عباس يتسول في أنابوليس

عباس يتسول في أنابوليس

محمد شُراب
2007-12-01

أحيانا تعنيني تفاصيل غاية في الصغر لا أظن أن أحدا يهتم بها أو يلقي لها بالا فكل ما حدث وسيحدث في المؤتمر وما سيعقبه أيضا أستطيع تخمينه بسهولة لأنني كما كل فلسطيني عاصرت تجربة التفاوض…

أحياناً تعنيني تفاصيل غاية في الصغر لا أظن أن أحدا يهتم بها أو يلقي لها بالا .. فكل ما حدث وسيحدث في المؤتمر وما سيعقبه أيضاً أستطيع تخمينه بسهولة لأنني كما كل فلسطيني عاصرت تجربة التفاوض والمفاوضات وأفهم جيداً كيف يفكر اليهود ومتى يتوقف تفكيرهم وكيف يجدون الوسيلة لإنعاشه مجددا .. لذا وأثناء خطاب بوش ثم عباس ثم أولمرت تخيلت نفسي لو أنني كنت أحد المدعوين للمؤتمر، ليس لشيء سوى محاولة الإمساك بمشاعر الحضور لأعرف واقع ما يحدث في نفوسهم أثناء مشاهدتهم واستماعهم لأهم فعاليات المؤتمر

وقف بوش وتلا خطابه الذي ركز أغلبه على مسارعة العرب في التطبيع مع الكيان الصهيوني وهذا طبعاً لإنجاز مشروعه التوسعي الذي لا يعلم عنه غالبية الحضور شيئاً .. ثم ختم بوش كلامه بجوهرة خطابه الذي من أجله عقد المؤتمر بعبارة ( إن أميركا ستدعم إسرائيل كوطن قومي لليهود وتتعهد بالحفاظ على أمنها ) .. كل هذا عادي ومن خلال التصفيق الذي ناله بوش بعد كلمته نستطيع القول أنه حصل على موافقة وتأييد لكل كلمة وردت في خطابه وهو ما يعني أيضاً أن الجميع بصم بالعشرة وليس بالإبهام وحسب ..!

بما أنني تخيلت نفسي أحد الحضور وشاركت في عاصفة التصفيق فهذا يعني أنه من الآن وصاعداً عليّ أن أبرمج تفكيري بأن إسرائيل التي كانت بالأمس مجرد دولة ، أصبحت اليوم وبقرار دولي وطناً قومياً لليهود .. لكن بقيت عندي مشكلة الدولة الفلسطينية التي لم تولد بعد ! .. هل ستكون وطناً قومياً للمسلمين فقط ؟ أم لكل الديانات بما فيها اليهود ؟ .. يبدو أنها ستكون كذلك فعلا طالما لم تُحدد ديانة الدولة الفلسطينية .. لكن ثمة مشكلة أخرى لا أعرف لها حلاً .. ما هي حدود الدولة اليهودية التي اعترفت بها قبل قليل ؟ .. هي لم ترسم حدودها حتى الآن ، وما تُشير إليه خرائطها هو فلسطين التاريخية كاملة بما فيها الضفة والقطاع وهضبة الجولان .. هذا يعيدني للدولة الفلسطينية .. فهي ستكون جزءاً موهوباً من الدولة اليهودية بما إنها لم تولد بعد .. إن كان هذا هو المقصود فاليهود سيكونون كرماء للغاية إن أعطوا من أرضهم دولة للفلسطينيين الذين اعترفوا بدولة اليهود قبل رسم حدودها .. أعرف أن الكثيرين سيأخذون هذا الكلام على محمل السخرية .. لكن ما أدراكم بالذي يفكر فيه رئيس سيراليون أو البرتغال مثلاً وهو يشاهد أمامه ما يحدث ؟! ..

جاء دور أبو مازن الذي تحدث عن الإجماع الفلسطيني وتأييده لمؤتمر أنابولس وضرورة السلام وأهميته للشعوب ودوره في إنهاء حالة الصراع وما سيترتب عليه من تغيير في المنطقة يعود بالفائدة على الجميع ثم عرج قليلاً على معاناة سكان غزة الذين يعيشون عصراً ظلامياً وطمأنهم أنه سيزول قريبا ثم أنهى خطابه بحديثه عن السلام في محاضرة مكررة تُشعرك أنه سئم من العداوة التي بينه وبين من يحثهم على السلام .. كل هذا مفهوم وبإمكاننا أن نضع له ألف تفسير .. غير المفهوم أن أبا مازن صافح مطولا بحرارة وحميمية زائدة من ينوي مفاوضتهم على السلام .. لا أحد يتصور أبداً أن من بينهم كل هذا الود بحاجة للتفاوض على السلام ! .. وصدقاً أقول أنني لو كنت أكثر الحضور دراية بتفاصيل القضية الفلسطينية لتصورت أن في الأمر خدعة أو مقلباً سخيفاً من مقالب برامج الكاميرا الخفية .. فلا أظن أبدا أن أي طرفين من كل الحاضرين للمؤتمر بينهم كل هذا التفاهم حتى بين بوش وتوأم روحه بلير .. لا أعرف لماذا انعقد المؤتمر طالما أن السلام بين الخصمين موجود بالفعل بدليل ما نراه .. ربما لإلهاب مشاعر الحضور بالتصفيق أثناء التقاط الصور التذكارية لهم ؟ .. لكن كل هذه الأسئلة تبددت عندما وقف أولمرت خلف المنصة وتلا خطابه !

وقف الرجل كأنه يعيش معاناة حقيقة وتحدث أن لديه ألف سبب مقنع يجعله يمتنع عن الحضور ذكر منها عدم موافقة قطاع عريض في شعبه لحضور المؤتمر مع أن الأخبار ذكرت أن مظاهرة المعارضين اليهود كانت عشرة آلاف فقط بينما هي بمئات الآلاف في غزة والضفة التي قُمعت بشرطة عباس أكثر الحاضرين تحمساً للمؤتمر .. تحدث أيضاً عن صواريخ المقاومة التي تسقط على اسديروت ولم يفته الحديث عن الأسرى اليهود الذين ذكر أسماءهم وتعهد بعمل المستحيل من أجل إطلاق سراحهم .. في المقابل لم يكن لدى عباس حديثاً عن أسرى سواء بالأسماء أو الأرقام .. هذا يعني أنه تم الإفراج عن كافة الأسرى الفلسطينيين ولكن بعيدا عن الإعلام ولم يبق إلا أسرى اليهود .. كان أغلب خطاب أولمرت عن معاناة اليهود بسبب الإرهاب الفلسطيني ولكنه عاد وطمأن الجميع أنه ورغم ذلك كله سيمضي مع بداية العام 2008 في مفاوضات مباشرة ثنائية بلا توقف .. ربما تفسر لنا الأيام أو السنوات القادمة معنى بلا توقف لأنه لم يمنحنا توضيحاً لذلك ..

المؤتمر كله اكتنفه الغموض قبل انعقاده وحتى وبعد انعقاده .. لكن بعد خطابي عباس وأولمرت وإجراء مقارنة بسيطة بينهما ، تبين لنا أن الجانب الفلسطيني ورغم اعترافه بالدولة اليهودية يريد قطعة من أرض اليهود ليقيم عليها دولته ، وحقيقة الأمر أن هذا المطلب بدا سخيفاً وفي حكم المستحيل خاصة بعد حديث أولمرت عن معاناة شعبه من الفلسطينيين .. لكن رغم هذا كله وافق أولمرت على التباحث في هذا الأمر وهذا كرم منه لأنه صاحب الأرض كلها باعتراف من مثل الفلسطينيين في المؤتمر، وهو ما يعني أن على الفلسطينيين القبول بالهبة التي ستمنحهم إياها الدولة اليهودية مهما كان حجمها وشكلها وأن أي اعتراض منهم سيجعلهم كالمتسول الطماع الذي يشترط على من يساعده قيمة وشكل المساعدة !

هذا هو الانطباع الذي سيخرج به غالبية من حضر المؤتمر من زعماء ورؤساء دول المفروض أنها الحكم والشاهد على ما سيحدث بشأن القضية الفلسطينية في المرحلة القادمة ، واحياناً سيكون بعضها القاضي الذي سيتطلب منه إصدار حكم في بعض القضايا المتعلقة بالفلسطينيين وهو الأمر الذي سيترتب عليه تغييرات كثيرة بشأن موقف هذه الدول من الجاليات الفلسطينية المقيمة فيها وكل هذا بسبب أداء عباس في المؤتمر !

* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع
جميع الحقوق محفوظة لدى دائرة الإعلام العسكري لكتائب الشهيد عز الدين القسام ©2026