حماس واحدة... وخطاب وحدوي

حماس واحدة... وخطاب وحدوي

عدنان سليم أبو هليل
2007-11-08

لقد كان خطاب السيد هنية يوم الأحد الماضي خطابا وحدويا وموضوعيا بامتياز ولحقه في اليوم التالي خطاب السيد مشعل في دمشق أمام الكتاب والمثقفين وعلى نفس الشاكلة فقد جاء الخطابان متوافقين…

لقد كان خطاب السيد هنية يوم الأحد الماضي خطابا وحدوياً وموضوعياً بامتياز ولحقه في اليوم التالي خطاب السيد مشعل في دمشق أمام الكتاب والمثقفين وعلى نفس الشاكلة فقد جاء الخطابان متوافقين في المضمون والدلالات وحتى في القوالب والصيغ اللغوية بما يؤكد على حقيقة عدم وجود حماس داخل وحماس خارج وعدم وجود اختلافات بين حمائم وصقور في قيادتها وبما يؤكد بأنها حركة مقاومة وأن خصامها مع فتح لم يصرفها عن التناقض الرئيس مع الاحتلال وسياساته ولم يغير سلم أولوياتها وبما يؤكد أنها حركة راشدة لا تستهويها المراهقات السياسية والتجريب وحب الاستطلاع للغرق في مغامرات خطيرة وتجارب تستنفد رصيدها الثوري وتستنزف وجاهتها الوطنية كما حدث ولا يزال يحدث مع غيرها في الساحة الفلسطينية وبما يؤكد على واقعيتها وفهمها لما يجري حولها.. وأنها في سبيل ذلك ولأجل مصالح الشعب الفلسطيني العليا على استعداد للتلاقي مع فتح على أية أرض وفي أي زمان وأنها مستعدة لدفع ثمن خطئها - إذا حكمت لجنة محايدة ومختصة - بإدانتها سواء في أحداث غزة أو غيرها..

وأكد الرجلان على أن ما حدث في غزة لم يكن عن قرار مسبق ولا هو جزء من خطة لديها وأنها لا تهدف لإقامة دولة أو دويلة في غزة.. وإنما هو حدث محدود زماناً ومكاناً ومدىً وأنه لم يأت إلا تطوراً ميدانياً وتفاقماً اضطرارياً لأحداث بدأتها فتح وتعلم الكافة في أي سياق جاءت! وعليه فلا رغبة لدى حماس أن تنقل الصراع للضفة ولا للاستمرار في عقابيله وجرائره إلى ما لا نهاية.. وبالتالي فلا حاجة ولا مبرر لما تقوم به فتح في الضفة الغربية ولبنان!!

أما ما طرحه الرجلان لحل الأزمة الحالية مع فتح فهو بالفعل غاية في الوطنية الصادقة والمنهجية الموضوعية وقد دلت كلمات الرجلين على أن الشعب الفلسطيني وقضيته أكبر وأهم لدى قادة حماس من كل الفصائليات وأنه بحاجة - وخصوصاً بعد الذي حدث بين الحركتين - لحل جذري وتجاه كل العوالق وأنه لا بد من تفعيل وإصلاح كل مؤسسات الشرعية الفلسطينية من المنظمة إلى الرئاسة إلى التشريعي إلى الحكومة.. فهل بعد هذا البيان بيان وهل بعد هذه الرؤية رؤية وهل بعد هذه الروح التصالحية روح تصالحية ومن يرفض كل ذلك فماذا يقبل إذن؟

لكن وللأسف فإن مثل هذا الإصرار وبقوة مثله أو أزيد منه تفعل فتح أو لنقل (القيادة المتنفذة فيها) ولكن في الاتجاه المعاكس حيث تصر على الخصومة وترفض المصالحة وتتعنت في تمحل الاشتراطات القبلية والبعدية لأي حوار وهي لا تزال تصم أذنيها وتغلق عينيها وتستغشي ثيابها فوق رأسها حتى لا تسمع هذا الطرح.. فبادروا برفض كل العروض واتهام النيات وتحريف الكلمات مسابقة وبداراً أن تصل إلى وجدان الفتحاويين الخلص وتلقى في نفوسهم قبولاً يحرج دعاة الفتنة والمستثمرين في إشعال أوارها.. قد يقال إن فتح لا تملك في ظل الضغوط الصهيونية أن تتجاوب مع هذه التصالحية.. وأقول فماذا يكون قد بقي من فتح أبو عمار - رحمه الله - إذن ؟ وأين شعار يا جبل ما يهزك ريح؟ والأهم من كل ذلك ماذا يكون بقي من مشروعها الوطني؟

والصحيح أن هذا التناقض - المطلق - بين الحركتين من قبل أحداث غزة وبالتأكيد بعدها لم يكن مجرد إملاءات خارجية كما لا يصح التهوين منه ولا اعتقاد أن النيات الصالحة يمكن أن تسيطر عليه لمجرد أنها صالحة.. إنها في الواقع أيديولوجية حب التسلط والهيمنة والإحساس بوحدة الوجود بين الذات الفردية والحزبية وبين الوطن والحق المطلق.. وهو مرض نفسي شخصي وفردي إلا أنه في الحالة الفلسطينية والفتحاوية بالذات أصبح حالة جماعية بسبب طول التفرد بالقيادة وامتلاك مقدرات الشعب ونوعية التربية والتوجيه المعنوي الذي تتلقاه عناصرها في فترة البدايات التنظيمية وهي فترة اكتساب التوجهات.. ولربما لأسباب أخرى ليس الموضع لتوسيع الحديث فيها.

فإذا كان الشعب الفلسطيني يلاحظ كل ذلك ويرى فروق الموقفين تجاه السلم والتصالح والحرص على حقن الدماء وتحصين الوطن وتجنب التصعيد.. أليس الأفضل والأكرم والأستر لفتح أن تأتي للحوار وللشعب الفلسطيني الآن قبل أن ينتهي مؤتمر خريف أمريكا الذي لن يكون إلا خسرانا مبيناً.. أم تظن فتح أن ما بعد المؤتمر سيكون كما قبله ؟ اللهم إلا إذا كانت ستعلق الشعب مرة أخرى بمؤتمر آخر وهنا يتساءل المرء كم مرة سوف تستطيع تكرار هذه الخدعة.

يتساءل المرء - وقد يبدو تساؤلاً ساذجاً أو بسيطاً - لماذا تفعل فتح بنفسها وبشعبها كل هذا؟ ولماذا لا تضع الأمور في نصابها؟ ولماذا لا تستثمر توجهات حماس للتصالح والوحدة (يا سيدي) حتى لو كانت حماس - في نظر فتح - غير صادقة أو غير جادة أو تتحرك من وحي الضرورات لا الخيارات!

ويتساءل المرء وقد بلغ معظم قادة فتح سن الشيخوخة المتأخرة وأصبحوا (رجل في القبر ورجل برة) لماذا لا تتصالح مع نفسها؟ ولماذا لا توجه أجيالها الجديدة للسلام مع الذات قبل السلام مع العدو؟ وإلى متى ستبقى كلمات قادتها ناراً على نار وظلمات بعضها فوق بعض؟ وإذا لم يتوبوا الآن عن جرجرة شعبهم إلى الدماء والفتن فمتى يتوبون؟

ويتساءل المرء هل هؤلاء بالفعل يفكرون في الآخرة وفي يوم تتقلب فيه القلوب والأبصار.. يوم لا أمريكا فيه ولا كوندوليزا رايس ولا دولار ولا شيكل.. يوم يكون فيه خصمهم الوطن نفسه والقدس الشريف والأقصى المبارك وبنادق المجاهدين والثائرين على الظلم وصالحي بلادهم.

آخر القول إن على حماس أن تستمر في نزوعها للسلام الداخلي وأن تواصل دعوتها للحوار مع فتح ومع كل شرائح ومكونات شعبها الطيب الذي يستحق البذل والسلام وأن توطد أكثر فأكثر وجاهتها الوطنية ولكن دون أن تستجدي رضا أحد أو حواره ودون أن تتوقف عند ذلك و(من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها ولا تزر وازرة وزر أخرى..).

* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع
جميع الحقوق محفوظة لدى دائرة الإعلام العسكري لكتائب الشهيد عز الدين القسام ©2026