لا شك أن إشكالية النظر والتوصيف التي تعانيها شرائح واسعة في مجتمعاتنا وترسم ألوانا من ملامحنا على الساحة وتكشف الكثير عن عوارنا ونقاط ضعفنا أمام خصومنا وتوقعنا في مزالق ودوامات…
لا شك أن إشكالية النظر والتوصيف التي تعانيها شرائح واسعة في مجتمعاتنا , وترسم ألوانا من ملامحنا على الساحة , وتكشف الكثير عن عوارنا ونقاط ضعفنا أمام خصومنا ,, وتوقعنا في مزالق ودوامات لا حاجة لنا بها ..فضلا عن كونها تساهم في إرباك المسيرة وتشوش عليها ، بينما تقوم بتوفير الغطاء للسلوك الباطل و تضفي نوعا من الشرعية على مواقفه ... في حين تحاول ما وسعها الجهد طمس معالم الحقيقة أو تشويهها وانتقاصها على أية حال , هذه الإشكالية ليست نتاج صدفة عابرة بالتأكيد .. وإنما تشكلت ونضجت لتملأ الفراغ الذي خلفه غياب الرؤية الشاملة لصراعنا مع العدو الصهيوني الماكر..!! وعندما يكون الحال كذلك فإن التنظير القائم على قاعدة خلط الحابل بالنابل .. وبعثرة الأوراق .. ومساواة الأمين بالخائن... والبحث عن التوليفات المخادعة التي تهدف الى الإبقاء على الوعي غائبا مغيبا ... كل ذلك يصبح هواية محببة يتداعى لممارستها لفيف من أنصاف الكتاب والمثقفين وأدعياء المعرفة والفهم... ..!!!
ومن الأمثلة الصارخة التي تُجلي هذه الإشكالية بكل وضوح ,, وتميط اللثام عن حجم الغبن الذي يلحق بالحقيقة وسائر القيم السامية التي تؤمن بها الشعوب , من قبيل المصالح الوطنية العليا والوحدة الوطنية والآمال الواحدة والمصير المشترك... انتزاع حادث ما واجتزاؤه من السياقات الطبيعية لحدوثه ومحاولة تقديم حلول ترقيعية له بعيدا عن هذه السياقات لحاجة في نفس يعقوب تقوم على أساس تحقيق مصالح شخصية وحزبية .. وكل ما يخطر على البال من الغايات ,, طالما بقي أصحاب هذه المبادرات (التصالحية) يصرون على الهروب الى الأمام حتى لا يضطروا الى مواجهة الحقيقة المرة... ولنا في حركة التطهير التي نفذتها حماس في غزة في حزيران المنصرم نموذج للدراسة والتأمل وأخذ العبر..!!
فأصحاب المبادرات والمواقف الداعية للخروج من حالة الشتات الداخلية يعمقون الأزمة ويصرون على عدم إخراجها من سردابها المظلم ,, عندما تتوقف أذهانهم عند حادثة التطهير ... وتعجز أبصارهم أو تتظاهر بالعجز عن رؤية الكم الهائل من التشابكات التي حكمت علاقة حماس بفتح على مدار عقدين من الزمان!!! وكأن تاريخ العلاقة التي تحكم بين الطرفين قد بدأت وانتهت في حزيران المنصرم فقط !!! وفي هذا ظلم كبير وتضليل مقيت يجيد أهل الانتهازية استثماره وتوظيفه لتحقيق اهداف غير نظيفة تحت لافتة (المصالحة)!!!
وإذا كان أصحاب النظر القصير والذاكرة الضحلة لا يذكرون حقائق وتفاصيل الأذى والكيد والتحريض الذي تعرضت له حماس منذ انطلاقتها والى الآن , فلا باس بتذكيرهم بأن بوادر الخصام ومحاولات الإقصاء والتهميش والتشويه ما بدأت ولم وتنتهي بحزيران الفائت فقط .. وإنما بدأت مع انطلاقة الانتفاضة الأولى والتي تزامنت مع انطلاقة حماس على الارض... مرورا بدعوة صريحة من رئيس فتح السابق ياسر عرفات لإسحاق رابين بتصفية حماس عبر إحدى الصحف الإيطالية أوائل تسعينيات القرن الماضي.. وتعريجا على تصريحاته النارية الشهيرة باستعداده لإطلاق النار على قبائل الزولو في إشارة الى حماس ... كل ذلك تزامن مع تصفية العديد من ابناء حماس في غزة والضفة على أيدي فتح غيلة وبدم بارد _كنتيجة طبيعية للكم الهائل من التحريض الممنهج على العنف والاقصاء الذي مارسته فتح بحق حماس وأشاعته بين أنصارها وأتباعها _ وبغطاء تنظيمي لهذه الجرائم من أعلى المستويات ,, ... وإنني أعجب لمن يتصدى لتقديم المبادرات كيف ينسى المجازر التي اقترفتها أجهزة اوسلو بعد قدومها بحق أبناء شعبنا ..كمجزرة مسجد فلسطين .. والحملات الظالمة لملاحقة ابناء حماس وتعذيبهم بالمئات بعد أن امتلأت بهم السجون ... وكيف ينسى أصحاب المبادرات والمقالات مواقف تيار دحلان وتآمره على الحكومة الفلسطينية المنتخبة .. وتبجحه بأن محاولة اغتيال هنية هو شرف لا يدعيه وتعهداته السابقة بإسقاط الحكومة خلال ثلاثة أشهر وغيرها الكثير من المواقف التي تقطر حقدا وتآمرا !!! فلم لم نسمع كلمة احتجاج واحدة على هذه السياسة العدائية تجاه حماس والتي رافقت مسيرتها منذ عشرين سنة؟؟؟ ام ان الصمت إزاء كل ما تعرضت له حماس طيلة عقدين من الزمان كان محكوما بمصالح تبادل الأدوار وتكميل المهمات..!! في حين تتطلب مصالح تبادل الأدوار هذه الأيام الحديث عن رأب الصدع على أسس غير موضوعية ؟؟؟
[إن مطالبة حماس بالعودة عن الحسم العسكري (التطهير) وما نتج عنه..دون النظر في مسبباته ودواعيه،، المتمثلة في الشذوذ المسلكي والمنهجي الذي تبنته فتح جهارا في محاربة حماس عبر الإصطفاف الواضح الى جانب الصهاينة والأمريكان وقوى إقليمية لإجهاض تجربة حماس وقتلها في مهدها... لهي مطالبة ظالمة وقاصرة تعبر عن حالة التيه والضياع المستحكمة في وعي الكثيرين من بني جلدتنا حيث تنتشر هذه الحالة (الكارثة) عبر أوساط سياسية وثقافية متباينة .. يجمعها فقط هذا التيه المرضي.!!!
ومن هنا فإنه لا يمكن لنا بحال ان نتفهم حقيقة هذه المطالبات إلا إذا أدركنا بأن حماس باتت كمن يحمل (السلم بالعرض) في مواجهة المشاريع الخبيثة التي تستهدف شعبنا وامتنا وإصابتهما في مقتل... في الوقت الذي تم فيه تدجين كل القوى وبرمجة وعيها لتتعاطى مع الواقع وفق مسارات لا تناقض بشكل حقيقي وجدي تطلعات وأهداف المستعمر الظالم... فأبعاد الحراك التي رضيت هذه القوى لنفسها أن تتحرك وفقها .. جعل منها _شاءت أم أبت_ جزءاً لا يتجزأ من المشكلة وحالة واضحة في التواطؤ على ذات القضية التي يتغنون صباح مساء بأمجادها وعبر عقود من الزمان...
وعليه فإن نقطة الإثارة في تقدم حماس واكتساحها كل العقبات التي تعترض طريقها...(الحسم مثالا) ...ليس مردها سيطرة حماس على المقرات وتخضيد شوكة الخونة والمجرمين...بمقدار ما في هذا الحسم والتطهير من دلالات اعمق بكثير من مجرد السيطرة على المقرات والأسلحة .. لا يتنبه لها ضحايا الهزائم المعنوية والفكرية... فالانحطاط التصوري الذي يجعل من التنسيق الامني مع الإحتلال لملاحقة المجاهدين واصطيادهم قتلا واعتقالا وتعذيبا ... عملا تمليه ضرورات المرحلة المحكومة بمصالح الكبار (الإحتلال والقوى الداعمة له) ... لا يمكن له أن يستوعب المبررات الأخلاقية والوطنية لتوجيه ضربة قاضية لهذا النسيج الخياني المدجن والمبرمج على أساس التبعية للعدو والاستسلام لإملاءاته ونزواته... فالمشكلة ليست في التغيرات الناجزة على الأرض إذا ... بل المشكلة تتجسد بوضوح في مساحات الوعي والذاكرة المتخمتان بصور شائهة ومغلوطة لمعاني الصراع والثورة وقيم التحرر والانعتاق من إسار المحتل... وما تفرضه من تحدي المجابهة للتغيير..
وبناءً على ذلك يتبين لنا أن النقاش حول خطوة حماس بالتطهير تتعلق بالجوهر المتمثل برؤيا الصراع الشاملة ...لا بالشكل المتمثل بمقرات وأجهزة وبضع عشرات من المجرمين الفارين... والسؤال المطروح هنا هو ... هل يتوجب تسوية نتائج التطهير جوهريا أم شكليا ؟؟؟ فكل أعداء حماس وحاسديها يريدون الحلول الشكلية ..لأن مواقعهم على الخارطة شكلية ومقدار أوزانهم في الساحة شكلي ولأن الحديث عن الجوهر يفضحهم ويكشف بعد الجادة التي يسيرون عليها عن مصالح وقيم وتطلعات شعبنا...!!! فالمطلوب الآن وبإلحاح ممن يطالبون حماس بالتراجع خطوة الى الوراء أن يتقدموا خطوات من عالم الأشكال الباهتة باتجاه عالم الحقيقة والجوهر...فإن فعلوا (ولا اظن) فإن تسوية الآثار الشكلية لعملية التطهير ليست عسيرة إطلاقا.!!!
فمكاسب حماس من وراء عملية التطهير لم تكن ... مقرات حديثة بتجهيزاتها ومرافقها وترسانة ضخمة من الأسلحة ..فهذا كان من باب تحصيل الحاصل... وإنما المكسب الحقيقي الذي أنجزته حماس تمثل بتوجيه هزة مباشرة.. عنيفة وقاسية لوعي عدة أطراف متلبسة بالمشهد الفلسطيني بمستوياته المختلفة... فهزة كانت من نصيب أذناب دايتون .. مفادها ان أدوات وأشكال الصراع بيننا وبين الصهاينة تحكمها قيم الحق والعدل ... وأن أقرب الطرق للخلاص من المحتل هي التناقض معه في كل شيء لا التحول الى دمية سخيفة يتحكم بها في ضرب شعبنا ومصالحة باسم الثورة ... وهزة أخرى أصابت تطلعات وآمال قوى الشر .. ونبهتها أن سياسات الشر والظلم والعدوان التي تنتهجها ليست قدرا يجب أن يسود .. بل إن هناك من يتربص بهذه السياسات وهو عاقد العزم على إجهاضها وإفشالها ... يوم ان امتلك الوعي المتحرر من سلطان البرمجة المعادية...
وإن صمود حماس المبارك أمام الأشكال المتنوعة من الكيد والتآمر ... سيؤتي أكله بالتدريج وبلا شك في إعادة التوازن الفكري والتصوري للكثيرين منا قوى وأفراداً .. رغم الضجيج الكبير الذي يحاول محاصرة حماس والتشويش على مسيرتها... فهنا تتشكل المعركة الحقيقية بالتحديد ... ومن هنا تبدأ مراحل النصر.. لأن حماس تحاول ان تنجز في ذات المساحة التي هُزمنا بها أول النهار ... فالمهزوم فكريا ونفسيا ومعنويا لا يمكن له ان ينتصر ماديا بحال من الأحوال.. ولهذا السبب كانت مطارق حماس على جدران الوعي المشبع بالهزائم هو ما يخيف أعداءها والمتربصين بها...
لأن هذه الضربات هي الكفيلة بإعادة الذاكرة الى رؤوس أصحابها وترميمها مما أصابها من ثقوب طال الزمان أم قصر..!!!
* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع