السلام عليكم ورحمة الله وبركاته في هذا اليوم الفلسطيني الذي له ما بعده أراني لست في حل أن أكتب لك لأقول بعد أن أتوجه من شعبنا بالقول أحسن الله عزاءك في أبي عمار وأسأله تبارك وتعالى…
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
في هذا اليوم الفلسطيني، الذي له ما بعده، أراني لست في حِلٍّ أن أكتب لك، لأقول بعد أن أتوجه من شعبنا بالقول أحسن الله عزاءك في أبي عمار، وأسأله تبارك وتعالى أن يقبل الإسلام الذي مات عليه، وأن يلهم شعبنا الصواب والسداد والرشاد في مسيرة هذا الشعب العظيم في التحرر من هذا العدو اللئيم، المتربص بنا، وأن يعجل لنا بالنصر، وكسر القيد عن معاصم أولئك الأحرار، الذين ضحوا بأعمارهم لتحيا فلسطين ، وبحريتهم (النسبية) لتنعم فلسطين بالحرية، وآثروا الحرمان لتعيش الأسرة الفلسطينية (الكبيرة) في حب ولقاء ، كما أسأله تبارك وتعالى أن يقبل (البيع) الذي أبرمه مجاهدو فلسطين ومناضلوها، أولئك الذين قضوا نحبهم، في الشهداء ، وألا يفجع فلسطين بولد من أولادها، آمين... آمين.
الأخ أبا مازن، كنت قد كتبت لك، وأنت في الوزارة، واليوم أكتب لك وأنت (المرشح) لتخلف رفيق دربك، ورئيسك، أبا عمار، وهو وأنت من بقي، قبل رحيله، من القلائل الذين بقي على قيد الحياة من آباء حركة التحرير الوطني الفلسطيني (فتح) ، تلك الحركة التي ورثت قيادة م.ت.ف التي كان المناضل أحمد الشقيري أول من قادها، بعد أن أسسها بقرار عروبي قومي، وذهب الشقيري بعد حياة حافلة كم أثارت شعبنا وأمتنا، مضى الشقيري الذي حاولتم أن تتجنبوا أخطاءه، وليس في عصرنا من معصوم، عندما خلفتموه فينا بعد مرحلة انتقالية قصيرة، تولى فيها السيد يحيى حمودة مقاليد الأمور، ما لبثت أن انتهت لتجلس (فتح) في (قمرة) الربان، لتصبح فتح هي م.ت.ف ، وتصبح م.ت.ف هي فتح، وورثت فتح قيادة جيش التحرير الفلسطيني كذلك، والمؤسسة المالية الفلسطينية ممثلة في الصندوق القومي الفلسطيني، ويصبح الفدائيون الذين يتقنون فنون القتال وحرب العصابات ساسة، بعد أن ورثوا الدوائر جميعاً لـ م.ت.ف التي تعمل عمل نظيراتها من الوزارات في الدول ذات الاستقلال والدساتير، وجلس الفدائيون في معظم مقاعد المجلس الوطني الفلسطيني، ذلك البرلمان الذي شهد أول لقاء له في (حياتي) في فندق (الانتركونتننتال) في القدس، وشارك فيه قطاعنا الحبيب سنة 64، في الوقت الذي كنتم فيه تتحينون الفرصة للانطلاق في عملكم الثوري والذي جاء متأثراً بالثورات التحررية الكبرى في العالم (فيتنام-كوبا-الاتحاد السوفييتي-الصين-جمال عبد الناصر...) وكنتم آنذاك شباباً ممتلئاً بالإحساس بالظلم، والقهر الذي طالما مارسه يهود على شعبنا (أرضاً وإنساناً وهوية) ومفعماً بالأمل في أن يكون لشعبكم بكم وطن، وأن تستردوا له كرامته، وتلموا شمله، كنتم شباباً قد تخرج في مدارس متباينة فاجتمعتم من أقصى اليمين، وأقصى اليسار، ترفعون شعار وحدة البندقية، لقد اجتمعت لكم أدوات الفعل الرئيسة (المال، الإنسان والفكرة... أقصد الهدف) وما أن بزغ فجر اليوم الأول لعام 65 حتى انطلقتم ليسمع البعض باسم جديد (فتح) ويوما فيوم، وعملية إثر أخرى، وشهيد وأسير، أخذ اسم فتح يزاحم أهم الأخبار، فتصدرها أحياناً، وكان الثاني أو الثالث أحياناً، كان الاسم يلوح في فترات متباعدة أولاً، ثم أقل تباعداً، ثم متقاربة، حتى أخذ يلوح بشكل تسارعي، وانتقل من مرحلة الهمس إلى مرحلة العلن، وهكذا يا أبا مازن ، وأعلم أنك ستمر على كلماتي مرور عابر، يرغب في أن يطوي الزمان والمكان بلمحة عين، ولكني جعلته أساساً لما أريد قوله وإن طال الأساس!! فلعلّ في شعبنا من هو في حاجة إلى تذكير به، وتعريف عليه... لأقول، مكثت أبا مازن من عمرك سنين وأنت أمين سر م.ت.ف ، تقاطرت عليك أجيال، وزعامات، وأحداث، تعلن حملك للهمّ الفلسطيني، وترهن حياتك بتحقيق أهدافه، وقد يكلفك ذلك الكثير من راحة الجسد وهدوء البال والمكايدة في إرضاء الضمير، رأيت خلال حياتك من أحسن من رفاقك ومن أساء، ورأيت من أخلص ومن كان أقل إخلاصاً، أو خان، رأيت الشجاع، والجبان، ورأيت الأمين والسارق، ورأيت من ذهبت حياته فداءاً لفلسطين، ومن ذهبت من أجل غانية لعوب، ورأيت الصدق وأهله، كما رأيت الكذب وأهله ، رأيت الحناجر العربية وهي لا تردد إلا (فلسطين) ورأيت أصحاب الحناجر يعملون السكين في أعناق أبناء شعبك، رأيت الدنيا بزخرفها وتبرجها، ورأيت مخيمات اللجوء المهانة المستضعفة الحزينة، التي تضم تحت أجنحتها أبناء شعبنا وبناته في لبنان، في الأردن، ثم في الضفة وغزة، رأيت المغامرين والطامحين إلى المعالي، كما رأيت المقامرين والمرتزقة الباحثين عن اللذائذ ولو قدموا ثمناً للحظاتها حياتهم، رأيت باطن الأرض ومسارب النمل والطرقات المحفوفة بالموت وقطاع الطريق (كهوف، مغارات، مواقع، حصون...) كما رأيت القصور وفنادق النجوم الخمسة أو السبعة أو المائة، ليست أوراق الشجر، والأسمال البالية كما لبست أفخر ما أنتجته المصانع من أصواف وأجواخ وحرائر، رأيت المعدمين من أبناء شعبنا والأرامل واليتامى والأيامى، ورأيت الرجال عندما يبكون من الظلم ، ورأيت من انتحر منهم، لأنه لا يجد رغيف عيش يقيت به صغاره، ورأيت من مات ولم يجد جرعة دواء تطفيء حريق فؤاده وقد استعر نارا، ورأيت من فقد بصره أو يديه أو رجليه، أو عقله، كما رأيت الانتهازيين، والساديين، ومن في أيديهم أسواط كأذناب البقر، يسوطون بها كل من ذكريات من (المعدمين وما بعدها) رأيت يا أبا مازن شعبنا يذبح بيد صهيوني لعين في تل الزعتر، وجسر الباشا والبداوي والبقاع، ورأيت المارون وهم يناولون السكاكين للصهاينة ليمعنوا في ذبح شعبنا، فضلاً عما يذبحون هم، رأيت يا أبا مازن كيف كانت تؤخذ القرارات وكيف توزع المناصب، ورأيت كيف يصير المتسول مليونيراً وكيف يمسي المليونير متسولاً، رأيت يا أبا مازن العواصم وكم حملت في يديك كلتيهما حقائب السفر، تحط رحالك أحياناً سراً، وأخرى في العلن، هو التاريخ يا أبا مازن، وما يصدق عليك ينسحب على أبناء شعبنا الذي دفعته المتناقضات للاقتتال، كما دفعه الإحساس بالظلم إلى الانتقام أو تصفية الحسابات، أنه سعينا يا أبا مازن الذي وضع من كل ثدي قطرة، وكل خلية في جسده نبتت في وطن، هي مشيئة الصهاينة يا أبا مازن ومكرهم الذي تزول منه الجبال، رأيت يا أبا مازن (ملاعب) صناعة القرار العربي وشاركت فيها، كمشاركتي حينا بالانفعال (رضا أو غضب ، رجاء أو يأس) او كمشاركتك أحياناً (مراقباً، فاعلاً) ورأيت كيف تضيع في تلك الملاعب فلسطين، فضلاً عن إنسانية الإنسان العربي، وتنقص -بها- أطراف الوطن العربي، رأيت يا أبا مازن كيف يكتب الهواة التاريخ، وكيف يكتبه الحرفيون والدهاقنة، فتأتي كتابة الهواة أصدق عبارة من عبارة (أولئك) رأيت يا أبا مازن كيف تكتب الشعارات وتصاغ المبادىء وكيف يتنكر أصحاب الشعارات لشعاراتهم، ويتنصل أصحاب المبادىء من مبادىء من أجل شيء أو من أجل لا شيء، رأيت يا أبا مازن أن الناظم لشعبنا ولكل شعوب الأرض هو (الله) وأن (الشيطان) هو المفسد في البلاد والعباد، والقاطع للرحم، ورأيت يا أبا مازن الأفعى الصهيونية بينما هي تلتف على عنق العالم، ويوشك لسانها أن يلامس ذيلها، وقد التفّت مرات ومرات على عنق هذا العالم المسكين.
ورأيت كيف يزيفون الديمقراطية، ويزيفون إرادة الشعوب، فيأتي (بوش الصغير) (وبوش الصغير) ليحكم أرقى دولة وأعتى دولة ، ليحكم الإمبراطورية الأمريكية التي تشحذ لنا -في شخصك- السكين، لتفصل رأسنا عن جسدنا، وتضمن لجسدنا الحركة كحركة (الريبوت) أو (الإنسان الآلي) ولكن بلا إرادة، بلا بصر، بلا سمع، بلا شم أو ذوق أو إحساس، نتحرك وفق مشيئتها، ونتوقف وفق مشيئتها، نتكلم وفق مشيئتها، ونصمت وفق مشيئتها، مخالفتها جريمة، والتريث جريمة... رأيت يا أبا مازن كل هذا وعشته كما عشناه، عشناه واقعاً في فلسطين، وواقعاً في الأردن وواقعاً في لبنان، عشناه كما عشته يا أبا مازن بغداد تحترق، تدمر، والفالّوجة تدك على رؤوس أصحابها، كما دك الصهاينة مدننا وقرانا وزيتوننا ونخلنا وبرتقالنا، وجعلوا منا ننتظر ما تجود به الأريحية الأمريكية، والكرم الأمريكي من منح وهدايا وكوبونة) لكل بطاقة تموين حكموا عليها بالموت البطيء ، كل هذا رأيته يا أبا مازن وعشته واقعاً وعشناه كذلك، والفرق بيننا أنك مسئول (بالبناء للفاعل) ونحن مسئولون (بالبناء للمفعول) فماذا أنت فاعل؟ أتمنى أن تفعل الصواب الذي لا أشك أنك تعرفه ... والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع