موسى أبو مرزوق نائب رئيس المكتب السياسي لحركة حماس الصورة العامة الموجودة اليوم على الساحة الفلسطينية هي الصورة التي كانت وما زالت في الصراع بين مشروعين ومقتضيات كل من هذين المشروعين…
موسى أبو مرزوق
نائب رئيس المكتب السياسي لحركة حماس
الصورة العامة الموجودة اليوم على الساحة الفلسطينية هي الصورة التي كانت وما زالت في الصراع بين مشروعين ومقتضيات كل من هذين المشروعين، وسواء كان ذلك منذ خمس سنوات أو أكثر، فالمواجهة بين هذين المشروعين هي نفسها هناك مشروع تبلور باتجاه التسوية مع الكيان الصهيوني، وهذا المشروع لديه جذوره الممتدة، وهناك مشروع مقاوم لديه هو الآخر جذور مقاومة، هذا المشروع لم تحتكره «حماس»، ولم تبدأ به «فتح»، فهو موجود منذ أن وجد المشروع الصهيوني. كما أن مشروع التسوية يبرز دائماً بين الحين والآخر وإن لم يكن جمهوره في الساحة لسنين طويلة، وبلا شك فإن أوسلو فتح الباب واسعاً لأصحاب مشروع التسوية ليتبلور هذا المشروع بعد ذلك بسلطة فلسطينية، حيث ينفي هذا المشروع وفق ما ورد في اتفاقيات أوسلو مشروع المقاومة، بعد ذلك أخذ مشروع المقاومة يخط خطابه رغم الصعوبات حيث تضاعفت المهام، وكان على المقاومة أن تستمر في مواجهة المشروع الصهيوني بالإضافة إلى الاستحقاقات المطلوبة من أوسلو. هنا يمكن القول إن اتفاقيات أوسلو لم تكن محل إجماع في الساحة السياسية الإسرائيلية، وبقيت محل تجاذبات، فبينما اعتبرها نفر منهم محاولة لامتصاص قوة الدفع الفلسطينية، التي كانت تمثلها في ذلك الحين الانتفاضة الفلسطينية الأولى، وكانت هناك مشروعات الاستيطان على الرغم من كل ما نصت عليه أوسلو. في الوقت نفسه كان هناك نفر من الإسرائيليين يعتبر أن هذه الاتفاقيات سابقة تهدد إسرائيل يجب محاربتها.
مشروع المقاومة يدافع عن ثوابت الشعب الفلسطيني
وبقي مشروع المقاومة يدافع عن ثوابت الشعب الفلسطيني رافضاً مشروع التسوية ومقاوماً لكل عناوينها، حتى مُني مشروع أوسلو بالفشل، فكما هو معروف فإن أوسلو أخفق من الناحية الزمنية لأن الإسرائيليين لم يتقيدوا بتنفيذ بنوده، وفشل هذا البرنامج بالأهداف التي لم يحققها، وخاصة فيما يتعلق بإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة.عندما وصل هذا المشروع إلى ذلك أدرك الكثيرون من دعاة التسوية على الساحة الفلسطينية بأنهم أخطؤوا بأن وضعوا كل خياراتهم في مشروع واحد. وأدرك ياسر عرفات أن المقاومة هي أحد الخيارات التي يمكنها أن تساهم حتى في تقوية مشروع التسوية. وقال العديد من قادة «فتح» إن خيار المقاومة هو الذي سيجمع «فتح» ويوحدها بعد أن فتتها مشروع التسوية، ومن بين هؤلاء القادة الأخ مروان البرغوثي. وقال هؤلاء إن الوسيلة الصحيحة لترتيب فتح هي المقاومة التي أصبحت خيار الشعب الفلسطيني بعد إخفاق كامب ديفيد الثانية، وبعد احتلال الضفة الغربية وتسميم ياسر عرفات. على الرغم من ذلك كله بقي مشروع التسوية عند الكثيرين هو المخرج، ولم يتبن هؤلاء أي شكل من أشكال المقاومة، حتى إن استخدام الحجر في الانتفاضة كان مرفوضاً من قبل أبو مازن.
بقي مشروع التسوية قائماً، ولكن الذي تغير هو أن أرباب المشروع الصهيوني، أصبح لديهم تفكير يقوم على أساس استيعاب برنامج المقاومة، لذلك تمت الموافقة على إحداث تغييرات جوهرية لإدخال أصحاب مشروع المقاومة في النظام السياسي الفلسطيني، وكان هناك موافقة على إدخال حماس للانتخابات التشريعية، بل كان هناك إصرار على ذلك، طبعاً في محاولة لاستيعاب المقاومة، ولأهداف أخرى.
هذا من جهة أرباب المشروع الصهيوني، أما حماس فدخلت الانتخابات لإضافة برنامج الإصلاح ومحاربة الفساد إلى برنامج المقاومة. ولكن المفاجأة كانت الانتصار الكبير لبرنامج المقاومة في الانتخابات التشريعية. فكان الضغط والحصار وتجويع الشعب ورفع المساعدات وسحب المشروعات الموجودة، كل ذلك للالتفاف على نتائج الانتخابات التي شهد الجميع بنزاهتها وعلى رأسهم الرئيس الأميركي السابق جيمي كارتر، وعندما فشلت كل المحاولات لإقصاء حماس، بدأ التخطيط لإقصائها بالقوة العسكرية، وأوكلت هذه المهمة لمحمد دحلان الذي أصبح الرجل الثاني في السلطة، وأعطي دحلان كل أشكال الدعم والمساعدة، فمن الدعم السياسي إلى المالي إلى العسكري إلى اللوجستي، ومارس الطرف الذي يقوده دحلان شتى الأساليب لإقصاء حماس عن المشهد السياسي الفلسطيني، عندئذ لم يكن أمام «حماس» إلا الدفاع عن نفسها وعن خيار المقاومة وعن المواطن الفلسطيني الذي يعاني من ظلم الأجهزة الأمنية التي يقودها دحلان، ومرة أخرى تغير المشهد بأن تمكنت «حماس» من القضاء على ظاهرة الفلتان الأمني التي باتت تقض مضجع كل أبناء شعبنا الفلسطيني في الضفة والقطاع.
قطاع غزة والضفة وحدة واحدة
بعد ذلك بدت الصورة وكأن حماس تسيطر على غزة وفتح تسيطر على الضفة، نحن نقول إن غزة ليست فلسطين وإن كانت جزءاً عزيزاً منها، وليست الضفة فلسطين وإن كانت أيضاً جزءاً منها، وليستا - غزة والضفة - فلسطين، ولكن الظروف الحالية هي التي جعلتنا نقبل بأن تكون غزة والضفة الدولة الفلسطينية حالياً.قطاع غزة والضفة الغربية وحدة واحدة والسلطة الفلسطينية يجب أن تمتد عليهما معاً لقيام الدولة الفلسطينية، وأن يكون القانون الأساسي هو الحكم وأن يعاد بناء الأجهزة الأمنية بناءً وطنياً سليماً على قاعدة المصلحة الوطنية بعيداً عن خدمة الأجندة الخارجية، وأن يتم تشكيل حكومة مركزية بأقرب وقت ممكن.
نحن نطالب كافة مؤسسات السلطة بأن تمارس مهامها وتعود إلى مقراتها بشكل قانوني واضح، وليس صحيحاً على الإطلاق أن حماس تسعى إلى تشكيل إمارة إسلامية في غزة، ولم نعلن عن ذلك ولو مرة واحدة، وما قيل مصدره الإعلام الإسرائيلي والصحافة الإسرائيلية، والهدف من كل هذا التضليل هو الانقضاض على حماس لإخراجها من الساحة السياسية الفلسطينية، نحن نعتقد أن كل ذلك سيذهب أدراج الرياح.ليس أمام أبو مازن سوى خيار إعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني، بحيث يضم هذا النظام كل أبناء الشعب الفلسطيني، وكل القوى الفلسطينية.
أوضاع صعبة ومأساوية
مما لا شكّ فيه أن الساحة الفلسطينية تمرّ حالياً بأوضاع صعبة للغاية، وهو أمر يملي وبإلحاح أن تتضافر كافة الجهود من أجل إعادة صياغة الواقع الفلسطيني وترتيب عناصره وفق ما تمليه المصالح العليا لشعبنا وقضيتنا الوطنية. المشهد الفلسطيني الآن تتجاذبه ثلاث قضايا أساسية، تتداخل تداعياتها ومفاعيلها على نحو سافر لتصوغ هذا الواقع الصعب والمعقد الذي تعيشه الساحة الفلسطينية.
القضية الأولى، تتمثل في استمرار الحصار غير الأخلاقي وغير الإنساني على قطاع غزة، هذا الحصار الذي يقوده فريق السلطة في رام الله، والذي ينسجم إلى أبعد الحدود مع التوجهات والسياسات الصهيونية والأميركية. هذا الحصار الذي يعيش بسببه شعبنا في القطاع أوضاعاً مأساوية تصل في بعض المناحي، وخاصة الصحية والمعيشية، إلى حد الكارثة الإنسانية.
فتقديرات مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية في الضفة الغربية وقطاع غزة تؤكد أن نسبة انتشار الفقر لدى الفلسطينيين في الأراضي المحتلة ارتفعت إلى 57 في المئة، وأنّ هذه النسبة بلغت 79 في المئة في قطاع غزة أخيراً، وحسب ما أكد مدير الوكالة في غزة، كما أن عشرات آلاف الأطفال الفقراء يأتون إلى مدارس وكالة «الأونروا» كل يوم وهم جياع بسب فقرهم، ويشير إلى أن أكثر من 80 في المئة من سكان مخيمات القطاع يعيشون تحت خط الفقر.
ومن المؤكد أن هذا الحصار الظالم سيترك آثاراً عميقة، ليس على الصعيد السياسي فحسب، بل على كافة الصعد والمستويات على الساحة الفلسطينية، ومن ضمنها وحدة النسيج الاجتماعي الفلسطيني، فشعبنا في قطاع غزة لم يعد يجد علاجاً لمرضاه ولا لقمة عيش لأطفاله، ويُفرض على تنقلاته حظر مشدد، فضلاً عن ارتفاع معدلات الفقر والبطالة إلى مستوى كارثي، لا شكّ بأن هذا الواقع، سيترك أثراً في العقل الجماعي لأهالي القطاع تجاه فريق السلطة في رام الله، وأجزم أنه في حال استمرار الحصار لن يكون من السهل رتق هذا الشرخ الذي يتسع يوماً بعد يوم في ظل مضي فريق «أبو مازن» تكريس هذا الشرخ بين الضفة الغربية وقطاع غزة.
القضية الثانية هي تلك المتعلقة بالتحركات السياسية التي يجريها محمود عباس وفريقه والاندفاعة التي يبديها تجاه اللقاءات مع قادة الكيان الصهيوني والمرونة الرثّة والمبتذلة التي يتحلى فريقه بها، وخاصة سلام فياض رئيس ما يسمى «حكومة تسيير الأعمال»، تجاه شروط وإملاءات الطرف الصهيوني.
إن الاندفاعة والمرونة التي تتسم بها سياسات عباس وفريقه تجاه المسؤولين الصهاينة، تأتي استجابة للضغوط الأميركية واستحقاقاً لفواتير الدعم المالي والأمني والتسليحي واللوجستي التي قدّمتها الإدارة الأميركية لرئاسة السلطة من أجل مواجهة حركة حماس في الضفة الغربية وقطاع غزة، وبالتالي؛ فإن طبيعة أي مفاوضات تجري بين رئاسة السلطة وبين الاحتلال الصهيوني في ظل تلك المعطيات ستكون عبارة عن تسوية يفرض فيها الطرف الصهيوني إملاءاته وشروطه، مع الأخذ بعين الاعتبار أن الانقسام الفلسطيني الداخلي الذي أحدثته سياسات فريق رئاسة السلطة قد جرّد عباس من أي عنصر قوة يمكن أن يعوّل عليه خلال أية مفاوضات.أما القضية الثالثة فهي ضعف الموقف العربي وانكفاء النظام الرسمي العربي تجاه قضيتنا الوطنية، وترك الساحة الفلسطينية مكشوفة للسياسة الأميركية، مع إدراك الجميع أن رؤية الإدارة الأميركية للحل مستمدة من الرؤية الصهيونية، كما أن الحكومة الصهيونية الحالية تعمل على تغطية هزيمتها في قطاع غزة وفي لبنان، بمزيد من العدوان والتوسع والاستيطان لتضمن بقاءها على رأس السلطة في الكيان الإسرائيلي، وهو الأمر الذي تتفهمه الإدارة الأميركية، لا بل تشجعه وتدعمه.
معاناة الضفة الغربية
إن أهلنا في الضفة الغربية، هم أيضاً يعيشون تحت وطأة حصارٍ من نوعٍ آخر، فهم يتعرضون للملاحقة والاستهداف من قبل الأجهزة الأمنية التابعة لرئاسة السلطة وذلك بالتنسيق والتعاون مع قوات الاحتلال، كما أغلقت عشرات الجمعيات الخيرية والإنسانية والاجتماعية والصحية والأهلية والتربوية، تلك المؤسسات التي أسهمت على الدوام في التخفيف من حدة معاناة أهلنا في الضفة بسبب العدوان والحصار الصهيوني.
ويكفي القول إنه في شهر رمضان المبارك، شهر المرحمة والتراحم، حدث ما يزيد على مئة وسبعة وثمانين اعتداءً نفذتها الأجهزة الأمنية بحق أبناء شعبنا وممتلكاتهم ومؤسساتهم، إضافة إلى المساجد، وكان من بين الاعتداءات أربع عشرة حادثة اختطاف لكوادر وأنصار حركة حماس في الضفة، وبالتالي نحن أمام هجمة غير عادية تشنّها الأجهزة الأمنية وعناصر محسوبة على حركة فتح ضد أبناء شعبنا ومؤسساته في الضفة. هذا في الوقت الذي يواصل فيه جيش الاحتلال عملياته العدوانية ونشر الحواجز في المدن والبلدات والقرى بالضفة، إضافة لمواصلته عمليات الاستيلاء على الأراضي وتهويد المدينة المقدسة.
حماس حركة متجذرة
شيء آخر لا بد من التذكير به وهو أن حماس هي حركة متجذرة داخل أوساط الشعب الفلسطيني، ولا يستطيع أي طرف كان أن يقوض وجود هذه الحركة، ونحن على قناعة بأن الاستهداف الذي تتعرض له حماس من قبل الأجهزة الأمنية التابعة لرئيس السلطة والعناصر المحسوبة على «فتح»، لن تزيد الحركة إلا قوة وتجذراً وتمسكاً بمبادئها، وهنا أود أن ألفت الانتباه إلى أن عمليات الاعتقال والتنكيل والملاحقة التي تعرضت لها حماس قيادة وكوادر وأنصاراً في قطاع غزة على أيدي الأجهزة الأمنية التابعة للسلطة في منتصف التسعينيات من القرن الماضي، لم تستطع إنهاء الحركة أو أن تقوضها أو فض الالتفاف الشعبي الواسع من حولها، بل نستطيع القول إن تلك الاعتداءات زادت الحركة تمسكاً بمبادئها ونهجها وزادت من الالتفاف الشعبي حولها، وهذا الأمر سيحصل بإذنه تعالى في الضفة الغربية.
منذ الرابع عشر من حزيران، أي خلال أربعة أشهر تقريباً، نفذت الأجهزة الأمنية التابعة لرئاسة السلطة أكثر من ألف وثلاثمئة اعتداء، طالت كوادر ومؤسسات ومكاتب حماس، وكذلك منازل كوادر ونواب وممثلي الحركة في المجالس المحلية والبلدية بالضفة، حيث تعرضت تلك المنازل لعمليات دهم وتفتيش وتنكيل بالأهالي، وقد أضرمت النار في بعضها، كما حصل لمنزل الدكتور عزيز الدويك رئيس المجلس التشريعي والمعتقل في السجون الصهيونية.
أما بشأن الإطار الذي تندرج تحته تلك الاعتداءات بحق كوادر ومؤسسات حماس، فأرى أنه يتعلق بتطبيق البند الأول من خريطة الطريق الذي يطالب السلطة الفلسطينية بملاحقة المقاومين وتفكيك بنى المقاومة قبل بدء المفاوضات مع الجانب الصهيوني، وحيث إن حركة حماس الفصيل الأقوى والأكثر تأثير وحضوراً على الأرض، وترفض الاعتراف بالكيان الإسرائيلي وتؤكد تشبثها بحقوق الشعب الفلسطيني، كان التوجه الأميركي والإسرائيلي هو إخراج حماس من دائرة القرار الفلسطيني ليس فقط النظام السياسي الفلسطيني بل من دائرة التأثير الفلسطيني عن طريق حصار قطاع غزة وملاحقتها في الضفة الغربية.
والجميع بمن فيهم رئاسة السلطة وحركة فتح، يعلم حجم حركة حماس في الضفة الغربية، هذا الحجم الذي ترجمته نتائج الانتخابات البلدية والمحلية والتشريعية إضافة إلى الانتخابات النقابية، لكننا حريصون أشد الحرص على عدم الانجرار إلى مربع الاقتتال الداخلي، ذلك أننا نعلم علم اليقين بأن هذا المربع هو جزء من مخطط صهيوأميركي معادٍ لشعبنا وقضيته الوطنية، وتعمل على تنفيذه للأسف مجموعة من أبناء جلدتنا.
الاستهداف المنظم لحماس
منذ تشكيل الحكومة الفلسطينية العاشرة التي ترأسها الأستاذ إسماعيل هنية، تعرّض عناصر الحركة وأنصارها ومؤيدوها وكذلك مؤسساتها في قطاع غزة والضفة الغربية لعمليات استهداف ممنهج من قبل التيار الانقلابي الذي يتلقى أوامره من الجنرال الأميركي كيث دايتون، بهدف إشعال نار الاقتتال الداخلي.
ونحن في حماس صبرنا وكظمنا الغيظ، ولم نكن ندخر جهداً من أجل تطويق المخطط وتفكيك عناصره، وقدمنا تنازلاً تلو الآخر، وطرقنا أبواب الدول العربية والإسلامية، من أجل التدخل لوضع حد للفوضى والفلتان الأمني، وذهبنا إلى القاهرة، وإلى دمشق وإلى مكّة، وكنّا في كل مرة نؤكد للرئيس «أبو مازن» أننا جميعاً تحت الاحتلال، وأن السلطة ليست مغنماً بالنسبة لنا، وأن الوحدة الوطنية هي الركيزة الأساس لصون قضيتنا الوطنية واستمرار المقاومة ضد الاحتلال.
نحن لم ننجر إلى الاقتتال الداخلي، وكنّا في كل مرة يتعرض فيها عناصر الحركة لاعتداء، نهب ونحاول تطويق تداعيات هذا الاعتداء، وهو أمر يشهد عليه الوفد الأمني المصري الذي كان موجوداً في قطاع غزة.
ولكن الأمور تفاقمت في ظل التحشيد العسكري ووصول كميات كبيرة من الأسلحة للأجهزة الأمنية وخاصة جهاز الأمن الوقائي تحضيراً لعمل عسكري واسع النطاق ضد الحركة، ومع ازدياد عمليات القتل والاختطاف والتنكيل التي كانت تقوم بها عناصر تلك الأجهزة بحق أبناء شعبنا، هبّت جماهير القطاع وعناصر الحركة لوضع حد لعمليات القتل والترويع التي تنفذها عناصر الأجهزة الأمنية بحق أهالي غزة، وأيضاً لتطويق مخطط «دايتون»، وإذ بنا نفاجأ بأن قادة وعناصر الأجهزة الأمنية قد ولّوا الأدبار وتركوا خلفهم مقارهم فارغة من أي قائد أو ضابط أو جندي، حين ذاك دخلت أعداد غفيرة من الأهالي تلك المقار والبعض من أولئك أساء التصرف داخلها. ما حدا بحركة حماس إلى التحرك من أجل توفير الحماية لتلك المقار التي نعتبرها ملكاً لشعبنا، وردع كل من تسول له نفسه أمراً مستنكراً بحق المقار أو التجهيزات والممتلكات التي بداخلها.ونحن مازلنا منذ الرابع عشر من شهر حزيران ندعو رئاسة السلطة إلى الحوار من أجل أن يصار إلى تسليم المقار الأمنية وغيرها من المقار التي هجرها العاملون فيها، على أن يتم إعادة هيكلة الأجهزة الأمنية على أسس مهنية ووطنية بعيداً عن الفصائلية والحزبية، أما مقار الرئاسة كمنزل «أبو مازن» ومنزل الرئيس الراحل ياسر عرفات، فنحن قلنا إن الرئاسة تتمتع بشرعية كاملة وإن كل ما يتبع للرئاسة في قطاع غزة تستطيع الرئاسة استلامه مباشرة ودون أي تأخير، أو تستطيع أن تنتدب من تراه مناسباً لاستلامه.
نحن ندعو إلى حوار وطني شامل من أجل إنهاء جميع المشكلات الداخلية التي تعيشها الساحة الفلسطينية، في الوقت الذي نكظم فيه غيظنا ونعض على جراحنا في الضفة الغربية من أجل إفشال مخطط الفتنة الداخلية.
ولكن نحن على يقين بأنه في حال استمرار اعتداءات الأجهزة الأمنية على شعبنا ومؤسساته التي تتم بالتنسيق والتعاون مع قوات الاحتلال في الضفة الغربية، فإن شعبنا بقواه وفصائله ومؤسساته الوطنية لن يقف مكتوف الأيدي بل سيتحرك من أجل وضع حد لفريق فلسطيني ارتهنت مصالحه بالاحتلال، كما أننا على قناعة بأن الشرفاء في حركة فتح، وهم كثر، سيقفون في وجه هذا الفريق وسيتقدمون صفوف الدفاع عن شعبهم ومصالحه الوطنية. أعود وأؤكد أن الحوار الوطني الجاد والمسؤول هو السبيل الوحيد أمامنا لتجاوز الأزمة الراهنة.إننا نعتصر ألماً إزاء ما يتعرض له أهلنا في قطاع غزة من حصار وتجويع، وفي المقابل نحن لم ولن ندخر جهداً من أجل إنهاء هذا الوضع المأساوي الذي يتحمل مسؤوليته فريق رام اللـه الذي يقود الحصار.
كنّا وما زلنا ندعو إلى الحوار، قلنا لهم تعالوا نجلس ونتحاور لنعيد اللحمة الوطنية ونسعى لرفع الحصار عن شعبنا، ولكنهم رفضوا الحوار وعملوا على تشديد الحصار على القطاع.
لسنا مسرورين بأن يبقى وضع القطاع كما هو عليه الآن، لكن نحن أيضاً نتحمل مسؤولياتنا في إدارة قطاع غزة، وعسى أن تكون هذه الإدارة مرضية لشعبها ورشيدة إلى الحد الذي نستطيع من خلاله أن نخدم شعبنا، وإن كان هناك بعض المنغصات الأمنية التي تنفذها بعض العناصر الموتورة فأنا أؤكد أنها نقطة في بحر ما كان يجري قبل الرابع عشر من شهر حزيران.
شعبية حركة حماس
البعض يرى أن شعبية حركة حماس تراجعت بعد الرابع عشر من حزيران، هذه أمنية لكل من يقف في الصف المعادي لمصالح شعبنا، لكن أمنية هؤلاء ليست سوى أضغاث أحلام، فنحن نتحدث عن حركة تمثل ضمير وتطلعات وأحلام شعب قدم ولا يزال الغالي والنفيس من أجل تحقيق أهدافه الوطنية، ولمّا كانت حماس تستمد قوتها وحضورها واستمرارها من شعبها المتمسك بحقوقه وثوابته، فإنه لا يمكن أن تنفصم عرا هذه العلاقة المتجذرة بين حماس وشعبها، إلا بابتعاد الحركة عن مبادئها ونهجها الذي انطلقت من أجله والذي التفت الجماهير حولها من أجله، ولمّا كان ابتعاد الحركة عن نهجها ومبادئها ضرباً من المستحيل، فإن ذلك يعدّ ضمانة أكيدة أن شعبية حماس لا يمكن لها أن تتراجع أو أن تهتز.
إن شعبنا يملك من الحكمة والوعي ما يجعله قادراً على إدراك الغث من السمين، ويملك من الإرادة ما يجعله قادراً على الصمود في وجه الحصار والعدوان والمؤامرات، فمنذ تسعين عاماً وشعبنا يتعرض للقتل والتشريد والاعتقال، ورغم ذلك تجد شعبنا صامداً وعيون أبنائه تنظر نحو القدس وحيفا ويافا وعكّا، وقد مورست بحق هذا الشعب عمليات الحصار والتجويع والتنكيل والقمع والإرهاب على أيدي قوات الاحتلال وأعوانه، غير أن تلك الممارسات لم تنل من عزيمته بل زادته تمسكاً بحقوقه وتشبثاً بخيار المقاومة.
ونحن في حركة حماس ومنذ تفجّر الأوضاع في قطاع غزة قدّمنا تصوراً لإنهاء الأزمة الداخلية، وأيّ منصف لا يمكن له إلا أن يصف هذا التصور بأنه مخرجٌ للأزمة، سواء الدعوة لتشكيل حكومة موحدة تجمع كل الطيف السياسي الفلسطيني، أو من جهة إعادة بناء الأجهزة الأمنية، أو في احترام القانون والنظام الأساسي، أو في احترام الشرعيات الموجودة، كل هذا طرحناه بما في ذلك قضايا متعلقة بالتأكيد على شرعية «أبو مازن».نحن نريد فعلاً الخروج بمواقف متفق عليها في الساحة الفلسطينية، لكن إذا كان هناك توجه عند «أبو مازن» بعدم إجراء حوار مع حركة حماس استجابة منه للضغوط الصهيونية والأميركية، فكيف تريد من حماس أن تقدم مبادرة؟! إن المبادرات لا يمكن أن تقدم من طرف لآخر في ظل رفض أحد الطرفين مبدأ الحوار مع الآخر.
مؤتمر أنابوليس – واشنطن
هناك انقسام في وجهة النظر الأميركية حول انعقاد مؤتمر أنابولس، فهناك رأي في الإدارة الأميركية يرى أن مؤتمر الخريف سيضر بالمسيرة السياسية السلمية بالشرق الأوسط، وبالمقابل هناك فريق في تلك الإدارة تتقدمه وزيرة الخارجية كوندليزا رايس يعمل ليل نهار لعقد هذا المؤتمر، مع الإشارة إلى أن رايس جعلت الرئيس جورج بوش يميل إلى رأيها، ذلك أنه في وقت يعاني أزمة داخلية وخارجية تدفعه للقيام بتحرك ما للإيحاء بأن إدارته تمسك بملف السلم في الشرق الأوسط كما هي تمسك بملف الحروب.
