مبدأ ثابت، وليست حالة عابرة

مبدأ ثابت، وليست حالة عابرة

سوسن البرغوتي
2007-09-20

التبدل التكتيكي في المواقف لا يعني التلاعب في الثوابت الأصيلة ولا يبرر إطلاق أحكام عشوائية إن قضية معبر رفح لم تحل حتى هذه اللحظة على اعتبارها قضية سياسية وليست قضية إنسانية كما…

التبدل التكتيكي في المواقف لا يعني التلاعب في الثوابت الأصيلة، ولا يبرر إطلاق أحكام عشوائية، إن قضية معبر رفح لم تُحل حتى هذه اللحظة على اعتبارها قضية سياسية، وليست قضية إنسانية كما يتراءى للبعض، فالملايين من الفلسطينيين محاصرين في الضفة والقطاع على حد سواء، وما يسمى بـ"الشرعية الدولية" لم تحرك ساكناً لفك الحصار، بل على العكس تماماً، فقد ساهمت في توظيفه لاستمرار الضغط، حتى القبول بشروط عباس وحكومته، فما هي تلك الشروط؟.

نستطيع أن نلخصها حسب الأهمية بالأمور التالية نزع أسلحة المقاومة، ووقف إطلاق الصواريخ والاعتراف بـ "إسرائيل" والالتزام بكل الاتفاقيات الموقعة بينها وبين السلطة الفلسطينية، وعودة الأجهزة الأمنية إلى سابق عهدها من الفلتان، وتسليم المقاومين واعتقالهم في غرف التعذيب التي عانى منها الكثيرون من عناصر المقاومة من شتى الفصائل المسلحة الرافضة للتنازل عن حق المقاومة.

نعم هذا هو المطلوب، فهل يمكن اعتبار ذلك شرطاً لتحقيق الوحدة الوطنية،أم هو لإجبار حماس أولاً بدخول لعبة التفريط،وهل يمكن أن تكون هذه الشروط الخارجة عن أمنيات الشعب أسساً للوحدة الوطنية،أم هي في واقع الأمر تكريس للانقسام في الأرض والشعب؟.

إبقاء معبر رفح كنافذة وحيدة لأهل القطاع على الخارج، وبعيدة عن سطوة وسلطة الاحتلال ومراقبته للمقاومين بدخولهم وخروجهم، يشكل عقبة أمام التنسيق الأمني لسلطة عباس وشريكه في المماطلة والتخدير بإطلاق نظرية الوهم.

وهنا لا بد أن نستعرض بإيجاز مفهوم تلك النظرية، ودورها في استمرار "إسرائيل" تنفيذ مخططها التوسعي مع التطهير العرقي. فالوعود البراّقة منذ اتفاقية أوسلو وملاحقها من اتفاقيات لم تتوقف حتى اللحظة، والتي لم يتحقق منها على أرض الواقع أي بند، فالوهم في تقبل الوعود، وإقناع الآخرين بها، على أنها أمر واقع، ومن ثم المتاجرة على أساسها دون التزام جاد من الطرف "الإسرائيلي"، يبقى الوهم مع وقف التنفيذ، والمراهنة على مواصلة التفريط من الجانب الأضعف.

ثمة مطالب أخرى تعمل بجد وإخلاص على ضرورة عودة (رهائن) لممارسة دورهم، وهي لا شك بدافع المساعدة والمساهمة في تثبيت حق عودتهم، ولكن عندما نفكر بالمبدأ وليس الارتهان لحالة فتح والإغلاق المتكرر للمعبر "الرئة" متى أرادوا تضييق الخناق على المقاومة، ومع استمرار تحويل حياة الشعب الفلسطيني في الداخل إلى معتقلات جماعية مفتوحة، مرتهنة بقبول الموجة الثانية من التفريط، يصبح للموضوع أبعاد أكثر من التعنت بإبقاء العالقين بين السماء والطارق.

لا يخفى على أحد أن عباس راعي أوسلو والاعتراف بالعدو كدولة، لن يخسر من موقعه ما قدمه سابقاً، وأولمرت يسعى إلى تأجيل سقوط حكومته من خلال اللقاءات المستمرة مع عباس لترتيب ما يسمى أوراق "لقاء الخريف"!.وبالعودة لنظرية الوهم، فلن يحصل الفلسطينيون على أيّ حق من حقوقهم، خاصة وأن اللقاء المزعوم برعاية حليف "إسرائيل" الاستراتيجي، فالمعبر وسكانه الطارئون قيد المقايضة لكسب عباس وأولمرت امتيازات تمنحهما فرصة أطول لتصدير الوهم.

إن ما عرقل مسار تفاهم الشريكين هو مواصلة إطلاق صواريخ المقاومة، والقضاء على الأجهزة التي كانت تلاحق المقاومين، وتقدم تقارير حول تحركاتهم وأماكن وجودهم، لذلك ما حدث يُعتبر صفعة لصفقة التنسيق الأمني الفلسطيني- "الإسرائيلي"، ورداً قاطعاً على العملاء، ولا أعتقد أن هناك وجهة نظر أخرى تقبل بالعمالة والجواسيس أينما وجدوا، فهم من أكثر المعوقات التي واجهت المقاومة الفلسطينية في مسألة التصدي للعدو.

ولنقل إن العفو العام المبكر الصادر بحق عناصر تلك الأجهزة، لم يكن موفقاً للحسم في تلك القضية، فقد عادوا لتشكيل خلايا سرية، لتقويض الأمن وإفشال بناء هيكل قانوني افتقده الفلسطينيون بسبب الفلتان الأمني، وعودة العشائرية والقبلية للتواجد على ساحة فوضى وفلتان حكم بكل ما في الكلمة من معنى.

الموضوع ليس حماس وفتح، ولهذا لم نسمع أن فتحاوياً شارك بالمواجهة الأخيرة في القطاع، ولكن المواجهة المسلحة كانت نتيجة مؤامرة وليست فتنة، وما أدل على ذلك من موقف هاني الحسن- بالرغم أنه من أوائل دعاة أوسلو- وهو ممن أطلقوا على ما جرى تيار خطة دايتون، بالإضافة إلى رفض فتح الياسر وضباط وكوادر فتح الأحرار للتيار نفسه.

هناك تحركات خفية، والجميع يعمل على التمترس في موقعه، إلا أن ما يجب الالتفات له هو ضرورة وأهمية الالتفاف حول المقاومة التي لم تسقطها الفصائل المسلحة من حساباتها، عدا الجبهة الديمقراطية، وقد اتضح من مواقف نايف حواتمة، أنه يعمل كهاتف عمومي، ومن يدفع أكثر يحصل على تنازلات تمكنه من الحصول على امتيازات، وهي في الواقع شعارات مفرغّة من محتواها.

إذا توصلت الفصائل إلى تفاهم على هذا المبدأ، واستمرت في تشكيل جبهة إنقاذ النضال الفلسطيني، ستكوّن تلك الورقة الوحيدة القوية مقابل تيار الاستهتار بالحقوق والتفاوض بتبادل أراضي وإلى آخر تلك الترهات، وستجعل من قضية معبر رفح ورقة ضاغطة، خاصة أن "إسرائيل" انسحبت من القطاع، ودولياً يعني أنه قطاع محرر ويخضع للسيادة الفلسطينية، وبالتالي فالتنسيق الحدودي عربي، ولا يتبع لمنطق الاحتلال.

المطلوب هو الموقف الثابت والصارم العام، أما الدخول بالتفاصيل والخلافات السياسية، فذلك سيجعل الفلسطينيين منقسمين بين وهم وحقيقة، فأي الخيارين يصب بالمصلحة الوطنية؟.

نسمع الكثير من التصريحات السياسية بين فينة وأخرى، وأحياناً تشتد أزمة الخلايا المقاومة، فتتحول بقدرة قادر إلى خلايا سياسية مأزومة، والفرج يأتي أخيراً بعملية نوعية، لتدحض كل المزاعم حول انقسام الفصائل، وتبقى المقاومة خياراً وحيداً يواجه سياسة عباس ومن دار في فلك تصفية القضية الفلسطينية على أساس دولتين...

شروط السلام "الإسرائيلية" في تبدل وتغير مستمر، وليس لها سقف محدد، فالأوراق الخفية عبر اللقاءات لن تجد طريقها للقبول من الشعب الفلسطيني، لنجد بناء على هذا الوهم، أن غرف البيت الواحد تنقسم، وهنا يجعل من مزاعم عباس غاية في استهبال الشعب الفلسطيني بأن حماس فرضت التقسيم بين القطاع والضفة، فماذا سيكون الوضع لو حدث ورأت هذه الأوراق النور؟.

وقد نجد أن المدينة الفلسطينية الواحدة تنقسم إلى جزء مع الدويلة المسخ وأحياء منها مع الجانب الآخر، ونعيش حالة انفصام من نوع جديد، لم يشهده العالم من قبل، وبناء عليه يكون هذا الجزء أو ذاك خاضعاً اجتماعيا واقتصاديا وسياسياً لجهات متعددة، خلافاً لمفهوم المجتمع الواحد.

بالربط بين الحصار العام والخاص في المعبر، وبين ترحيل أزمات في طريقها للتصعيد على المستوى الإقليمي والدولي، فإن السلطة الفلسطينية تستخدم الحصار الموظف لغرض إبعاد إرادة المقاومة في فرض أجندتها الوطنية، ووسيلة ابتزاز كسابقاتها بالتلويح باللجوء إلى الاستفتاء ووثيقة الأسرى والانتخابات المبكرة، وجميعها مراهنة ومقامرة بمصير القضية الفلسطينية برمتها، وإشغال الفلسطينيين بأمور جانبية تلهيهم عن الاستمرار بالنضال حتى التحرير، مما يرجح كفة تيار الراية البيضاء.

وفق المشهد العام لما يجري في العراق، واحتمال سقوط حكومة المالكي، واستعدادات لخوض غمار الحرب مع سوريا بواقع ضعف "إسرائيلي" عسكرياً وسياسياً داخلياً، ومخاوف من تنامي قوة حزب الله وجدوى صواريخ المقاومة الفلسطينية، فإن تطويق "إسرائيل" من الجبهات الثلاث أكثر مناعة وصلابة، وهذا ما تعمل حسابه "إسرائيل" خاصة أن القوات الأمريكية في العراق متورطة في الهزيمة حتى الثمالة.عندها سيكون الانقلاب على مشاريع أولمرت-عباس مشروعاً ومبرراً.

إن عباس لا يملك مقومات الصمود في الجبهة الداخلية الفلسطينية، وقد اتضح هذا من انهيار أجهزته في غزة، أما في الضفة فالأمور ليست بحال أفضل، وفريقه منقسم على ذاته من منطلق الامتيازات الخاصة، وهم لا يملكون القوة المسلحة التي تأتيهم بموافقة وتخطيط وشروط "إسرائيلية"، والمقاومة بكل فصائلها ما زالت في حالة صمت وتريث حتى الآن.

فهل بدأ الاستعداد لتطويق "إسرائيل" وشركائها بدءاً من غزة وحتى الجولان؟.

لا بد أن تكون نظرة المقاومة تخضع دائماً للبحث عن وسائل للوصول إلى الهدف الأساسي والأسمى، وهو تحرير الأرض، وعودة أصحابها إليها.. وهذا آتٍ طال الوقت أم قصر.

* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع
جميع الحقوق محفوظة لدى دائرة الإعلام العسكري لكتائب الشهيد عز الدين القسام ©2026