صفحة جديدة دروس عملية طابا عبد الباري عطوان ما حدث في اليومين الماضيين والمقصود هنا سلسلة الهجمات التي استهدفت السياح الإسرائيليين في طابا ونويبع وإعدام الرهينة البريطاني كينث…
دروس عملية طابا
عبد الباري عطوان
ما حدث في اليومين الماضيين، والمقصود هنا سلسلة الهجمات التي استهدفت السياح الإسرائيليين في طابا ونويبع، وإعدام الرهينة البريطاني كينث بيغلي، يؤكد أن العالم لم يصبح أكثر أماناً منذ غزو العراق واحتلاله، وإطاحة حكم طالبان الأصولي في كابول.
الإرهاب وفق التسمية الأمريكية في تصاعد بمعدلات مخيفة، وضحاياه في ازدياد مضطرد، الأمر الذي يؤكد أن الحرب التي أعلنها الرئيس بوش للقضاء عليه، وأنفق عليها أكثر من مئتي مليار دولار حتى الآن، لم تحقق أي نجاحات تذكر، بل جاءت بنتائج عكسية تماماً.
إن أخطر ما يمكن استنتاجه من عملية طابا، أن تنظيم القاعدة، الذي يعتقد أنه يقف خلفها، استطاع أن يحقق إنجازات كبيرة من خلالها، أولها أنه قدم نفسه على أنه الوحيد الذي يتصدى للإرهاب الإسرائيلي الرسمي وينتقم لضحاياه من الفلسطينيين العزل، وثانيها كشفه لضخامة التطبيع المصري الرسمي مع الدولة العبرية، حيث فوجئ المصريون أنفسهم بوجود أربعين ألف إسرائيلي على أراضيهم يستمتعون بشمس بلادهم ودفء مياهها وكرم ضيافتها.
حماس لا يمكن أن تقدم على تنفيذ عملية بهذا الحجم ضد الإسرائيليين في شرم الشيخ، لسببين رئيسيين، الأول أنها تحرص على تقديم نفسها كحركة سياسية تتطلع إلى المشاركة في السلطة في حال قيام دولة فلسطينية، وتدرك جيداً أن خسارة مصر الرسمية هي نهاية لهذه الطموحات، والسبب الثاني أن حماس لم تقم بأي عمليات ضد الدولة العبرية خارج الأراضي الفلسطينية المحتلة، ولا تملك الإمكانيات التي تؤهلها لتنفيذ مثل هذه الهجمات وبمثل هذه الضخامة.
عملية فندق هيلتون في طابا تحمل بصمات تنظيم القاعدة، وتتطابق في التخطيط والتنفيذ مع عمليات سابقة مماثلة مثل نسف السفارة المصرية في إسلام آباد عام 1996، والسفارتين الأمريكيتين في نيروبي ودار السلام عام 1998، والهجوم علي مقر القوات الأمريكية في الخبر، وأخيراً تفجير الملهي الليلي في منتجع بالي الشهير في أندونيسيا عام 2002.
تنظيم القاعدة إذا تأكد رسمياً أنه يقف خلف هذه العملية، ربما يريد أن يرد على الاتهامات التي توجه إليه دائما بأنه يذهب لمهاجمة أهداف غير ذات أهمية، وفي أطراف العالم الإسلامي، ويبتعد كلياً عن مهاجمة أهداف إسرائيلية. ويريد في الوقت نفسه أن يعزز شعبيته في أوساط ملايين المحبطين في الوطن العربي من عجز الأنظمة العربية الرسمية ورضوخها للإذلال الأمريكي - الإسرائيلي في فلسطين والعراق. ومن السابق لأوانه الحكم بأنه نجح في تحقيق هذا الهدف، ولكن بعض الدلائل تشير إلي نتائج إيجابية في هذا الخصوص.
شريط الدكتور أيمن الظواهري الرجل الثاني في تنظيم القاعدة الذي بثته قناة الجزيرة قبل عشرة أيام جاء يؤكد استراتيجية التنظيم الجديدة، أي التركيز علي أهداف إسرائيلية، عندما طالب شباب الأمة بالتحرك للتصدي للإرهاب الإسرائيلي، والإقدام علي ضربات استباقية للأنظمة وإعداد العرب حتى لا يفاجأوا باحتلال بلادهم، مثلما حدث في العراق وأفغانستان.
الدكتور الظواهري الذي خطط بنجاح لعملية اغتيال الرئيس الراحل أنور السادات، ونفذ العديد من الهجمات ضد النظام الحاكم في القاهرة، ربما أعاد إحياء تنظيم الجهاد الذي كان يتزعمه، وبدأ حربه الجديدة ضد النظام المصري، والاحتلال الإسرائيلي في الوقت نفسه، مستغلاً حال التحلل التي يعيشها النظام، وتدهور الأوضاع المعيشية للمواطنين المصريين في ظل حكمه.
الدرس الأبرز المستفاد من عملية طابا هو أن حرب الإبادة التي تشنها حكومة شارون ضد الشعب الفلسطيني بدأت تعطي نتائج عكسية تماما، فالفلسطينيون الذين ابتعدوا دائماً، رسميون أو مواطنون عاديون، عن تنظيم القاعدة، لم يحزنوا مطلقاً لعمليته الأخيرة في طابا ولم يتعاطفوا مطلقاً مع ضحاياها، لأن غالبية الإسرائيليين لم تتعاطف مع ضحاياهم الذين سقطوا ويسقطون يومياً برصاص الطائرات والدبابات الإسرائيلية.
الحكومة الإسرائيلية التي رفضت التفاوض مع عرفات، أو الاعتراف بحركة حماس باعتبارها حركة إرهابية متطرفة حسب تصنيفها، بات عليها أن تتعامل الآن مع تنظيم القاعدة الأكثر تطرفاً، واحتمالات تغلغله في أوساط الفلسطينيين.
المجازر الإسرائيلية في الضفة الغربية والقطاع قضت على كل توجهات الاعتدال في صفوف الفلسطينيين، وصبت في خان التطرف، وأعطت تبريرات قوية للجماعات الإسلامية وغير الإسلامية التي ترفض التفاوض مع الإسرائيليين، وتعتبره في المكان الخطأ، ومع الأناس الخطأ، وفي التوقيت الخطأ.
المأمول أن تستوعب الأنظمة العربية الحاكمة التي استمتعت بعجزها، واعتبرته ذريعة للتنصل من واجباتها، درس ما حدث في طابا، وان تتحرك لإنقاذ ما تبقى لها من شرعية في البقاء في الحكم، وقبل أن تجد نفسها تواجه ما هو أخطر وأكثر دموية.
المنطقة العربية باتت تسبح في بحر من الفوضى الدموية، وتتحمل "إسرائيل" والأنظمة العربية مسؤولية هذا الوضع، كل لأسباب مختلفة، وهناك مخرج واحد من هذه الدائرة المرعبة، وهو الإصلاحات، والاستماع إلى أنين المواطنين، ومطالبهم العادلة والمشروعة في تعايش وسلام حقيقيين يقومان على العدالة والمساواة. صحيفة القدس العربي.
* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع