صفحة جديدة الاحداث الاخيرة التي تعصف بقطاع غزة و التي لا يمكن الا وصفها بالاحداث الدموية كونها تسببت في استشهاد اعداد كبيرة من الفلسطينيين من خلال عمليات قتل واسعة او ارتكاب مجازر…
الاحداث الاخيرة التي تعصف بقطاع غزة ,و التي لا يمكن الا وصفها بالاحداث الدموية ,كونها تسببت في استشهاد اعداد كبيرة من الفلسطينيين من خلال عمليات قتل واسعة او ارتكاب مجازر او عمليات توغل في عمق الاراضي الفلسطينية .و قد يستغرب البعض من ان تأتي هذه الاحداث الدموية في ظل تسارع الحديث - اسرائيليا - عن الانسحاب من قطاع غزة و الحديث عن استكمال الترتيبات و اللجان العاملة في هذا الشأن . و تبرز هنا تساؤلات كثيرة - في حال افترضنا ان شارون جاد في عملية الانسحاب - لماذا هذا التصعيد الدموي غير المسبوق في قطاع غزة ,و هل يهدف بالفعل الى ازالة الانطباع بانه خرج منها مهزوما كما خرج من جنوب لبنان ...هل تريد الحكومة الاسرائيلية " عصر " قطاع غزة حتى اخر قطرة من اجل ان يشعر المواطنون الفلسطينيون بالاجهاد و الارهاق و الضغط المتواصل بهدف القبول باي شكل من الانسحاب ام تريد الحكومة الاسرائيلية ان تمارس -الجماهير الفلسطينية - الضغط على فصائل المقاومة للتوقف عن العمل المسلح(خصوصا اطلاق الصواريخ و العمليات الاستشهادية ) كي تمنح الانسحاب فرصة التنفيذ .... هل يهدف شارون و حكومته الى "تطويع" قطاع غزة للمرحلة السياسية القادمة ومن خلال استهداف العناصر المسلحة النشطة خاصة حركة حماس التي تعرضت الى اوسع عمليات من التصفية و الملاحقة ... هل يريد شارون ادخال قطاع غزة ضمن لعبته الائتلافية الداخلية لاقناع خصومه داخل حزب الليكود و الاحزاب اليمينية بان ما اقدم عليه شارون من خطة الانسحاب صحيح و يتوافق مع مصالح اسرائيل الامنية و السياسية ؟؟
***استنزاف القطاع
شهدت الاسابيع الماضية مجازر و عمليات توغل و اقتحام واسعة طالت معظم المدن و القرى و المخيمات الفلسطينية وو كان اوسع هذه العمليات ارتكاب المجزرة البشعة في حي الشجاعية و التي راح ضحيتها نحو 15 شهيدا و اكثر من خمسين جريحا , ثم تلاها مباشرة عمليات اقتحام واسعة في شمال قطاع غزة لدرجة ان قوات الاحتلال قاربت بشكل لم يسبق له مثيل من منازل اللاجئين في مخيم جباليا وو قد وقع خلال الاحداث نحو ستة شهداء . و قبلها باسبوع كانت الدبابات و الجرافات الاسرائيلية تقتحم مدبنة دير البلح و توقم بتجريف مساحات واسعة من الاراضي و هدم المنازل فضلا عن سقوط خمسة شهداء . اما رفح فان هدير الدبابات و هدم المنازل فقد اصبحت عادة يومية .و تقول مراكز الحقوق الفلسطينية ان نحو44 مواطنا فلسطينيا قتلوا خلا شهر اغسطس الماضي فيما استشهد نحو 30 فلسطينيا في الثلث الاول من شهر ايلول الجاري
***نظرية جديدة للجيش
يبدو ان رئيس الوزراء الاسرائيلي ارئيل شارون و المؤسسة الامنية تعمل بشكل غبر اعتيادي في قطاع غزة , و تسوق لذلك كثيرا من المبررات اهمها اطلاق صواريخ القسام و الخشية من خروج استشهاديين من القطاع لتنفيذ عمليات داخل فلسطين المحتلة او اطلاق الاكاذيب بان غزة ستتحول بعد الانسحاب الى " بؤرة للارهاب " .و من الواضح ان هناك توجها اسرائيليا " بعقاب " قطاع غزة بشكل خاص و هم يريدون اعادة سيناريو " السور الواقي " مرة اخرى. لقد هدفت العملية المسماة ب"السور الواقي" التي نفذت في شهر نيسان من العام 2002، إلى تحقيق واقع أمني مريح لإسرائيل من خلال تدمير ما أسماه الجيش الإسرائيلي بالبنية التحتية للإرهاب مما يسمح بإنهاء أو تخفيض وتيرة وقوة العمليات الفلسطينية التي تطال الإسرائيليين في الداخل وفي الأراضي المحتلة في العام 1967، وبحسب تعبير رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية أمان اللواء "أهارون زئيفي فركش" "إيجاد أدوات وبنى جديدة لإعادة صياغة قواعد اللعبة في الصدام مع الفلسطينيين لصالح إسرائيل". .المعلق العسكري الاسرائيلي زئيف شيف يشير الى ان جيش الاحتلال يعتمد على نظرية جديدة "في التعامل مع العدو " و يقول "من الممكن التقرير بأن النظرية الأمنية الاسرائيلية تمر بثورة نظرية. التغيرات التي تتعلق بطريقة استخدام الجيش في ارض المعركة الجديدة - تجري بمعزل عن المداولات الجارية في لجنة مريدور التي تبحث في استراتيجية كبرى لاسرائيل. خلاصة الانقلاب تنعكس في قرار التركيز على عامل النيران والتقليل من المناورة على الارض. المقصود هو استخدام النيران الدقيقة وليس النيران الكمية مثل نيران المدفعية المعتادة. من هنا يتبين ان احتلال الارض الذي كان عاملا أعلى دائما سيصبح أقل أهمية. المناورة ستجري على مستوى آخر يزيد من الاستخدام الجوي والبحري ويقلل من اللجوء لوسيلة المدرعات. معنى ذلك تغيير مبدأ هام في نظرية الجيش الأمنية التي نصت في السابق على ان الجيش يسعى لنقل الحرب الى ارض العدو من خلال القوات الميدانية. اليوم أصبحوا يقولون ان نقل الحرب سيتم بواسطة التسلح الدقيق والمحكم.
و يختتم زئيف تحليله بقوله "سيكون هناك من يسألون كيف سيتم حسم الحرب التي يتم التركيز فيها على النيران ولا يوجد فيها تقريبا تقدم الى الأمام واحتكاك بأرض العدو. أولن تنزلق اسرائيل في اطار النظرية الجديدة الى حرب استنزافية ترتكز على النيران المستخدمة طوال مدة زمنية مستديمة وعن بعد، حيث تتضرر التجمعات السكانية المعرضة أصلا للضربات والتي توجد في الحالة الاسرائيلية حساسية عالية لها"؟.
***حسم الصراع
و يمكن القول إن حسم الصراع على نحو شامل في ضوء المعطيات القائمة يبدو صعباً، لكن لمعادلة الصراع بين عدو محتل ومقاومة شعبية عناصر مختلفة، فما دام الشعب قادراً على مواصلة المقاومة ورفض الخضوع لإملاءات المحتل، فإن بالإمكان القول إنه يحقق جزءاً مهماً من أهدافه و التي تتمثل في "استنزاف العدو وإحباط مخططاته في الوصول إلى التسوية التي يريد. شارون اليوم يواجه معضلات كبيرة , قد تدفعه احيانا الى التصعيد العسكري بهدف التغطية عليها .و يقول الكاتب الفلسطيني ابراهيم ابو الهيجا في تحليل له حول اسباب التصعيد الاسرائيلي في قطاع غزة "في الأمن لم يجلب شارون للإسرائيليين سوى المزيد من القتل، وفي الأيديولوجيا أسقط مبرر الاستيطان عندما قرر بذاته خلع مستوطنات غزة، بعدها سقط حزبيا عندما رفض حزبه خطته بأغلبية ساحقة. أما هامشه السياسي فهو يضيق وهو أمام اختبار جلي في الصدق بوعوده التي روج فيها لخطط الانسحاب من غزة. باختصار لقد دقت ساعة شارون الرملية مبشرة بنهاية عهده، ولم يتبق له سوى المزيد من العلاقات العامة وتأجيل الأزمات وتصعيدها للوصول إلى حلول تكتيكية تجاهها. ومجازر رفح و الشجاعية و جباليا و غيرها تأتي في إطار ذلك التصدير للأزمات الذي يهدف إلى لفت الانتباه السياسي وتغيير العنوان الصحفي وتبديل التحالفات وتأجيل الأزمات وإسكات الخصوم. أما حبل النجاة الذي من الممكن أن ينقذه فيتمثل إما في العودة إلى أحضان اليمين، وبالتالي نسيان خططه تجاه الانسحاب من غزة أو تمييعها وفقدانه بالتالي لكاريزما القيادة والمصداقية الدولية، مما سيؤدي غالبا لسقوطه في أي لحظة، أو الهروب لأحضان اليسار الصهيوني والتخلي بالتالي عن رفاقه في اليمين وهذا أيضا سيتطلب خطوات سياسية تفقده اليمين وتؤكد تخليهم عنه وعن زعامته. وفي كل الأحوال شارون تائه مضطرب في الداخل والخارج، وزاد عليه وعلى إسرائيل أن الظروف الدولية التي أتيحت له بعد احتلال العراق هي الأخرى متآكلة بفعل الوقت و تراجع شعبية بوش وسقوط المبررات السياسية والأخلاقية لاحتلال العراق. فقد راهن شارون كثيرا على تحسين موقف إسرائيل التفاوضي عندما طرح خطة الانسحاب من غزة ووجدها فرصة للتخلص من المقاومة وتأكيد الوجود الاستيطاني في الضفة الغربية والقدس. لكن الأمور سارت بما لا يشتهي، والآن أصبح محتما على شارون أن يعيد صياغة مبرراته الحزبية وادعاءاته السياسية وأهميته بالنسبة لأمن إسرائيل أي عليه أن يعيد تعريف وجوده وأهميته كقائد لإسرائيل في خط سياسي واضح يميني أو يساري أو خليط بينهما لا مكان للتلاعب بينهما. في خضم ذلك أتت المجازر الدموية، التي تحمل بصمات شارون بامتياز، لتؤكد للداخل الصهيوني أن ورقة الأمن ما زالت بيده وأنه الأكثر دموية في إنجازها، بما يؤمن استعادته لزمام المبادرة وتأكيد الحاجة إليه كقائد بارع في التنفيذ دون رحمة.اليوم تظن إسرائيل أن بإمكانها المضي قدما في النهج الذي يقول إنه من الضروري التخلص من المقاومة الفلسطينية قبل إخلائها لقطاع غزة، ومادام الأميركان يفعلون ما هو أشد وأنكى في العراق، فلماذا لا تستمر إسرائيل أيضا في المضي في مخطط استنزاف المقاومة وضربها وبالتالي تخليص غزة منها، حتى يستتب الهدوء ويتمكن شارون من تنفيذ الانسحاب بهدوء. لكن الظروف دون شك اختلفت فخطة الانسحاب من غزة لا يمكن أن تبقى قائمة أو تصلح للتنفيذ بعد استفتاء الليكود، الذي أكد على يمينية متعالية على شارون ذاته.
**ورطة اسرائيل تتعمق
وعليه فما جناه شارون من طرحه لخطة الانسحاب كان معكوسا -حسب رأي المؤسسات الأمنية الإسرائيلية- فقد تعزز نهج المقاومة الفلسطينية وارتفعت آمالها، وبالتالي رأت هذه الأجهزة ضرورة التسريع في مجازر غزة بقصد استنزاف المقاومة والتقليل من سقف طموحاتها وتوقعاتها. لكن ورطة إسرائيل في غزة تتعمق كلما توغلت أكثر في ضوء النجاحات التي حققتها المقاومة في بعض العمليات المختلفة وما قبل المجزرة، وبالتالي بدل أن تستعيد إسرائيل الردع، تورطت في أزمة ثقة جديدة وأكدت شكوك اليمين الاسرائيلي من أن الخروج من غزة يسبب مشكلة أمنية ولا يؤدي إلى حلها. وبالفهم المقابل عززت اقتناع اليسار بأن البقاء في غزة سقوط في الوحل، ولذا كانت الوحشية واستخدام المزيد من القوة مقابل كل طلقة مقاومة أطلقت، هي بالأساس محاولة إسرائيلية لإقناع الداخل الصهيوني بالقول (إن الأمور تحت السيطرة). وجنبا إلى جنب مع هذه الخطط تريد إسرائيل الاستمرار في الضربات العسكرية والعدوانية بما يقلل من سقف المقاومة ويسيطر على مصادر السلاح ويستنزف بالتالي المقاومين، وهذا ما سيبقي إسرائيل مستمرة في عملياتها تجاه مخيمات ومدن غزة تحديدا ولكن بشكل متدرج، وقد وجد شارون في هذه الخطط ضالته أيضا أملا في استعادة بريقه السياسي والأمني معها.
*** سيناريو اخر
قد يبدو في الافق سيناريو متوقع اجتياح شامل للقطاع والبقاء فيه لعدة أسابيع على الأقل بهدف التخلص نهائيًا من المقاومة، أو تحجيمها إلى أقل حد ممكن، كما حدث أثناء اجتياح الضفة الغربية فى نهاية مارس وأبريل 2002، ومن المتوقع أن تكون خسائر الطرف الفلسطينى عالية، وستعانى صفوف المقاومة من خلل كبير لفترة طويلة، وتدمير أجزاء لا بأس منها من الإمكانيات والوسائل العسكرية لحركة المقاومة، ولكن قوات الاحتلال ستعانى هى الأخرى من خسائر كبيرة، كما أنه من المستحيل أن تنجح هذه العملية فى إنهاء المقاومة ما دامت روح الإيمان والجهاد باقية. فعملية "السور الواقي" لم تستطع أن تردع الفلسطينيين أو أن تزرع الهزيمة في وعيهم، عمليات أخرى مماثلة أطلق عليها الإسرائيليون تسميات خاصة ك"ربما هذه المرة"، "دواليب الزخم"، "الدرب الحازم"... إضافة إلى أساليب أخرى نفذتها الأجهزة الأمنية والعسكرية الإسرائيلية مع عمليات واسعة من التصفية والاعتقال والحصار وهدم المنازل... إلا أن أي من هذه الأساليب وبالرغم من قوتها ووحشيتها، لم تستطع إيقاف الانتفاضة الفلسطينية والعمليات ، حيث وصلت إسرائيل إلى حائط مسدود بعد استنزاف كافة الخيارات المتاحة التي تملكها ويمكن أن تستخدمها في عملية قمع المجاهدين...
إن الواقع المتردي لدى الدولة العبرية لجهة اليأس من هزيمة الفلسطينيين، وهو واقع يقر به معظم مبلوري المشهد السياسي والأمني الإسرائيلي، فرض على النخب الإسرائيلية البحث عن وسائل أخرى لوقف التدهور الحاصل الذي بدأ يطال البنية الأساسية في الكيان الإسرائيلي, وتتمثل هذه الرؤية فيما يطلق عليه اصطلاحاً ب"خطة الفصل من جانب واحد عن الفلسطينيين لجهة الواقع الاقتصادي والاجتماعي والأزمة الحادة على خلفية الانتفاضة واستمرارها وهو واقع لم يشهد له الكيان الإسرائيلي مثيلاً منذ العام 1953... وبالتالي أعيدت من جديد إلى السجال العام الداخلي، رؤية متجددة تتعلق بالهروب إلى وضع مبادر إليه من قبل الكيان تجاه الفلسطينيين تعيد خلط الأوراق وتحاول ملامسة واقع أكثر أمناً وأقل إرهاقاً ".
المشكلة التي تعترض المؤسسة السياسية والأمنية الإسرائيلية، هي أن الخيارات المتاحة لهزيمة الفلسطينيين هي خيارات محدودة وغير ناجعة، وبالتالي فإن الأمور تتجه بها قسراً نحو تنفيذ الفصل الهروب، مهما كان نوعه وشكله، وهو أمر محظور وخطر على كامل البنية السياسية والأمنية الإسرائيلية. نقلا عن جريدة الرسالة
* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع