منذ أن هب نحس حكومة فياض اللاشرعية على الضفة والأحداث على الأرض في تسارع وتغير مستمرين بينما كرة ثلج الأوضاع الميدانية تتدحرج من سيء إلى أسوأ ولسان حالها يفصح عن حقيقة قائلة إن…
منذ أن هب نحس حكومة فياض اللاشرعية على الضفة والأحداث على الأرض في تسارع وتغير مستمرين، بينما كرة ثلج الأوضاع الميدانية تتدحرج من سيء إلى أسوأ، ولسان حالها يفصح عن حقيقة قائلة إن كياناً دخيلاً غير شرعي مفروض بالقوة وبلطجة السلاح والاستقواء بالمحتل لا بد أن يفرز واقعاً مأساوياً على مختلف المسارات.
والحالة الأمنية في الضفة اليوم بلغت حداً من التردي غير مسبوق وغدا انتهاك المحرمات الوطنية أمراً عادياً في عرف حكام المقاطعة بعد أن صار أمن الاحتلال يتصدر أجندة عباس بينما تعمل أجهزته على تأمينه بكل ما أوتيت من قوة، وقد تجلى ذلك في مظاهر عدة كملاحقة نشطاء المقاومة وحماية من يضل طريقه من جنود الاحتلال إلى ما يعرف بمناطق السلطة، إضافة إلى القمع الهمجي لكل مظاهر النشاط الحمساوي والاعتداء بالاعتقال والتعذيب على كل من تطاله أيدي أجهزة عباس القمعية في الضفة.
أما من تعجز عصابات الأجهزة ومرتزقتها عن اعتقاله أو (تأديبه) فتقوم بإيكال المهمة لجيش الاحتلال ليتولى اعتقاله في سجونه، كما حدث في أحداث جامعة الخليل وما تلاها، فحين تبين لعصابات عباس أن اعتقال طلبة الكتلة الإسلامية وخصوصاً من ينتسبون منهم لعائلات كبيرة أمر غير متاح لها وقد يكلفها الكثير، سارع جيش الاحتلال لاعتقالهم وكفى عباس وأجهزته مؤونة ملاحقتهم!
وهذا المسلك المشين في التعامل مع قوى المقاومة وفي التماهي مع مصالح المحتل وأمنه حد الانسحاق ليس مستهجناً على الأدبيات العباسية المعروفة، ولعل ما تم الكشف عنه حتى الآن من تسجيلات ووثائق متعلقة بعباس فقط وفي مجال التعاطي مع المقاومين والكيفية التي كان يوجه بها عناصر أجهزته للتعامل معهم تبين بوضوح كيف أن الرجل لم يكن يوماً يلقي بالاً للدم الفلسطيني إذا ما أريق قرباناً للوفاء بالتزاماته تجاه إسرائيل، وأن أولوياته لا ولن تتجاوز حدود حماية أمن المحتل، وتسمين أجهزته لغرض مواجهة حماس فقط وقمع أية بادرة لنهوضها عسكرياً في الضفة، عملاً بما يمليه عليه الجنرال دايتون من توصيات!
وفي مقابل هذه القبضة الحديدية الأمنية على صعيد مواجهة حماس والمقاومة عموماً وهذا الاجتهاد المحموم في سد كل الثغرات التي قد تتيح أي خلل في منظومة جيش الدفاع العباسي الجديد، وإزاء هذا التضخم الملحوظ لحجم أجهزة عباس وأعداد منتسبيها نجد أن الأمن الحقيقي المطلوب في الضفة ليس مفقوداً فقط بل يستمر في التردي من يوم إلى آخر.
وقل ما شئت عن تزايد معدلات الحوادث الجنائية وعن الفلتان الأمني بأشكاله المختلفة وعن قمع الحريات وإغلاق أي منبر يغرد خارج سرب التسبيح بحمد عهد عباس الجديد، وعن قرارات الفصل التعسفي التي تطال من يشتبه بانتمائه لحماس داخل المؤسسات الحكومية المختلفة وخاصة التعليم والأوقاف، عدا عن الإغلاق المستمر للمؤسسات والجمعيات التي لا يوافق خطها متطلبات المرحلة الجديدة في الضفة.
وقل ما شئت أيضاً عن حالة الغلاء الكبير والتلاعب بالأسعار التي تشهدها الضفة رغم كل التوقعات التي كانت تبشر بعهد اقتصادي يتسم بالرخاء بعد رفع الحصار عن حكومة فياض والسماح بتدفق الأموال لها، ولكن يبدو أن ولاة نعمة حكام المقاطعة لم يكتفوا بأن جعلوا مساعداتهم لربائبهم مشروطة وأثمانها باهظة بل حددوا لهم أيضاً وجوه مصارفها، وهذا ما يفسر سبب احتكار الأجهزة الأمنية النسبة الأكبر من ميزانية السلطة منذ تأسيسها وسبب الاستمرار في تفريغ من هب ودب فيها من المنتفعين والمرتزقة ومن يصلحون للاستثمار في تنفيذ المهمات القذرة التي يتطلبها واقع الارتهان المذل الذي عاشته السلطة منذ نشوئها.
وأمام حالة أمنية هكذا حالها ينبغي في المقابل على حماس باعتبارها الطرف الأكثر تضرراً – قديماً وحديثاً – من إفرازات التنسيق الأمني ومن التزامات عباس الأمنية للاحتلال، ينبغي عليها أن تطور تعاطيها مع المتغيرات الجديدة بما يلائم حجم خطورتها وانعكاساتها السلبية ليس على حماس وحسب بل على مجمل القضية الفلسطينية، وينبغي بالتالي ألا تظل شرعية عباس أمراً مسلماً به، ولا أن تظل صفته السياسية محل اعتبار، وهناك مليون مسوغ ومسوغ يمكن تقديمها بين يدي تطور الموقف الحمساوي سياسياً وإعلامياً في التعاطي مع عباس ومنظومته في الضفة، وطالما أن عباس دفع بالأمور نحو مرحلة كسر العظم مع حماس، وفي المقابل نحو الارتماء المطلق في حضن أولمرت، وطالما أن حماس تدفع ثمن هذا الرضا الصهيوني عن عباس من دم أبنائها وأعمارهم فإن الاستمرار في الحديث عن إمكانية الحوار والتوافق هو ضرب من العبث في ظل الواقع الحالي لعباس وسلطته، وإن المطالبة بالرجوع خطوات إلى الوراء أو النزول عن الشجرة – على حد تعبير الرفاق! – ينبغي أن توجه لعباس لا لحماس، بل إن القطيعة مع نظام غارق في وحل التآمر السياسي والأمني فيه مصلحة لحماس وحماية لمشروعها وتمتين لسقفها وتمييز لصفوفها عن الذين لو كانوا فيها ما زادوها إلا خبالا!
* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع