بعد أن امتدت أذرع أمريكا في وطننا العربي وصار لها تواجد فعلي عسكري وسياسي وأنصار وقواعد في أكثر من قطر كتواجدها في العراق وتدخلها السافر عبر توصيات السفير الأمريكي في لبنان ومن…
بعد أن امتدت أذرع أمريكا في وطننا العربي، وصار لها تواجد فعلي "عسكري وسياسي وأنصار وقواعد" في أكثر من قطر كتواجدها في العراق، وتدخلها السافر عبر توصيات السفير الأمريكي في لبنان، ومن خلال استحداث حكومة فياض في رام الله، وكلها مداخلات تسير على نمط واحد ، ولتحقيق غاية واحدة، لم يعد أدنى شك، بأن المهمات الموكلة من أمريكا إلى شخصيات معينة واحدة، على اختلاف البلاد، سواء بالاحتلال المباشر، كما هو الحال في العراق وفلسطين، أو في لبنان وفي عدد من الأقطار العربية، بيد أن المعارضة اللبنانية برزت بقوة على أرض الواقع للدفاع عن استقلال لبنان، ورفض أي تدخل أجنبي في قرار لبنان السياسي.
وعلى ضوء الأحداث، فإن خطة تقسيم العراق، وإعادة تقسيم المقسم في فلسطين، يثبت السيناريو المعتمد أمريكيا و"إسرائيلياً" بطبيعة الحال، فالمحتل الأمريكي في العراق ينتهج سياسة "إسرائيل" التي اعتمدتها خلال ستين سنة في فلسطين، من تطهير وتدمير وتهجير سكان فلسطين الأصليين، بفوارق في الطروحات والشعارات المستخدمة.
القوات الغازية الأمريكية ستغادر العراق ولو بعد حين، دون معرفة لماذا تم احتلال العراق!،والشعب الأمريكي مضلل بوهم الديمقراطية وتطوير الشعوب، وأن الاقتصاد الأمريكي سينتعش على أنقاض جماجم الشعب العراقي، وهذا بحد ذاته إهانة للإنسانية، وليس فقط للأمريكيين أنفسهم.أما الاحتلال الصهيوني الأخطر، فهو احتلال باقٍ ما دام بقي الكيان الاستيطاني، وما دام هو البديل لشعب آخر، يُمحى ويُلغى وجوده بالكامل، حسب المعتقدات والممارسات الصهيونية...
تكريس الانقسام لهدف التقسيم،كان منذ البداية من أولويات الاحتلال الأمرو- صهيوني، بتوظيف الماكينة الإعلامية سياسياً لهذا الانقسام بين الشعب الواحد، والذي لا يخرج عن إطار ومفهوم استخدام الدمى الموظفين لتلك المهمة تحديداً، بعد أن حددت أمريكا ومن في دائرتها أن المقاومة "إرهاب"، وأن الضرورة تفرض مواجهتها والقضاء عليها، كي تبقى الصورة نمطية واحدة، وهي القبول والترحيب بالاستعمار الجديد على أنه شريك المستقبل، ولكن أي مستقبل ينتظر الأمة العربية بعد التصريحات العلنية الوقحة؟.
لقد كشفت التصريحات واللقاءات الودية، أن قادة السلطة وحكومة الاحتلال في فلسطين، أكثر حرصاً على تنفيذ التدمير الشامل للكيان العربي، والهرولة إلى لقاء ليس أكثر من اعتماد وتعميد الموظفين أنفسهم على مرأى من العالم، بصرف النظر عن تسميته، ولكنه بكل حال خريف يُسقط الأقنعة، ويعمل على دعم خروج بوش بماء الوجه من العراق، ومن البيت الأبيض رأس الإدارة الأمريكية فيما بعد، ليتسنى الحصول على معاهدة نفطية وقواعد عسكرية في العراق، ولتثبيت "إسرائيل" كدولة عظمى في العالم. وبما أنها تعجز عن حكم مساحات عربية شاسعة، لا بد من إعادة رسم خريطة سايكس-بيكو جديدة تضمن سهولة الهيمنة، وتعيد الوطن العربي ألف سنة إلى الوراء، مما يستدعي إعادة إعمار الأراضي المحروقة عن طريق شركات أمريكية وبضائع "إسرائيلية"، خاصة أن البلاد العربية تُعتبر من أكثر الدول استهلاكاً وليست منتجة ولا مستقلة اقتصادياً، ثم يعاد توزيع الكعكة بما يتناسب مع الهيمنة الأمريكية وحليفتها الاستيراتيجية.
فمن قال أن الحرب العالمية لم تبدأ بعد؟.
لقد بدأت الحرب منذ احتلال فلسطين، ولكن تلاحق الأحداث وتسارعها بعد احتلال العراق، واعتماد خطط حسب الفشل الاحتلالي، هو ما رجح كفة الانقسام لصالح التقسيم.
فالشراكة اقتضت أن تنقض على تيار يدفع لإنقاذ ما تبقى من الحقوق، وبدوره فالتيار الوطني الرافض لمشروع اقتسام غنائم المنتصرين، ولتلك الأدوات المحلية الموظفة الهادفة لزرع الفتن والانشقاق ليتحول الصراع داخلياً، يبدو وكأنه يصارع على سلطة وهمية، وحقيقة الأمر أن السلطة والقرار الأول والأخير للمحتل، في حين أن جبهة الممانعة والصمود تدرك مهمة الانفصاليين الذين انقلبوا على حقوق الشعب وقضاياه.
إذن هو انقسام بين القبول بمستقبل الانهيار الشامل مقابل امتيازات محدودة وآنية، والتقسيم بين هذين الخطين المتناقضين والنقيضين، وإظهار أن التيار الصامد على ثوابته، هو المنقلب على إرادة القمع ورفض التسليم بالاستعمار وحكام الباب العالي، ولم يبقَ سوى تعليق المتمرد –حسب رؤيتهم- على مشانق السلطان.
أما وقد اتضحت الصورة للشعب العربي، فهو أمام خيارين لا ثالث لهما، إما السقوط والرضوخ لعبودية الاستعمار العائد من تاريخ الحرب الصليبية الاستعمارية، وإعادة تشكيل الحدود العربية على أساس عولمي بوهيمي "إذا جاز التعبير"، ولا يربط بين أي عربي وآخر أي رابط مصيري، وإما استنهاض الهمم والذمم للخلاص من شر سيحقق للاحتلال تفتيت كل بلد عربي على حدة، وهذا يفرض التلاحم بين قوى الممانعة سواء على الصعيد السياسي وتوحيد الكلمة للمصلحة الوطنية.
إن هدف الاستعمار واضح ومكشوف، وهو عربدة سياسية لكنها تتماشى مع منظومة القوّة وماكينة الإعلام، تقود لتجهيل الشعوب بواقع الاحتلال وشبحه المسيطر على كافة القطاعات، على أساس أن الحكام ينطقون بالعربية، وهم أبعد ما يكون عن الانتماء العربي.
سلطة في ظل احتلال، تسعى للتخريب وإضعاف الجبهة الداخلية، ليست بأكثر من فزّاعة تخيف الشعب، وتركع للعدو، فكيف يمكن لهؤلاء أن يقودوا شعوبهم وهم لا يملكون سوى الوجه القبيح، متجاهلين معاناة الشعب من محارق جماعية للبشر والحجر، فهم ليسوا قادة للشعوب بل عبابيد، وخفافيش يرتزقون على دماء شعوبهم.
أيّ كانت نتائج تصعيد وتيرة حرب الأعصاب، ومساعي التقسيم والتفتيت،فلا بد في نهاية المطاف أن تحسم الأمر القوى العربية الحرة، وإذا لم تفعل فالمصير سيقود الجميع إلى الهاوية، فهل نأمل أن توحدنا المصائب، أم نواصل عدم المبالاة حتى يطالنا الغرق جميعاً؟.
لا بد أن يرتقى الشعب العربي إلى مستوى الأحداث، ويعيد تحديد بوصلته السياسية والنضالية إلى الاتجاه الصحيح، وهي بالعربي، ليست أقل من إسقاط رؤوس الخونة والعملاء مهما كانت صفتهم، وتوحيد صفوف المقاومة المسلحة، لإعطاء طاقة متجددة للمقاومة المدنية، فبعد أن كنا نرفع راية "كلنا مقاومة".. لنبقى على الأقل معها، حتى لا نصبح يوماً قريباً عبأ عليها، ونصبح مسامير تدق في نعوش أوطاننا.
على ضوء ما تقدم، فإن انتفاضة الشعوب المنكوبة برأسين للاحتلال هي الحل الوحيد، للخروج من دائرة مغلقة، والدوران على محيط تلك الدائرة المذلّة، سيعيدنا حتماً لاستجداء الحوار مع المتظللين بعباءة الذل والخنوع، الذين طبعوا على الخيانة، وليس بعدها جريمة.
من الطبيعي أن نستذكر إنجازات المقاومة، ومن الطبيعي أن نفهم دور العملاء الخارجين عن إجماع الشعب وعن المبادئ، هؤلاء الذين يعملون على تخريب البنى التحتية للمجتمع على جميع الأصعدة، بتخريب متعمد لكسر إرادة النضال.
لا يمكن لأي وطني حر وعاقل، إلا أن يعتمد خيار المقاومة، لمواجهة أذناب الاحتلال بعد أن استنفذت كل وسائل التفاهم الأخرى، فالمقاومة قادرة على خلق وسائل نضالية لمواجهة الاحتلال، وقادرة على شق صفّ الهجمة الاحتلالية بتراكم الفعل المقاوم وتصاعده، وقد لا تظهر النتائج مباشرة، لكنها تعمل على تآكل وتحجيم ومحاصرة فورة موظفين الانقسام الوطني، وشق ترابطهم ليصدق المثل الشعبي "لم نضبطهم وهم يسرقون، لكننا ضبطناهم وهم يختلفون على القسمة". ليس لنا من سبيل إلا بتلاحم قوى الشعب وتصعيد الفعل المقاوم ومواصلة ضرب المحتل في كل موقع حتى إنهاكه.
* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع