السلام عليكم ورحمة الله وبركاته تمر صورك أمام ناظري عبر الفضائيات تستعرض حياتك والأحداث التي وقعت لك شاركت فيها أو كنت فيها مراقبا مررت يا أبا عمار كما يمر الإنسان بمراحل مختلفة…
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
تمر صورك أمام ناظري عبر الفضائيات تستعرض حياتك، والأحداث التي وقعت لك، شاركت فيها، أو كنت فيها مراقباً، مررت يا أبا عمار كما يمر الإنسان بمراحل مختلفة، متدرجة ، ولكل مرحلة سماتها، وانفعالاتها وأشواقها، وإشراقاتها، آمالها، آلامها، اندفاعاتها ونكوصها، فيها الحب والبغض، وفيها الرجاء، وفيها الخوف، فيها اليقين، وفيها الشك، فيها الصحبة، وفيها الخصام... هي الدنيا يا أبا عمار، بكل ابتسامها وعبوسها، بكل زينتها ودمامتها، هي الدنيا يا أبا عمار... اختبار متواصل، امتحانات تتراوح بين الصعوبة والأشد، تتراوح بين النجاح والفشل نتائجها، دقيقة، حساسة، لا تغادر صغيرة ولا كبيرة إلا ويسأل فيها الإنسان وعنها، ماذا فعلت؟ وما قصدت ونويت؟ والنتائج تترى، مثقال الذّرة، الهمسة، اللمزة، الخلجات، المشاعر، وتناغم كل ذلك مع الجوارح... هي الدنيا يا أبا عمار، تعطي بسخاء، وتأخذ بسخاء، رأيتك في شبابك، لاجئاً واللجوء قهر، وإصرار، وإحساس بالعدم، ودافع إلى الحياة، رأيتك طالباً، تحمل مساطرك في مرسمك، تتفاعل مع من حولك، كأي طالب وافد إلى قاهرة المعز، من البلد الذي يوشك أن يقع بين أنياب الصهاينة بعد أن أسلمه بلفور لكبيرهم حاييم وايزمن، بوعد هو الأظلم والأجرم والأقبح في التاريخ، إذ أُعطي فيه من لا يملك وطناً لمن لا يستحق على حد قول عبد الناصر، وتظل كذلك حتى يقع وطنك بين تلك الأنياب الوحشية، السامة، وأُخرجنا يا أبا عمار من ذلك الوطن الحبيب... الذي اعتقدت ، كما نعتقد أنه وطننا، حتى وإن سلبه منا الغزاة ، وهنا يا أبا عمار تقدمت، تحمل الأمل، وتستشعر الواجب الذي أملاه علينا أسر الوطن، تقدمت للانتظام في سلك العسكرية المصرية، لتتخرج في كليتها ضباطاً شاباً، لتطبق ما تعلمته من فنونها في مقارعة الاحتلال البريطاني البغيض لأرض مصر، تشارك فدائيي (الإخوان المسلمون) معسكراتهم، وتدريباتهم، وحلقات الدرس والقرآن التي طالما ألهبت قلوب هذا الشباب الطاهر (الإخوان) يحدوهم حسن البنا ذلك العظيم، الذي عرف الدنيا، وجوها، ووجودها ، رغباتها، وخداعها ، عرف غاياتها، والغاية منها، عرف أن فلسطين وطن الإسراء، ووطن المعراج، وطن الرسالات، وطن لا ينبغي إلا أن يكون مسلماً فالتزم، وألزم، جمع وأعد ومضى، لا يلوي على زخرف ولا ينجذب لغير الغاية الأسمى، في هذه المدرسة عشت يا أبا عمار زمناً، حتى انكشفت الساحة على ضياع الوطن، بعد أن شهدت الفرقاء المتنازعين وقد تمايزوا ما بين التفريط من جانب قادة العرب، والإفراط في الظلم والاغتصاب من جانب يهود... وهكذا يا أبا عمار مضت بك الدنيا... تحمل هويتك (لاجىء) وقد أمسيت مهندساً... تبني ولكن في غير فلسطين بل في بلاد العرب، وفي الكويت على وجه الخصوص، وهناك كان اللقاء... شباب يحملون الهمّ والهوية (لاجىء) ... ووطنكم هناك مغتصب، تمزقه أنياب اليهود، وتخلع عليه اسماً غير اسمه، فلقد أصبحت فلسطين تحمل اسم (إسرائيل) .. وصاحب الدار طريداً، والطريد صاحب دار!! وله عين يمدها إلى ما وراء الحدود، وأنياب تمتد وتمتد حتى تصل أحشاء العواصم، وكان لابد من عمل فكان ... كان من المخلصين... شباب.. شيوخ.. نساء... وطن، وكنت وصحبك منهم... وكانت فتح... التي دخلت المعترك وهي تقلم حدة الحراب، والتهاب الساحة بالجمر ، دخلت فتح المعترك وقد رأت ما حولها ومن حولها، دخلت الساحة وهي تدرك أن النهايات محفوفة بالضواري والأفاعي، وأن الوصول إلى الغاية دونه الموت الزؤام... فتقدمت وقدمتم من الرجال على مذبح الحرية الطوابير، تقدمت فتح وتأخر العرب الذين أصروا على أن ينهزموا ، وضاعت -يا للحسرة- فلسطين، وكل فلسطين، وضاعت كرامة العواصم، وأصر الزعماء على التنافخ وأصر الشباب الفلسطيني على الثبات، وفيهم شباب فتح... الأمر الذي قفز باسمك إلى (مانشيتات) الصحف، وإلى أول خبر، وإلى الجلوس بين كبار القادة، والزعماء، وتعلو القفزة حتى تدفع بك إلى قيادة الشعب الفلسطيني، ويحاول مفرطو الأمس أن يلفوا على عنق الشعب الفلسطيني الحبل، عمان ، بيروت، تونس... وكان الحبل الأشد خشونة وسخونة حبل الكامب الذي لفّه (السادات - بيجن - كارتر) على عنق القضية... وكان قدرك أن تشهد مصارع الكثير من صحبك، وأبناء شعبك، يثور الجدل من حولك، ودائماً تمثل فلسطين في حضورها المؤكد في كل معادلات الصراع وتوازناته ، دائماً محاط بالجند، ودائماً لا يستقر لك جنب، ودائماً -كشعبك- في مرمى النار، ولكن الله كان يؤخرك لأجل هو معلوم عند الله، لتدخل المزيد من الاختبارات، والابتلاءات، حتى تحملك الدنيا إلى أوسلو وقد تفرق جندك بين غرب الخريطة العربية وجنوبها، وقد ضاق بهم شرقها (عمان - بيروت) وكانت الرحال قد حطت بك إلى القاهرة ، حيث اتفاقية كامب ديفيد (المشنقة) حملتك الدنيا إلى اوسلو (المشنقة) الأخرى والأشد من سابقتها خشونة وسخونة، وساخت -فيما اعتقد- أقدام القضية في أوحال المكائد الصهيونية، وهنا، وإلى هنا جئت يا أبا عمار إلى أرض الوطن وقد عشت لعشرات السنين في الشتات وأقبلت عليك الدنيا، بعد أن أخذت منك الكثير، أخذت منك الكثير من الأمن، والكثير من الصحة والكثير من الأصحاب، أخذت منك الكثير من آمالك وطموحاتك، وأخذت منك الكثير من الثوابت، جئت يا أبا عمار لينتخبك هذا الشعب، وتصبح له رئيساً، وكما ينتخب مجلساً تشريعياً، ولكن على شعب مازال يرسف في قيد الاحتلال، وعلى أرض تمزقها أنياب الصهاينة، وعلى كيان ليس له في القانون الدولي مثيل، وعلى مجلس وطني مشطور إلى نصفين، وعلى جيش تُحصى عليه أنفاسه، وعلى أجهزة عددها يفوق ما لدى دول عظمى عدداً وعلى جهاز (بيروقراطي) استشرى الفساد في أوصاله وجسده، وعلى رجال استبد الجشع في قلوب بعضهم، فعمدوا إلى المال الحرام ، وإلى الاستبداد، ليزداد الإحساس بالظلم ظلماً، جئت إلى هنا عبر اوسلو يا أبا عمار فلم يمهلك شريكك كي تبني دولة المؤسسات، وحال دون القانون أن يسوء، ودخل الكثير الكثير من الأبواب الخلفية إلى مواقع صناعة القرار، وفغرت السجون أفواهها، لتبلع خيرة شباب هذا الوطن، أمثال الذين رافقوك ورافقتهم زمن مقاومة الاحتلال البريطاني البغيض على أرض مصر من فدائيي (الإخوان المسلمون) ، أولئك الشباب الأطهار ، الذين قُدّر لهم أن يتركوا هذه الدنيا شهداء، إبراهيم المقادمة، صلاح شحادة (!) عبد العزيز الرنتيسي، طارق أبو الحصين، عوض سلمي... وغيرهم، وغيرهم، عشرات مئات... ثم شيخهم العظيم أحمد ياسين، الذي ضربت عليه (السلطة) الإقامة الجبرية، مضى هؤلاء الأطهار إلى الباري... وتزداد القضية تعقيداً والصهاينة وحشية، وشعبنا إصرارا على كرامته... والدنيا سرعة معك وبك حتى افتقدك الله بالمرض الذي حملك إلى باريس، التي اسمع من خلالها صوت ليلى شهيد تعلن عن تحسن صحتك، كما أسمع همساً يتحدث عن مؤامرة).... وأنك قد سلخت من عمرك خمساً وسبعين سنة... ورأيتك قبل سفرك في المصلى!! شيء رائع.. أبا عمار هل لك أن تراجع كل فصل ورد فيه أو عليه خطأ أو فساد، غير ناسٍ أنك ستلقى رباً يعلم السر وأخفى وكفى به حاسباً وحسيباً أرجو، أرجو،
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع