لم يكن القرار العباسي الأخير القاضي بتجريم أفراد القوة التنفيذية وسجنهم مدة سبع سنوات غريبا أو غير متوقع رغم أن القرار متعلق بالضفة الغربية وليس بغزة التي لا يملك عباس أية سيطرة…
لم يكن القرار العباسي الأخير القاضي بتجريم أفراد القوة التنفيذية وسجنهم مدة سبع سنوات غريباً أو غير متوقع رغم أن القرار متعلق بالضفة الغربية وليس بغزة التي لا يملك عباس أية سيطرة عليها، ورغم أنه ليس ثمة وجود لشيء اسمه (القوة التنفيذية) في الضفة، ولا يمكن لعاقل أن يصدق أن حماس تسعى لإنشاء جسم كهذا في ميدان لا تملك فيه سيادة أمنية بسبب الاحتلال الذي لا يتيح التحرك الآمن إلا للعناصر المسلحة المحسوبة عليه بشكل أو بآخر!
وعدم الاستغراب من قرار عباس وحكومته الطارئة في رام الله مرده ليس وجود اعتبارات معقولة يمكن أن تسوغ القرار بل اليقين بأن ( أدوات الاحتلال) في كل زمان ومكان لا يمكن أن يصدر عنها إلا ما هو شاذ وغير طبيعي ولا يمكن أن يتوقع منها إلا كل مسلك خارج عن إطار الخلق الوطني السليم!
غير أن الحالة الفلسطينية لها خصوصية أن شركاء المحتل فيها أجبن من أن يعلنوا أجنداتهم على الملأ أو يجاهروا بحقيقة الدور المناط بهم والخانة التي وضعوا أنفسهم فيها، وليس هذا فحسب، بل إنهم ما زالوا يستمرؤون مهنة التضليل التي برعوا فيها عبر استمرار ادعاء الانتساب لمشروع التحرر الوطني! على الرغم أن التصنيف الحقيقي لهم لا يمكن أن يكون إلا في خانة العداء لهذا المشروع.
وإن كان من نافل القول التأكيد على حقيقة أن ضرب حماس وإقصاءها هو مصلحة إسرائيلية فتحاوية مشتركة، فإن الحقيقة الأبعد من ذلك تقر بأن فتح ممثلة بقيادتها الحالية باتت هي الرهان المعول عليه صهيونياً لضرب حماس، ليس فقط لكونها المنافس لفتح بل أيضاً كمشروع مقاوم يراد له أن يظل في دائرة الإنهاك المستمر.
أما كل ذلك الصراخ الفتحاوي الحاد الذي لا يفتأ يجتر تلك الشعارات الممجوجة حول الدولة والتحرير حيناً وحول (الانقلاب على الشرعية في غزة حيناً آخر) فهو ليس سوى محاولة للهروب للأمام من الواقع المتردي لفتح والذي أجزم بأنه لا يشرف من يمتلك ذرة إحساس وطني نقي!
ورغم أن هذا الاستهداف الفتحاوي الرسمي للمقاومة ليس مستجداً بل كان هو دأب كل حكومات فتح السابقة لانتخابات التشريعي الأخيرة، إلا أنه هذه المرة يتخذ أشكالاً من الانحراف غير مسبوقة وترافقه حملات تدليس وتضليل إعلامية غير مسبوقة أيضاً مع أن هذه الأخيرة لا تنطلي إلا على أصحاب العقول الضحلة أو أولئك الذين لا يناسبهم إلا التصفيق لروايات حكومة عباس وقراراته الأمنية إما لأنهم منتفعون أو لأنهم مصابون بمرض التعصب العضال لفتح، وتأخذهم العزة بالإثم حداً لا يدركون معه أن العيش على أحلام فتح الـ 65 وشعارات مسيرتها الأولى ما عاد مجدياً أمام واقع فتح الجديدة بعد كل تلك المياه التي جرت من تحت جسورها عبر تلك السنين فجرفت معها ما جرفت من بذور نماء حقيقية وأبقت ما أبقت من رواسب لا تصلح للبناء أو الاستثمار!
ما كان يجري خلال السنوات الفائتة أنه كان يتم استهداف المقاومة تحت يافطة ( التصدي لمحاولات تخريب المشروع الوطني) وقد تم تحت هذا المسمى اعتقال الكثيرين من كوادر حماس والجهاد وملاحقتهم وحتى اغتيال وتسليم بعضهم، وكانت الحجج حاضرة حينها لدى مخبري أوسلو ومنظريها على حد سواء، وانطلت تلك الحجج على من كانوا يمنون أنفسهم بأن الاحتلال سيمنحهم حقاً دولة ذات سيادة إذا ما نجحوا من طرفهم في سداد الواجب المستحق عليهم بإزاحة (المعيقات) من درب مشروعهم.
لكن ما يجري اليوم هو تطور في غاية البشاعة في استهداف حملة المشروع المناوئ لمخطط دايتون ولحكومة عباس، وجرياً على عادة أمريكا التي خاضت كل حروبها الأخيرة تحت ذرائع كاذبة لم تلبث أن انكشفت فإن حال حلفائها أو أدواتها في فلسطين وفي أي مكان لن يتجاوز حدود محاكاة النموذج الأمريكي عبر استباق كل حملات التصفية بسلسلة لا تنتهي من الذرائع الكاذبة، وترجمة ذلك شهدناها جلياً في تلفيق التهم والافتراءات المكذوبة بحق نشطاء حماس في الضفة واعتقال شبابها بدعوى عملهم ضمن صفوف التنفيذية، ثم انسحاب الأمر على الجامعات الفلسطينية بهدف التضييق على الكتلة الإسلامية والسعي لحظرها، واعتقال الإعلاميين من المقربين للحركة بعد تلفيق تهم شتى لهم، والهدف بطبيعة الحال هو سعي عباس وأجهزته للإجهاز على أية بادرة حمساوية للنهوض بالمقاومة في الضفة مستفيدين هنا من نهج الاحتلال الذي دأب منذ سنوات على توجيه ضربات اعتقال استباقية لحماس تتركز ليس فقط على كوادرها السياسية بل أيضاً على الطليعة التي يتوقع أن يكون لها مستقبل على صعيد إعادة بناء الجهاز العسكري في الضفة.
وما من شك بأن النظام العباسي يسعى لأن ينفذ دوره في مخطط إنهاك المقاومة دون ضجيج سواء عبر ملاحقة الإعلام المضاد له أو بتصدير أزمته الأخلاقية نحو غزة وافتعال أزمات يومية هناك تصرف الأنظار عما يجري في الضفة من جهة وتبقي على النفس التحريضي مشتعلاً داخل الصفوف الفتحاوية من جهة ثانية، وتساهم في التمهيد والتسويغ لأية ضربة صهيونية كبيرة قادمة للقطاع تراهن عليها قيادات فتح حاليا.
ورغم أن عباس لم يخف يوماً عداءه للمقاومة المسلحة وكان يجاهر هو وبعض مستشاريه بضرورة ملاحقة نشطائها إلا أن حاجته اليوم تزداد للإبقاء على أكبر قدر من القاعدة الفتحاوية إلى جانبه خاصة مع هذا الحد الذي وصل إليه في الارتهان لإرادة المحتل وبعد أن غدا ورقة أمريكا الأخيرة في فلسطين، ولهذا فإن الاستهداف المكشوف للمقاومة لا يناسبه خلال هذه المرحلة ولذلك لا بد له ولمنظومته من اعتماد الدعاية الكاذبة كمسوغ لتبرير استهداف حماس سواء في الضفة عبر اعتقال النشطاء والعمل على تضييق الخناق على نشاطها، أو في غزة عبر التواطؤ في إحكام الحصار وتحريض الدول العربية المحيطة والاتحاد الأوروبي بشكل مستمر على حماس.
ولهذا وجدنا نظاماً في الضفة لا يتقن غير الكذب ويمارسه بوقاحة بالغة، ووجدنا صداه ماثلاً في الصفوف الفتحاوية التي تترجمه تعبئة حاقدة وهجمات مادية على حماس تنفذ دون أدنى وازع من ضمير ودون أن يستدعي ذلك انتقاداً واحداً من أي مستوى داخل منظومة فتح الإعلامية وما يدور في فلكها من ناطقين وكتاب وصحفيين.
ولكن رغم كل ذلك.. فلعباس أن يغرق حتى الحد الذي يشاء في وحل مخطط التصفية بنسخته الدايتونية الجديدة، ولوزراء حكومته الكذبة المدلسين أن يتفننوا في التضليل بالقدر الذي تسمح به ضمائرهم الرديئة، ولأجهزته أن توغل في دم الأحرار وسمعتهم كما تريد، ولزعرانه في الحارات أن يفجروا في ممارسة فنون البلطجة الشوارعية كما شاؤوا أيضاً، غير أن هذا كله لن يصمد لحظة واحدة حين يصل تمايز الصفوف مرحلة اللاعودة، وحين تدور على البغي والباغي الدائرة الأخيرة!
* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع