منذ عملية تطهير غزة وقيادة حماس والحكومة فيها لا تفتأ تقدم رسائل حسن نية عديدة تم ترجمتها على الأرض عبر الحرية السياسية والإعلامية التي وفرتها لمختلف الفصائل والتيارات على الساحة…
منذ عملية تطهير غزة وقيادة حماس والحكومة فيها لا تفتأ تقدم رسائل حسن نية عديدة تم ترجمتها على الأرض عبر الحرية السياسية والإعلامية التي وفرتها لمختلف الفصائل والتيارات على الساحة الغزية.
ما يستحق الوقوف عنده هنا هو تلك المفارقة الكامنة في عدم إقرار بعض الأطراف (فتحاوية وغيرها) بهذه الحرية رغم أنها تعيشها واقعاً ويسمح لها بتنظيم نشاطاتها الميدانية المختلفة بل والخروج بتصريحات إعلامية تحريضية تهاجم حماس، في الوقت الذي يقابل فيه قمع حماس في الضفة وحظرها بصمت مطبق من كثير من الفصائل والتيارات.
وحسن النية الحمساوي وصل حد السماح لفتح بتنظيم مهرجان كبير لها في غزة رغم وجود معلومات مسبقة لدى الشرطة الفلسطينية بأن هذا المهرجان سيستخدم لإثارة أعمال الفوضى والشغب والإخلال بالنظام ومهاجمة المؤسسات (كما صرح الأخ إسلام شهوان الناطق باسم الشرطة).
والحقيقة إن تجربة الحكومة في غزة مع الصلوات المسيسة في العراء كان ينبغي أن تجعلها مدركة لأبعاد أي نشاط فتحاوي قادم وكيف أنه سيستغل فقط لتأليب المشاعر ضد حماس وحقنها بالحقد وتحريضها على ممارسة التخريب، إضافة إلى استدراج قوات الشرطة لمواجهة العناصر المنفلتة والمخربة.
بل كان ينبغي أن يذهب توقع الحكومة إلى أبعد من ذلك ويتوقع لجوء بعض العناصر المأجورة لإطلاق النار على الناس واستغلال الأمر لاتهام الشرطة وحرقها إعلامياً.
وما حدث عقب مهرجان فتح في ساحة الكتيبة وبشهادة عدد من الإعلاميين المحايدين أن إطلاق النار بدأ بصورة مفاجئة وبشكل كثيف ومن مصدر مجهول، الأمر الذي يعزز رواية الشرطة حول قيام عناصر فتحاوية مندسة بإطلاق النار عن بعض المباني المجاورة، ولا شك هنا بأن فتح مستعدة للتضيحة بعشرات عناصرها ثم تحميل وزر دمهم لحماس وإطلاق حملة تشويه إعلامية شعواء ورخيصة تقودها أبواق الفتنة القذرة.
فالشرطة لا مصلحة لها بأن تسيء إلى نفسها عبر إطلاق النار مباشرة على المشاركين في المهرجان خاصة وأنها هي من نظمت عملية الوصول للمهرجان، وحماس منذ أحداث منتصف حزيران تجتهد في ضبط الأمن إلى أقصى حد وفي الحفاظ على الحريات العامة من جهة أخرى.
ولكن هل تم تقدير خطوات حماس المختلفة ابتداءً من العفو العام ومروراً بإطلاق حرية الصحافة وانتهاءً بالسماح بالنشاطات التنظيمية والميدانية لفتح بشكل مطلق ودون حساب؟!
إن كانت فضائية فتح منذ صباح المهرجان قد بدأت ببث الأكاذيب الرخيصة بحق حماس والشرطة في غزة وفتحت موجة قذرة للتحريض وشحن النفوس بالحقد وفتحت الباب واسعاً أمام شتم قيادات حماس بكل بذاءة ووقاحة، وإن كان كل الإعلام الفتحاوي تعامى عن حقيقة أن حماس لو أرادت منع المهرجان لما عجزت عن ذلك ولما أعطته التصريح ثم وفرت له التسهيلات أصلاً، وإن كان الحال قد وصل بأحد ممثلي إحدى الفصائل المجهرية الذي تكلم في المهرجان لأن يهاجم ما أسماه قمع حماس للحرية والصحافة والديمقراطية متناسياً أن مثله ما كان ليجرؤ على تلك الجعجعة لو كانت حماس تقمع حرية الرأي، إن كان كل هذا يحدث رغم كل ما قدمته وتقدمه حماس من رسائل حسن نية، فما جدوى استمرار حماس في إكرام اللئام والحاقدين وعاشقي الفوضى؟!
وكم مرة ستسمح حماس بجرها إلى مواجهات مبيتة ومفتعلة بغرض تشويه صورتها الإعلامية فقط؟ فما تحيا عليه فتح فقط هذه الأيام هو مقدار نجاحها في الإساءة لحماس ونهش لحمها وتشويه صورتها، وفي ظل سيطرة فتح على معظم وسائل الإعلام المحلية وسطوتها عليها فإنها لا تجد عناءً كبيراً في تجيير كل حدث لصالحها حتى لو كانت هي المتسببة فيه كما حدث في المهرجان الأخير، وفي تغييب وتهميش الكثير من الحقائق مهما كانت واضحة ومباشرة وخطيرة كما حدث عند اغتيال الطالب محمد رداد في حرم النجاح وقبله أنيس السلعوس وكما يتم منذ حوالي عام منع كل تحرك ميداني لحماس حتى لو وصل الأمر إلى قمعه بالرصاص الحي كما حدث في مسيرة الانطلاقة العام الماضي التي خرجت من مسجد البيرة وتم إطلاق النار مباشرة عليها من قبل عصابات عباس مما أدى إلى استشهاد مواطن وإصابة العشرات، ولو أردنا تعداد كل التجاوزات الفتحاوية بحق حماس خلال الأشهر الأخيرة فقط لاحتجنا مجلدات كثيرة!
لسنا نطالب حماس بتضييق الخناق على الحريات ومنع كل أشكال النشاط الإعلامي والسياسي، لكن الوضع في غزة في ظل الحصار الخانق والتهديد الصهيوني بالاجتياح لا يحتمل السماح بأحداث فوضى داخلية من هذا الطراز تستنزف طاقات الحكومة والشرطة، ويجب ألا يغيب عن حماس أن فضائية الفتنة لا تنفك تدعو جماهيرها في غزة للتمرد على حماس والخلاص من حكمها، وبالتالي فيجب أن يكون متوقعاً أن كل تجمع من هذا النوع سيستخدم للتخريب والانفلات ما استطاع المشاركون إلى ذلك سبيلا.
وبحسبة بسيطة فإن الخسائر المتأتية من منع حدوث مثل هذه المهرجانات والتجمعات من الأساس أهون بمليون مرة من السماح لها ثم تحمل تبعات نتائجها، والدخول في دوامة إعلامية وأمنية مرهقة!
السلطة في الضفة تقدم تبريرات في غاية السخف عند مواجهة أي نشاط حمساوي وتضرب عرض الحائط بكل ما يمكن أن يثار حولها من استنكارات، هذا مع العلم أنه لم تسجل أي حادثة فوضى أو انفلات على جماهير حماس في الضفة، ومع العلم أن الحركة فيها لا تملك السلاح ولا المقرات ولا أي منشأة إعلامية.
فهل ستجد حماس في غزة ضيراً لو منعت تنظيم مثل هذه النشاطات التخريبية؟ مع أن معها من المسوغات القوية ما يجعل حجتها قادرة على إلجام كل أصوات النفاق والمزاودة التي لا تتقن إلا الجعجعة على (الفاضي والمليان) ولا تنفك تهاجم حماس حتى لو أوقدت الأخيرة كل أصابعها شموعاً لخصومها وحاسديها ومبغضيها!
فلتحتفظ حماس بكرمها للكرام ولمن يصونون المعروف ويحفظون الود، أما اللئام والمرتزقة والأوغاد فلا يستحقون إلا التعامل الذي يناسبهم ويكسر أنف تمردهم وعربدتهم .
* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع