" ألوف الآمنين الذين يسلمون الروح بفعل آلتها الوحشية "للديمقراطية" !

وفى كلٍ تسارع مفوضية الاتحاد الأوربى للإعراب عن إيمانها بدور تحالف قوى الشر العالمى للقضاء على الإرهاب المزعوم الذى تبثه الأوطان الإسلامية عن طريق الرافضين للاحتلال ، والمقاومين للذل .

سقوط الأقعنة ..

إن الإخوان المسلمين لا يرون فى كل ما تفعله قوى الشر ومن حالفها من الأذناب نهاية للصراع بين المد الإسلامى وبين ظلام الشر ، وإنما هو بداية لمواجهة حقيقية تضع أمتنا أمام تحدٍ مباشر كان فى السابق يتسلل خفية لتخريب العقول وتشويه الفطرة المؤمنة فى محاولة الإذابة والهوية الإسلامية فى أتون المد الغربى ( وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا )(البقرة من الآية217)

لقد سقطت الأقعنة وكشف الشر عن وجهه القبيح وأيدته الانتخابات الأخيرة فى معقله "الولايات المتحدة الأمريكية" ليبارك الغرب تحركات الغزو التترى لأمتنا وبالتالى تم تجاوز كل دعاوى الحرب الخفية التى كانت تأتى جيوشها إلى العالم الإسلامى ممثلة فى مناهج تشوه العقول والوجدان، ونماذج غريبة شاذة تعصف بالأخلاق ، وإعلام ماجن يزرع ثماراً مرة للضلال فى أراضٍ مزدهرة بالنقاء ، ومنح مالية وثقافية وطبية تهبها الكنائس الصليبية لمن يساير تبشيرها، ومراكز مشبوهة تشكك فى الثوابت وتدعو لمراجعة الرؤى الربانية، كل هذا وغيره ظل طيلة قرن مضى ينخر فى عظام الأمة غير أنه لم يفلح إلا فى إحياء روح الإسلام فى النفوس لتقاوم بالبحث عن أصوله التى يريد لها الأعداء أن تتوارى فعمرت المساجد بروادها وما ساحات قيام الليل الرمضانية منّا ببعيد، وارتدت المسلمات حجابهن شعاراً للعزة فى مواجهة ذل التعرى، ودبت الحياة فى الشعائر الإسلامية حتى صار على الأنظمة الرسمية أن تجارى الصحوة بمظاهرها .. فارتد السهم الشيطانى كسيرا بفعل الدرع الربانى (وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ)(لأنفال من الآية30)

إن هذه المقومات لانتشار الصحوة فرضت على "حزب الشيطان" مواجهة مباشرة تحميها "شرعية دولية" تزن بميزان ذو كفة واحدة لا ترجح إلا للصالح الغربى، ويرعى هذه المواجهة للمد الإسلامى "مجتمع دولى" يحكمه "راعى بقر" لا ترى عيناه إلا ذاته وما يشبع نزواتها، ولا تسمع أذناه إلا أمانى الصهاينة، وبالتالى غاب المجتمع الدولى عن مسلمى الهند عندما راح الآلاف منهم ضحايا لمجازر الهندوس عام 1984م وغض الطرف عندما هدم تطرفهم المسجد البابوى فى ديسمبر من عام 1992م ولم ينبس المجتمع الدولى ببنت شفة تعليقا على حالات الاغتصاب الجماعى للكشميريات المسلمات أو استنكارا لإراقة دماء 40 ألف شهيد كشميرى قتلهم الإرهاب الهندوسى خلال الأربع سنوات الماضية .. وأخذ الضمير العالمى أجازة مفتوحة قبل أن تقتل الشرطة التايلاندية 84 مسلما فى 13 رمضان الماضى بينما خرج رئيس الوزراء التايلاندى على العالم ليؤكد أن شرطته "أدت عملاً رائعاً" بقتلها للمسلمين !

كما شطبت كل منظمات حقوق الإنسان الدولية من سجلاتها حوادث الإبادة الجماعية لمسلمى أوزبكستان الذين يتحكم فى رقابهم مصاص دماء يهودى الأصل حوّل مساجدهم إلى إسطبلات للخيل ودفن فى ثلوج سيبريا ملايين من الموحدين الذين لم يكن جرمهم ( إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ )(الحج من الآية40)

القتل قانونهم

إن عالما تحكمه مثل هذه الشرعة ليس بمستغرب عليه أن يحشد كل جيوشه ليسلبوا "العراق" مقدراته وليحيلوا فراته إلى نهر دماء .. وليحولوا جنانه إلى سجون ترفرف فوقها أعلام السادية والعنف والشذوذ الأمريكية ! كما أن مثل هذه الشرعة لا عجب فى أن تحاول أن تمحو بلدة آمنة كـ "الفلوجة" من الوجود طالما أن فيها من يأبى أن تحكمه قوانين "راعى بقر" كل همه أن يخلو له العالم مع كأس النفط العراقى المصنوع من جماجم حوالى (1600) شهيد من أبناء الفلوجة بينما تتعالى صرخات (2000) مصاب وتدوى سياط "راعى البقر" على أجساد (1800) معتقل فى الوقت الذى تضيع فيه أحلام نصف مليون مهجر من أهالى الفلوجة تحت جنازير الدبابات الأمريكية.

ومن العراق إلى أرض فلسطين حيث تغتال قوى الصهاينة كل يوم شهداء جدد شاهدين على عالم قوى الشر الذى لم يرحم أطفالاً ونساءً وشيوخاً بلغت نسبة الشهداء منهم (60%) من إجمالى (3500 شهيد) منذ اندلاع الانتفاضة الأولى والثانية .

إن "راعى البقر" فى الوقت الذى يسفك فيه بحارا من دماء العراقيين والأفغان يذرف دموع التماسيح على فتنة أشعلها فى السودان منذ أن مد جنوبه بالأسلحة عام 1984م لتُزهق الفتنة الأمريكية أرواح مليون ونصف المليون سودانى حتى اليوم . وهو ذاته الذى وضع يده فى يد الصهاينة لدعم حركتى "الأسود الحرة والبادجا" فى شرق السودان ليقصموا ظهره سعيا لأن يُفصل الجنوب الأفريقى عن شماله ليقف المد الإسلامى عند الخرطوم بينما تلتهم مؤسسات التبشير ما يتبقى من السودان ثم أوغندا وبوركينا فاسو وكمبوديا وكينيا وساحل العاج وغانا فالصومال  

منطق الحق

فى عالم كهذا الذى نحياه يسعى راعى البقر لأن يفرض شرعته على العالم ليصبح كما قال المصطفى صلى الله عليه وسلم قبل أربعة عشر عرقنا من الزمان "المعروف منكرا والمنكر معروفا" لا لشىء إلا لأن حكم الجاهلية هو السائد (أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ)(المائدة50)

ولقد فرض "حكم الجاهلية" الأمريكى على العالم منطقه فتحول العدوان على الدول إلى حرب تحرير وقوات الاحتلال إلى قوات متعددة الجنسيات وتحولت المقاومة إلى إرهاب والمجاهدون إلى مسلحين.

غير أن فرض منطق "قلب الحقائق" مآله إلى اندثار لأن الحق أقوى رسوخا فى الضمير ، وأبقى أثرا فى دنيا الناس (بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ )(الانبياء من الآية18)

فيا أيها المسلمون

اعلموا أن المواجهة تتطلب الإعداد (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ )(لأنفال من الآية60) وليكن الإعداد منطلقاً من أصول الإيمان (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ)(الحجرات15)

فأعدوا لتحقيق الوعد قوة إيمانية يرفع الله بها جنده إلى مصاف الملائكة (أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كَانَ فَاسِقاً لا يَسْتَوُونَ)(السجدة18)

وأعدوا للمواجهة قوة إخاء تجمع شتات الجسد الواحد "المسلم للمسلم كالبنيان يشد بعضه بعضا" ولابد للبنيان من تواصل تدعمه دعوات السَحَرْ وتبرعات النصرة والإغاثة ومقاطعة لكل متعامل أو مصنّع لسلع العدو أو من يواليه .

وأعدوا للمواجهة قوة فى كل مجال يجسده إتقان فى الأداء العلمى والمهنى والتقنى يحملنا على الاستغناء عن معونات الغرب حتى لا نكون ممن حذر منهم دستورنا (وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ)(هود113)

وفى سبيل الإعداد يجب ألا أن تنسى أمتنا عزتها (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ )(آل عمران من الآية110) بشرط تحقيق أسس الخيرية ( تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ )(آل عمران من الآية110)

ويا جموع الإخوان فى كل مكان

إعلموا أن واجبكم عظيم .. وأعباءكم ثقيلة .. فالتزموا أخوتكم (كونوا عباد الله إخوانا" وكونوا عند حسن الظن بكم "يرميكم الناس بالحجر فترموهم بأطيب الثمر .. وعليكم باليقظة لما يحاك للأمة فـ "المؤمن كيس فطن"

عليكم بالثغور فلا يؤتى الإسلام من قبلكم . واعلموا أن الواجبات أكثر من الأوقات كما قال إمامنا الشهيد حسن البنا رحمه الله فليكن لكم من أوقاتكم أوفر النصيب واعلموا أن الدعوة إن لم تكن بكم كانت بغيركم ( وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ)(محمد من الآية38) فما أسعدنا لو كانت بنا الدعوة وكنا من الرجال الذين قال فيهم رب العزة (مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً)(الأحزاب23) وتمثلوا فى سيركم على درب الله قول عمر رضى الله عنه "نحن قوم أعزنا الله بالإسلام فإن ابتغينا العزة فى غيره أذلنا الله"

 ( وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ)(محمد من الآية35) و "بين النصر والهزيمة صبر ساعة"

والله أكبر ولله الحمد ..

* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع
جميع الحقوق محفوظة لدى دائرة الإعلام العسكري لكتائب الشهيد عز الدين القسام ©2026