"حماس" والمشروع الوطني الفلسطيني

بشار سعيد
2007-12-13

بعد عقدين على انطلاقتها تحديات الوجود عقدة البديل هاجس التمثيل إثبات الشرعية كل هذه المصطلحات والتي تحمل مضمونا متشابها مثلت معارك فرضتها الظروف على حركة المقاومة الإسلامية حماس…

بعد عقدين على انطلاقتها

تحديات الوجود, عقدة البديل, هاجس التمثيل, إثبات الشرعية, كل هذه المصطلحات والتي تحمل مضمونا متشابها مثلت "معارك" فرضتها الظروف على حركة المقاومة الإسلامية "حماس" .. ليس بعد فوزها الكاسح في الانتخابات التي جرت في 25/1/2006 (بعد عشر سنين من الانتخابات التي سبقتها وكانت الأولى بعد تشكيل السلطة الفلسطينية)، عندما تقدمت على حركة "فتح"، الحركة التي تولت زمام النضال الفلسطيني، متشبثة بوحدانية قيادتها لمنظمة التحرير الفلسطينية, من خلال إمساكها بكل مواقع القرار، والتأثير، والمال، والسياسة فيها، لأربعة عقود متصلة.

حركة المقاومة الإسلامية ،التي كان الإعلان عن انطلاقتها، يعود إلى بداية الانتفاضة الأولى التي تفجرت يوم 8/12/1987م, حيث حمل الإعلان الأول لحماس تاريخ 14/12/1987م, "حماس" (وهي الأحرف الأولى للاسم) كانت موجودة على الأرض تحت مسميات أخرى تعود حتى قبل عام1948, ولقد تباين أثرها وفعالياتها ودورها، تبعا ً لظروف ذاتية وأخرى موضوعية. وخروجا من جدل التاريخ ومتغيراته، فإن مرحلة أواخر السبعينات شهدت أدوارا وتأثيرا لحركة حماس في الواقع الفلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة المحتلين بل وامتدادا إلى فلسطين المحتلة عام 1948.

تأميم النضال

كانت فترة ازدهار العمل المؤسسي وأثره في المجتمع الفلسطيني، علامة فارقة لتثبيت جذور (حماس) حتى قبل الإعلان عنها بهذا الاسم. فالمجمع الإسلامي وجامعة النجاح والعديد من اللجان ودور الأطفال والجمعيات، كانت عناوين واضحة ساطعة ليس في الحضور فقط، بل في التأثير ثم في القيادة. وترافق ذلك مع صعود نجم قيادات اجتماعية، وسياسية، على رأسها الشيخ أحمد ياسين, والدكتور عبد العزيز الرنتسي, وصلاح شحادة,.. في قطاع غزة. وجمال منصور, وجمال سليم, وأحمد الحاج علي,.. في الضفة الغربية, وغيرهم كثير.

ولقد تعرضت (حماس) في تلك الفترة إلى (اختبار) أمني، أدى لاعتقال قادة ميدانيين وتفكيك بعض خلايا العمل - نهاية السبعينيات- ثم بداية الثمانينات عندما اعتقل الشيخ أحمد ياسين بتهمة العمل على إزالة دولة "إسرائيل" لإنشاء دولة فلسطينية إسلامية. وبقي في السجن حتى تمت عملية التبادل بين الكيان الصهيوني, والجبهة الشعبية –القيادة العامة- في العام 1985.

كان التعبير الآخر الشكلي والموضوعي ماثلا ً في المؤسسات التعليمية بدءاً من المدارس الثانوية وانتهاء من الجامعات، التي شهدت ميادينها تنافسا حادا بين الكتلة الإسلامية (الجذر الطلابي لحماس), والكتل المنضوية تحت راية المنظمة وأهمها الشبيبة الفتحاوية, وكثيرا ما تطورت أوضاع التنافس حد الاصطدام بالأيدي والسلاح الأبيض، بل أن حالات محدودة أطلقت فيها النار على رموز وقادة محليين للكتلة الإسلامية من الشباب أو الشابات خلفت ضحايا.

أما الشكل الثالث في التعبير عن الوجود الموضوعي والعلني كان في السجون الصهيونية, إذ قضت (أعراف!) العمل الفلسطيني في الأسر تحديد الانتماء للأسرى، لكن تلك الأعراف رفضت أي تحديد لانتماء خارج الأطر المنبثقة عن منظمة التحرير الفلسطينية (الفصائل المرتبطة بالمنظمة) وكان الأسير – زيادة على معاناته مع السجان الصهيوني ورعب التحقيق وهاجس عملاء الاحتلال في السجن – كان عليه مواجهة معاناة جديدة – إن كان من حماس أو أنصارها – فهو مضطر لاختيار (فصيل مناضل) ولا أحد يعترف به كحالة نضالية !!.

لقد انعكست مخرجات الأشكال الثلاثة السابقة لدخول حماس حلبة المواجهة مع المحتل وميدان الجهاد، على الواقع الميداني في الشارع الفلسطيني كما على الحالة النفسية للطرفين (أبناء حماس والآخرين) وعلى الجمهور الفلسطيني عموما.

لقد فرضت حركة (فتح) - أو حاولت – عملية أشبه بتأميم النضال الفلسطيني، رافضة الاعتراف بتطور المجتمع وقواه، وبتغيرات حركات المقاومة، فنظرت بشك، وأحيانا كثيرة باتهام، لكل من يتصرف خارج الحظيرة الفتحاوية (وفي كل الأحوال فإن م ت ف ليست بعيدة عن تلك الحظيرة الأم), بل لقد تطورت النظرة المتخوفة إلى رد ميداني ومواجهة عنيفة في المؤسسات التعليمية وفي السجون وفي الشارع لكل من (يقاوم ويناضل ويجاهد من خارج تلك الدائرة!؟).

 إذن فقد واجهت حركة (حماس) تحدي شرعية الوجود في ساحة الجهاد والمواجهة مع الاحتلال, وكان عليها – في نفس اللحظة- أن تدفع عن نفسها تهمة البديل أي أنها ستكون أو ترغب أن تكون بديلاً لفتح أو المنظمة!! وأن تبدد (شكوك!) القادة التاريخيين في مزاحمتهم تمثيل الشعب الفلسطينيي خاصة أمام الأطر الدولية. (زادت سخونة هذه القضية بعد الانتفاضة الأولى، واستطاع العدو الصهيوني اللعب على هذه القضية والتأثير على القيادة الفلسطينية وجرها إلى تنازلات غير مسبوقة ولا معقولة (لخوفهم!) من وجود من ينافسهم على التمثيل وعلى التفاوض!! رغم التأكيد العملي و القولي الذي دأبت عليه حماس منذ ذلك الحين, حتى الآن, وتحذيرها للقيادات الفلسطينية السابقة والحالية من أنه يجري ابتزازها بأمر غير موجود، وغير وارد عند حماس).

"أوسلو!!"

كانت رياح الحال الفلسطينية تسير بما تشتهي سفن (حماس) ومقاومتها كحركة تحرر، حتى جاء توقيع اتفاقية أوسلو بين م. ت. ف والكيان الصهيوني منهيا - بشكل عملي- الانتفاضة، ومعلنا (سلاما!) بين المحتل المعتدي المستحوذ على الوطن ومقدراته بقوة السلاح والدعم الأمريكي. وأصحاب الأرض - بل ومن يمثل(!) أصحاب الأرض- الذين هجر أكثر من ثلثيهم من ديارهم وأوطانهم، ليعيش معظمهم في مخيمات الشتات حول فلسطين, أو داخل الضفة والقطاع, ولتعلن " اتفاقية أوسلو " اعتراف ممثل الفلسطينيين بدولة الاحتلال وشرعيتها على أرض فلسطين المحتلة عام1948, مقابل اعتراف الطرف الصهيوني بتمثيل ذلك الممثل!! دون أي إشارة إلى مضمون الدولة أو السيادة أو تقرير المصير....

لقد شكلت اتفاقية أوسلو ثم إقامة سلطة الحكم الذاتي ودخول قيادات فتحاوية وكوادر إلى أراضيها، محطة امتحان ومعاناة لفريق المقاومة وعلى رأسه حماس. غير أن النسبة المؤيدة للاتفاقيات (على اعتبار أنها- أي الاتفاقيات- تمثل الخطوة الأولى نحو الحكم الفلسطيني)، ما لبثت أن بدأت تتقلص، وبدأ الكثيرون يستيقظون على مشروعات صهيونية يستحيل معها بناء الوطن، وعلى فساد من يفترض بهم حماية ورعاية ذلك الحلم لا سرقته وتحويله إلى أرصدة ومحميات, وعلى مقاومة المقاومين وتسليم المجاهدين وخذلان الدم الصادق الممتد نهره على مساحة الوطن وفي جنبات الوجدان والذاكرة. وكان لا بد من الصبر على قهر الإخوة وظلم القادة وعتمة السجون التي يديرها رفاق الخنادق, وهكذا كان, فاعتقل الآلاف من أبناء حماس دون تمييز، ودون اعتبار لمحاكاة المحتل وزنازينه، فامتلأت سجون السلطة بأبناء حماس وقادتها، وعلى رأسهم الدكتور عبد العزيز الرنتيسي، والدكتور محمود الزهار الذي تم حلق لحيته!! بل وصل الأمر إلى تسليم خلايا المجاهدين التي أعيت الاحتلال وأثخنت جراحه، حتى بلغ الحد تصفية هؤلاء الأبطال خدمة للأعداء؛ أعداء الجميع.

الأقصى عنوان وانتفاضة

لكن القضية الفلسطينية المقدسة- شأنها دائما- تأبى استمرار الانتكاسة، وسيطرة ظلال الخديعة. فتفجرت انتفاضة الأقصى من رحم خداع الاتفاقيات، ومن واقع فساد الأجهزة وقادتها وظلمهم، ومن شوق المجاهدين وأبناء الشعب إلى رد الاعتبار لإنسانيتهم المناضلة ولنفوسهم المجاهدة الشريفة.

ومرة أخرى، تعود حماس إلى واجهة الفعل الوطني، لتقود الشعب الفلسطيني الذي أعلن بغير تحفظ وقوفه في صف الجهاد والمقاومة. وبسرعة تحول أداء حماس الاستشهادي والعسكري إلى ثقافة وطنية فلسطينية عامة لا تحتكرها جهة ولا (تؤممها) منظمة.. فخاض الشعب وقواه الفاعلة المجاهدة معارك ومواجهات خلطت أوراق المحتل الصهيوني وسيده الأمريكي, وخلال أكثر من أربع سنوات من الفعل الجهادي الأسطوري الذي أبدعت في قيادته وتطويره حماس وجناحها العسكري " كتائب الشهيد عز الدين القسام " ,

ورغم كل المحاولات المبذولة لإتاحة الفرصة لأصحاب نظرية السلام حتى آخر ذرة تراب ولرافضي العمل المقاوم ولو بالحجر لكي يتولوا القيادة ولو بالغصب ولو بإزالة العقبة من أمامهم بتسميم "أبو عمار" المحاصر في مكتبه في رام الله, سعيا للوصول إلى أفق جديدة عنوانه سلام للصهاينة ولا شيء للفلسطينيين, ومرة أخرى تنهض روح الجهاد والمقاومة لتقلب المعادلة, فقد أراد الأمريكان وأصدقاؤهم ديمقراطية على المقاس لتحقيق الأفق – الحلم واطمأنوا للتقديرات والرصد واستطلاعات الرأي, فلتعقد الانتخابات ولتشارك بها حماس التي لن تحصل على أكثر من 30% من المقاعد في المجلس التشريعي(40-45 مقعدا) وعندها – بالديمقراطية – يجب أن تسكت حماس وتوقف كتائبها وتقبل بحكم الأغلبية التي من المؤكد ستصب في صالح اللاعسكرة واللامقاومة, أو أنها –أي حماس- تقبل السير مع تيار الاعتدال وتتحول ربما إلى قسم تابع للأمن الوقائي!!؟, وذلك هو الأفضل

صاعقة الديمقراطية والعلاج

ولكن أثبت 25/1/2006 ما كانت تتمناه قلوب الشعب الفلسطيني وتخفق به، من اختيار للمقاومة والتمسك بفلسطين، ومن رفض ونكران للمفسدين العابثين المرتبطين بالمحتل والأمريكان أكثر بكثير من ارتباطهم بفلسطين.

وتفوز حماس بغالبية ربما فاجأتها (فقد توقعت دوائر حماس الفوز بنسبة (45-55)% من المقاعد) ولكنها أذهلت خصومها وأعداءها والمراقبين أيضا.

أدركت حركة حماس أنها باتت الآن تحت أقوى أنواع المجاهر، وأنها استفزت الثور الكبير مرة واحدة، وأن عليها أن تواجه أضعاف ما واجهته خلال عشرين عاما، لكنه هذه المرة مكثف ومركز, كيف لا وقد أصبحت شرعيتها ملزمة، بعد أن كانت شرعية الشعب والمقاومة والأمة التي لا تلزم (أحدا) آخر.!!

كيف لا وقد قلبت المعادلة فبعد أن كان الحلم الجميل بتجريد حماس من شرعيتها، فتقبل بكونها أقلية، وتجبر – بالديمقراطية – أن تسير مع التيار أو تسكت, فإذا بها توجه التيار وترفع صوت الثوابت والمقاومة والعودة وكل الحقوق دون تقديم اعتراف للمغتصب بأي حق على أي جزء من فلسطين, فأي كارثة حلت بخطط القوم وترتيباتهم, لكنهم لا ييأسون, فهناك ضغوط دولية وهناك أيضا اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير والمجلس المركزي, فلم لا نستدعي الجميع؟! لكن ضد من؟! ضد من يرفض الخضوع لشروط الرباعية، ولا يقبل بالاعتراف بالاتفاقيات الموقعة مع الاحتلال، لتعطيه كل ما يريد ولا تأخذ منه إلى بحجم ما يريد أيضا.

إذاً، بدأت الحرب بين فريقين , حماس من جهة (معها جماهير كثيرة في الداخل والخارج وبعض رسميين وأغلب الأمة العربية و الإسلامية), ومن جهة أخرى؛ الكيان الصهيوني وأمريكا، ورئاسة السلطة ومنظمة التحرير، وفصائل فيها، وأنظمة إقليمية وعربية، وجمهور القبيلة، وبعض المرتدين من أقصى الشرق إلى قلب الغرب- نسوا تناقضهم مع الاحتلال لصالح تناقضهم مع منافسيهم في حلبة العمل الفلسطيني!!), وفي صفوف المتفرجين وجد بعض الفلسطينيين، سكوته أو كلامه كان يوظف لتشجيع الفريق الأضخم والأكبر عددا وعدة.

نعم لقد تذكر المناضلون الشرفاء أن هناك منظمة تحرير، لها مجلس وطني وتقودها لجنة تنفيذية، (صحيح أن كل محاولات إحيائها واعادة روح الفعل لها، واستعادة دورها الوطني المسلوب لتكون لفلسطين الشعب والقضية؛ كل تلك المحاولات باءت بالفشل الذريع منذ اتفاق القاهرة في آذار 2005)، لقد تذكروا هذا الجسم المنهك المنهار، فأيقظوه وحقنوه بأمصال الاعتدال فإذا به ينهض بعنفوان الثورة ليتصدى ...لكل من يحاول رفض ما تريده أمريكا، و"اسرائيل"!!؟ بقايا اللجنة التنفيذية انتفضت ضد حماس؟! لم تتفوه بكلمة لسنوات، فلما نطقت...قالت....!!

دهاقنة السياسة الدائرون في المدار الأمريكي، ورغم الصاعقة التي ألمت بهم نتيجة للفوز الساحق، الذي مكن حماس من الجلوس على مقاعد الشرعية الى جانبهم، بل وقبلا منهم، بعد ان كانوا قد رتبوا لها مقاعد صغيرة ملقاة على قارعة المسار السلمي للتفرج أو الموت صراخا ومعارضة..هؤلاء الدهاقنة اعتبروا الأمر منتهيا..فأمامكم ثلاثة شهور لننتهي من هذا الكابوس....بل ستة..لربما تسعة..بل لن تسقط الحركة والحكومة العاشرة.. رغم الحصار الخبيث اللئيم الذي شهد -لأول مرة- اصطفاف (العالم!) خلف قيادة فلسطينية امتلأت حقدا- خاصة أمراء الأجهزة- ضد شعبها.! ومع ذلك لم ينجح هذا (الجمع) حتى في منع دخول كل الأموال، فنهض القانون(!) الفلسطيني ليتصدى للتهريب!؟ الذي يجلب المال للشعب ولو بالحقيبة..صاعقة جديدة لا يمكن الإفاقة منها بغير كؤوس الدم..لم تسقط حماس بالترهيب ولا التهديد ولا الوعيد ولا التشديد..فلا بد من استخدام الرصاص المنفلت - الذي لطالما لعلع في أجساد الابرياء- ولو أفلح غيره لما لجأوا له!! ولعله عذرهم...وبدأت الحرب وكلما حاولت حماس الهروب من وجه القتلة الدمويين زاد فيها القتل ونزيف الدم، وعندما نفد الصبر والتفتت لعلاج المهووسين بالقضاء عليها... عند ذلك تهاوت الأجهزة وفرت رؤوس الفتنة، لتبدأ من جديد جولة جديدة من الوسائل (المبررة) أيا كانت في سبيل الوصول الى الهدف الواحد؛ إسقاط حماس وإنهاء دورها على ساحة فلسطين.. فلا مكان لها!!..

والمشروع الوطني

حماس منذ انطلاقتها وخصوصا في العامين الماضيين وبعد فوزها في الانتخابات ثم صمودها العجيب، ألقت حجرا كبيرا في المياه الفلسطينية التي ركدت بفعل انتظار التسوية، والمراهنة عليها دون غيرها وتحت أي ظرف..فماذا حدث في الواقع الفلسطيني بعد عشرين عاما من ظهور حماس على مسرح السياسة الفلسطينية قائدة للعمل المقاوم العسكري (من العمليات الاستشهادية إلى الصواريخ، فالأنفاق، وأخيرا أسر الجندي... والحبل على الجرار..) ورائدة في الأداء السياسي الذي حيّر الأعداء وبهر الأصدقاء..ماذا حدث؟!

لقد منحت حماس للمشروع الوطني الفلسطيني روحا جديدة، ومكنته من نهضة، ملؤها العنفوان، والعودة الى العمق العربي والإسلامي، بعد سنوات عجاف من الاختزال والانكماش.!

أعادت حماس المشروع الفلسطيني الى جوهره الأساس؛ ان من حيث قضية العودة التي لا تمانع أطراف الرسمية الفلسطينية الحالية من تعويمها حد التلاشي، أو من حيث رفض الاعتراف للكيان الصهيوني بأي حق على ارض فلسطين ورفض التلاعب بالتاريخ و الجغرافيا، بعد ان غدا الاعتراف شرطا على حماس من الرسميين الفلسطينيين قبل غيرهم، وأكدت حماس عملاً وقولاً، ان حق المقاومة بكل أشكالها وعلى رأسها المقاومة المسلحة لا يمكن لأية جهة او زعامة ان تفرض على الشعب التخلي عنه ما دامت حقوق الشعب منتهكة او منقوصة، واستطاعت حماس أن توقظ في الشعب الفلسطيني وقواه، حق المطالبة بالمشاركة الكاملة في إدارة المشروع الوطني، وعدم السماح لأي كان بالاستفراد والاستئثار بالقرار الوطني وتحت أية ادعاءات زائفة، وأعادت شيئا من التوازن في إدارة القضية بين الداخل والخارج، بعد أن كان الأمر يتقلب حسب وجود القيادة؛ فالاهتمام حيث تكون القيادة، والتهميش والإهمال للجهة الأخرى، وكأن الوطن تابع للزعيم أو فصيله! وليس العكس!. وحملت على كاهلها طيلة عشرين عاما مسئولية سد احتياجات الشعب- أو بعضا منها- ((في الوقت الذي ما تزال مئات ملايين الدولارات – إن لم نقل آلاف الملايين-(التي اقتطعت من أموال الفلسطينيين والعرب حبا أو كرها) في مجاهيل سراديب المنظمة وفتح، ولم يستفد منها الشعب، إلا بالقدر المذل المهين، بعكس بضع عشرات من الذين اثروا بفحش، وبضع مئات من المنتفعين)). ليس فقط ان حماس ساعدت في كل ما سبق بل وشكلت رأس الحربة والريادة في كل ذلك..

بموضوعية جادة، لقد ساهمت حركة المقاومة الإسلامية "حماس" بشكل كبير وفعال بنقل القضية الفلسطينية من جديد إلى سكة الصراع بعناوينه الحقيقية والحضارية و الإنسانية، من غير فوضى أو اضطراب، بعيدا عن الاستعراض والدعاية، وإذا ما أخذنا بعين الاعتبار حجم المعركة التي تتصدى لها حماس، وخصوصا في ظل وقوف فريق فلسطيني الى جانب العدو جهارا نهارا لا يترك فرصة الا ويستغلها لهدف وحيد ينم عن ثقافة الحقد والانتقام، ناهيك عن الأحادية القطبية التي تتحكم امريكا من خلالها بالقرار الدولي، ندرك الدور الذي اضطلعت به حماس وما تزال في خدمة الشعب والامة، وفي احياء روح المقاومة والثقة بقدرة الشعوب على صناعة مستقبلها ولو اختلت الموازين وانعكست المفاهيم. 

* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع
جميع الحقوق محفوظة لدى دائرة الإعلام العسكري لكتائب الشهيد عز الدين القسام ©2026