باختصار مؤتمر الخريف ليس من ضمن أهدافه وضع القضية الفلسطينية على سكّة الحل، وإنما هو يرمي إلى محاولة إخراج الإدارة الأميركية من مأزقها الراهن في المنطقة عموماً، والعراق على وجه الخصوص، وأيضاً محاولة لفتح آفاق للخطة الأميركية المتعلقة بالملف النووي الإيراني.
أما تحمس رئيس السلطة محمود عباس لهذا المؤتمر فأنا أرى أنه ضرب من المراهنة على أوهام لن تفضي في النهاية إلا إلى نفق هو صنو أوسلو، أو ربما أسوأ من ذلك، فكل من يقرأ السياسة جيداً يدرك تماماً أن الإدارة الأميركية المأزومة داخلياً وخارجياً تعلم أن الحكومة الصهيونية الحالية التي تعاني أزمات داخلية ليست بقادرة على اتخاذ قرارات بحجم الدخول في تسوية سياسية قادرة على تحقيق شيء للفلسطينيين حتى في الحدود الدنيا. وهنا لابد من الإشارة إلى أن تصريحات الوزيرة الأميركية رايس التي أكدت فيها أنها لن تمارس على الطرف الصهيوني أي ضغوطات بشأن التسوية، تزامنت مع قيام الكيان الإسرائيلي بالاستيلاء على
وأستطيع القول إن ما تحاول الوزيرة الأميركية كونداليزا رايس القيام به في الأراضي الفلسطينية المحتلة ولقاءاتها مع المسؤولين الصهاينة في القدس المحتلة ورئاسة السلطة في رام الله، هو محاولة لصياغة ورقة يتفق عليها أولمرت وعباس تكون وثيقة عامة يتبناها المؤتمر من غير أن تتضمن تلك الوثيقة جدولاً زمنياً لتطبيق الاتفاقات أو تناول قضايا الحل النهائي، وبالتالي فإن تلك الوثيقة على مساوئها ستذروها رياح الانتخابات الأميركية المقبلة، وسيدخل المفاوض الفلسطيني من جديد في دوامة أخرى، في حين الطرف الإسرائيلي ينشئ وقائع جديدة على الأرض من خلال مواصلة عمليات الاستيطان وتهويد الأرض في الضفة والقدس ومنطقة الأغوار واستمرار بناء الجدار، ليجد المفاوض الفلسطيني نفسه في النهاية أمام مفاوضات سقفها إدارة السكّان الموجودين على المساحات المتبقية من الضفة الغربية، آخذين بعين الاعتبار أن الموقف الأميركي الذي أكد مراراً وجوب الإذعان للتغيرات الجغرافية والديمغرافية التي أحدثتها الحكومة الإسرائيلية في الضفة الغربية.وأخيراً وبعد هذا الاستعراض السريع لواقع المشهد السياسي الفلسطيني لا بد من وضع مبادئ وأسس لحل الأزمة الراهنة، والتي نراها كما يلي
1- وحدة الضفة والقطاع وعدم الفصل بينهما.
2- وحدة النظام السياسي (رئيس واحد وحكومة واحدة).
3- احترام الشرعيات الفلسطينية بكل مكوناتها (الرئاسة ـ المجلس التشريعي ـ مجلس الوزراء).
4- ديمقراطية السلطة واحترام خيارات الشعب.
5- الالتزام بالقانون الأساسي.
6- إعادة بناء الأجهزة الأمنية بناء وطنياً.
7- إقامة حكومة توافق وطني.
8- الالتزام بالاتفاقيات الموقعة في القاهرة ومكة ووثيقة الوفاق الوطني.
9- إعادة بناء (م. ت. ف) على قاعدة الانتخابات الحرة.
ونحن نرى أن آلية تطبيق الأسس والمبادئ السابقة هي الحوار المباشر بين فتح وحماس للخروج من الأزمة الحالية.
* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع