سوسن البرغوتي قبل أن نتوجه إلى العالم وإلى الشارع العربي تحديدا وذلك وكما يعرف الجميع لأهمية البعد الاستراتيجي العربي وتداخله مع جوهر القضية الفلسطينية خاصة أن الكثيرين من أبناء…
سوسن البرغوتي
قبل أن نتوجه إلى العالم وإلى الشارع العربي تحديداً وذلك، وكما يعرف الجميع لأهمية البعد الاستراتيجي العربي وتداخله مع جوهر القضية الفلسطينية، خاصة أن الكثيرين من أبناء الأمة العربية دفعوا الغالي والعزيز من أجل نصرتها، وتحمل الكثيرون أيضاً عذاب الملاحقات والسجون والاعتقالات في بلادهم، ولذلك فقد أصبح على الفلسطينيين أن يحددوا بوصلة التوجّه، والأهم من ذلك ما الذي يريدونه ويستقطب الإجماع العام.
ومن المؤكد أنني بذلك لا أتوجه بالسؤال إلى المهرولين نحو مقايضة وتقاسم الأرض الفلسطينية مع "إسرائيل" والالتقاء بهم والترحيب بكل ما يرد من أوامر أولمرت على أنه المسيح المنتظر، ولا للمرتزقة ومن يدور في فلك تصفية القضية الفلسطينية، بل هي رسالة إلى الوطنيين الأحرار لإيجاد حلول عادلة ومنصفة إنطلاقاً من ثوابت وحق الشعب الفلسطيني في أرضه وفي تقرير مصيره.
ومن الطبيعي ونحن في هذا الموقف أن نحدد الأطراف التي عاثت فساداً وعبثت بالثوابت الفلسطينية، والتي أصبحت تردد بدورها الكلمة المطاطية الخالية من روح الجوهر الثابت، بما في ذلك رفض التحويل والتغيير تماشياً مع أمزجة سلطة الحكم المحلي وتبعاً للتقلبات الإقليمية والدولية.
لقد تهاوت الأقنعة المشبوهة وسقطت، ولم يبق إلا أن نحدد موقفنا من الأطراف الفلسطينية الأخرى، وحسم الخلافات الحادة بينها لتوفير اللحمة المطلوبة للعمل النضالي الصحيح، فالفرقة تضعف الجميع، والتوافق الصادق يمكننا من مواجهة فكيّ الكماشة القابض على أعناق أهلنا في الداخل، وهما "الاحتلال ورموز الفساد والتصهين في السلطة"، السبب في حصار أهلنا، وهما أيضاً وسيلة القمع لإرادة النضال والمقاومة.
إن القضية الفلسطينية ومن خلال تاريخ النضال الطويل غير قابلة لتحريف مسارها التحرري، خاصة وإن "إسرائيل" من المستحيل ولن تقبل لا بالمفاوضات ولا بتهمة شعار السلام مجرد فكرة التخلي ولو عن جزء بسيط من الأرض المحتلة، وهذا ما يسعى عباس جاهداً لإيهام شعبه به.
جدلية السلام، والتحضير للقاء الخريف الدولي برعاية أمريكية، أشبه بتخدير مرحلي آني لمعالجة ظل الأحداث وليس لمواجهة العلة الأساسية، ألا وهي الكيان "الإسرائيلي" برمته، على أرض لم تكن يوماً حكراً على ديانة بعينها، ولا ملكاً لقوميات مشتتة ومختلفة تأتي من القارات لتشكل كياناً احلالياً بالقوة. فأصل المشكلة يكمن في بؤرة الاحتلال الواقعة على فلسطين، ولا شك أنها أدت إلى توسع الأطماع في احتلال العراق، والتدخل في الشؤون الداخلية للبنان وفي أي قطر عربي يقع ضمن خارطة الهيمنة كنتيجة للوهن العربي وضعف قراره الرسمي وتحالف أنظمة "الاعتدال" مع أمريكا حليفة "إسرائيل" الاستراتيجية، وإبرام علاقات تطبيعية، والتبعية المطلقة للإرادة الاستعمارية الأمريكية. مما أدى إلى دخول دول أخرى في حلبة الصراع العربي- "الإسرائيلي" وإعادة تشكيل خارطة حدود جديدة تنسجم مع اعتماد "إسرائيل" كدولة، وقد تصبح مع ترهّل الموقف العربي أكثر دول الشرق الأوسط قوة عسكرية واقتصادية وسياسية، وتتحول الدول العربية برمتها إلى تابعين هامشيين أو أعداء من وجهة النظر الصهيونية، ما يوجب القضاء عليهم وتدميرهم، كما حدث في العراق.
بناء على ما تقدم، إن لم يحسم الفلسطينيون الوطنيون موقفهم من السلطة ومنظمة التحرير الفلسطينية التابعة بقراراتها وكوادرها لسطوة الرئاسة، فسيزيد الشرخ والانقسام الفلسطيني، ويفقد الشعب الأمل من قيادته السياسية جميعها بلا استثناء.
في هذه الحالة على الإعلاميين والمثقفين أن يبنوا قاعدة مشتركة للاتفاق على نقاط محددة، بابتداع وسائل لرفع الحصار الجائر عن القطاع، وفتح المعابر، خاصة معبر رفح بالقوة إن اقتضى الأمر، وتشكيل دروع بشرية من المناصرين الغربيين وكل من يستطيع الوصول إلى نقاط الحدود، لفتحه ولتُؤكد السيادة المصريةـ الفلسطينية عليه، وتنظيم مسيرات سلمية، الهدف منها إعلاء الصوت العربي الرافض لاستمرار حالة العالقين المزرية.
ومن المهم إطلاق وثيقة إنقاذ وطني، بتوظيف التأييد الشعبي الفلسطيني والعربي ومناهضة الليبرالية الجديدة في العالم بالمقاطعة والعصيان، والتي قامت على قاعدة استنزاف ثروات الشعوب والنيل من هويتها وكرامة أوطانها، وعلى وثيقة الإنقاذ الوطني تقديم تصوّر واقعي لخطوات موحدة غير متأرجحة في مواقفها وحاسمة بموضوع لقاءات "عباس ـ أولمرت" المتكررة التي تمهّد للقاء الخريف، والمعلوم مسبقاً ماذا سيتمخض عن توصياته وقرارته.
والسؤال المطروح إلى أين نحن ماضون؟...
هل إلى صراع على سلطة سرابية وتكريس "أيدلوجيات" وحسابات ضيقة وبعيدة عن المصلحة العامّة للشعب، أم للعمل على إقامة جدار مانعٍ يعزل عباس وسلطته، ويرفض ويقاوم الاملاءات الاحتلالية الخارجية؟، ولن يكون ذلك إلا بتحالف القوى الوطنية كافة لتشكيل جبهة الإنقاذ الفلسطيني في مواجهة فصائل في منظمة التحرير حددت وجهتها وتحالفها مع خط عباس في الهدف والوسائل لتحقيقه.
الحوار الوطني يجب أن يبدأ من دعوة صادقة لرصّ الصفوف، لتلتقي جميع أطياف الشعب حول كيفية الخروج من الأزمة المالية، والعمل كخلية لتطويق الأزمات المتتالية، لتقديم نموذج وطني للتكافل والتعاون لحماية الفلسطينيين في الداخل المحتل، عبر تقديم العون اللازم للنهوض بالمؤسسات والجمعيات الوطنية.
كما إن لمّ الشمل ومواجهة أجهزة القمع التي تعيث في الأرض فساداً وفتكاً بالأبرياء واجب في هذه المرحلة، وأن يؤخذ بعين الاهتمام من قبل وثيقة مصالحة وطنية، إذ كيف نستطيع أن نطالب بحقوقنا المشروعة وبيتنا الفلسطيني يعاني من الانقسام نتيجة تيار يدفع إلى الغرق والقبول بشريعة المحتل، وتيار بالمقابل يدافع عن الحق في مواجهته؟، أم أن الغربان فقد عششت واستطاب لها أن تصمت على مدى 15 عاماً؟!.
إن توحد الكلمة الوطنية يستوجب نبذ الفتنة بالقضاء على جذورها، لأنها تعيق أي إنجاز فلسطيني للتحرير، والفتنة داء زرعته "إسرائيل" في الجسد الفلسطيني لينشغل عما هو أسمى.
المسؤولية الوطنية والتاريخية تقتضي أن نضع نصب أعيننا أن المفاوضات ما هي إلا إملاءات على الطرف المهزوم والضعيف في جبهته الداخلية، غير المتكافىء عسكرياً. كما أن المفاوضات مكنت من تمرير خطط العدو مستفيداً من جملة تنازلات على وهم "السلام" مقابل الخرس والصمت على بناء الجدار العازل وتكثيف المستوطنات، والاعتراف بالعدو، واستمرار الشجب والإنكار لممارسات وتعاون السلطة المحلية مع الطرف الطامع بتمزيق وطننا العربي من غربه إلى شرقه، وهذا سلوك لا يمكن أن يُحرك ساكناً لصالح القضية، ولن يجعل المحتل وأعوانه ينصاعون لإرادة الشعب ومطالبه. لذلك لا بد من تحرك فاعل حتى لا يعاد مؤتمر مدريد بحلية مؤتمر أنابوليس، وبترتيبات وتحضيرات اتفاقية تجهز على ما تبقى من ثوابتنا وحقوقنا في أرضنا وفي العيش الكريم لأهلنا بالداخل، فشعار "الحصار مقابل الركوع" هو ما تحاول السلطة فرضه بدعم مباشر من "إسرائيل"، والضغوط متوفّرة، فتارة بقطع الكهرباء أو الوقود عن غزة، وتارة بالتلويح بمنع الماء والهواء-إن وجدوا لذلك سبيلاً-، وفي وقف التعامل مع بنوك غزة وإقفال الجمعيات الخيرية، وحل لجان الزكاة مؤخراً من حكومة "البين"، كل هذه المستجدات المصطنعة، لا تدلل إلا على أمر واحد (أوقفوا المقاومة، نمدكم بأدنى مسلتزمات الحياة).
كما أن التعبئة الوطنية وتفعيل كوادر منظمة مستقلة عن سلطة أوسلو وحكومة فياض المدعوم أمريكياً، تعطي لجميع الفلسطينيين الحق في التصويت لأي مشروع وطني مستقبلي، وتجبّ وثيقة "الاستقلال" التي أدت إلى تخدير الشعب الفلسطيني واستغفاله لسنوات، وتحت شعار موافقة الشعب الفلسطيني بتمثيل الغائب عن إصدار القرارات، والعودة إلى الميثاق الأساسي-قبل التعديل-، أو صياغة ميثاق وطني جديد يتعاطى مع المستجدات.
لن يموت حق وراءه مطالب، ولكنه يتراجع لاستجداء دول الانحياز و"إسرائيل" للعودة إلى طاولة التنازلات، وإلا ما أهمية تقديس مؤسسة مشلولة أصبحت عبئاً على الفلسطينيين في الخارج والداخل على حد سواء!؟.
فما هي أوراق السياسة الوطنية المعدة لمواجهة كل ما تقدم؟.
المطلوب تشكيل كيان فلسطيني مقابل كيان "إسرائيلي"، وليس المطالبة بدويلة غير قابلة للحياة في حدود الـ 67، أو المطالبة بتطبيق مبادرة التطبيع العربي.
إن الشعب الفلسطيني ينتظر حلولاً لا تحليلات أو شجب واستنكار لأي مؤتمر أو تجمع وطني، ثم ينفضّ المجلس على اتفاق ورقي وشكلي ولغو خطابي، ولعل أقوى ورقة تملكها القوى الوطنية هي المقاومة المسلحة وقدرتها على الاستمرار، وبناءً على هذه الورقة الرابحة دائماً في درب الانتصار، يتطلب الالتفاف ودعم المقاومة، وليس تسفيهها والتشكيك في قدراتها وجدواها، أو في إنهاكها بخلافات محتدمة، وبتهدئة مؤقتة لا محل لها من الإعراب، في حين أن العدو يحقق ما يصبو له من أطماع وتوسعات.
ما دام هناك احتلال. فهناك قضية عامة وأخرى أمور وممارسات نتيجة الضغط المتزايد، ارفعوا عنهم الحصار، تزول أسباب مؤدية إلى تفاقم الخلافات الحادة بين أفراد الشعب الصابر الصامد والمقاوم. وليدرك الجميع أن دعمنا لهم، سيجعل مشاريع "إسرائيل" وحلم توسعها على حساب الوطن العربي في مهب الريح.
إن المقاومة العراقية بفعلها النضالي تعمل على هزيمة ودحر الاحتلال الأمريكي بتوحدها وقدرتها على إثبات فشله وهزيمته، وفي لبنان أيضاً هناك من لقن العدو درساً زلزل الأرض تحت أقدامه.
وفي فلسطين أسود أشداء، لم ولن يتوانوا عن تقديم أرواحهم في سبيل فلسطين... كل فلسطين.
* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع