حين أقامت فتح نظامها الوهمي في فلسطين عقب أوسلو كان هامش الخداع والتضليل السياسي كبيرا لم تكن اللقمة كبيرة حقا حين تقاس بحجم ما قدمه الشعب الفلسطيني من تضحيات عبر عصور نضاله وجهاده…
حين أقامت فتح نظامها الوهمي في فلسطين عقب أوسلو كان هامش الخداع والتضليل السياسي كبيرا. لم تكن اللقمة كبيرة حقا حين تقاس بحجم ما قدمه الشعب الفلسطيني من تضحيات عبر عصور نضاله وجهاده؛ لكنها كانت كبيرة شكليا على مستوى "الانجاز" وفق الصورة الإعلامية التي رسمت في حينه. كانت السلطة تكسب الصلاحيات على الملفات المدنية ملفا ملفا؛ وكان يرافق كسب كل ملف منها احتفال. كانت مديريات الوزارات ترفع العلم واحدة بعد أخرى وكانت الأناشيد الوطنية ترافق هذا التحرير العمودي لبعض مؤسسات بعض فلسطين. انتشى البعض وصدق أن البندقية الشريفة المقاتلة عادت لتستكمل المهمة من داخل الوطن؛ وضلل البعض وخُدِع ببريق التحرير الوهمي. صدق كثيرون ما قاله بعض تجار الوطنيات في فتح "لو كانت بيروت مدينة فلسطينية ما خرجنا منها"؛ ونسي الجميع أن البندقية العائدة كانت "ام 16" الأمريكية المفرغة من الرصاص والتي فحصها ضابط ارتباط صهيوني؛ ولم تكن بندقية "ايه كي 47" أو "كلاشنيكوف" التي قاتل الفلسطينيون بها في بيروت. أما باقي القصة فمعروف كان التحرير كما تقدم عموديا لبعض مؤسسات بعض فلسطين؛ ولم يكن أكثر جدية من لعب الأطفال. ليس فقط لأن التحرير لم يكن حقا يشمل الأرض والشعب والسيادة؛ وليس لأن "إسرائيل" كانت تأخذ وتسترد وتعطي ما تشاء أنى تشاء كيف تشاء؛ بل لأن "إسرائيل" لم تخرج إلا بعد أن تأكدت أن من استلموا الأمن تجار مخدرات؛ وأن من استلموا المخابرات عملاء يتجسسون على الشعب الفلسطيني؛ وأن من استلموا الإدارة فاسدون مرتزقة مرتشون يفاوضون حتى على أمهاتهم إن كان السعر جذابا. أما من عصمه الله من أبناء هذا الفريق من الدنس الكامل والوسخ المطلق فقد كان مقيدا بشروط وضوابط تغل يديه ورقبته وأفراد أسرته كيف لا وعيشهم ومعاشهم من مال لا يمر إلا عن طريق اللصوص؛ ولا يدفعه الأوروبيون إلا لمن أطاع وأجاب؟ ترى؛ من كان يصدق أن شخصية اعتبارية نضالية لا غبار عليها مثل محمد داود "أبو داود" – الاسم الذي أعطى فتح أقوى عملياتها الفدائية – تسأله حماس أن يكشف كل ما عنده بخصوص ملف يدين أحد المشبوهين من قادة فتح بالعمالة فيرد معتذرا أن فتح تمسكه من ذراعه التي تألمه؛ ولا تكون تلك الذراع إلا وظيفة ابنه في السلطة وراتبه من هذه الوظيفة؟
هذه المقدمة التي استغرقت حيزا من الموضوع ضرورية حتى نؤسس لأرضية المشهد جيدا. أما ذلك الجانب في العنوان والذي يعالج قضية تجفيف المنابع وتقليد نظام فتح لتونس في هذا الباب فمرده خبر اليوم عن قرار حكومة فتح حظر أكثر من مائة مؤسسة خيرية في فلسطين بحجة "مخالفتها للقوانين". فتح التي قلنا مرارا أنها بدأت من أسوأ ما وصل له أسوأ الأنظمة العربية في كل مبحث؛ وهوت باسم فلسطين إلى مؤخرة كل المسابقات والمقارنات – إن في محاربة الفساد أو الشفافية أو غيرها من مقاييس عظمة الأمم والدول في هذا العصر – فتح هذه قررت أن تلجأ لحيلة أكثر النظم العربية كراهية من شعبه. دعك من الاستهبال الذي مارسته مراسلة الجزيرة في تقريرها صباح اليوم وهي تقول أنها لا تستطيع الجزم بأن حماس هي المستهدفة من القرار؛ فالعملية من الواضح أنها يراد بها ضرب العمل الخيري الإسلامي؛ وضرب هذا العمود الأساسي من أركان الدعوة الإسلامية في جمع الزكاة والصدقات وتحويلها للمحتاجين في فلسطين. إن فتح تعرف أن المؤسسات الخيرية تنفق على الفقراء ولا تجني منهم أرباحا؛ وهي لا تريد بهذه الضربة إلا تحطيم المجتمع المسلم في فلسطين وتشويه صورته وزرع موت الضمائر فيه؛ فتنقطع حبال الود بين المقتدرين من أهل الله في فلسطين وخارجها والمستضعفين الفقراء والمعوزين في أكناف بيت المقدس. وكل حجج فتح عن استخدام المال الخيري في الدعاية السياسية رد؛ لأن احدا لا يستخدم المال في شراء الأصوات والمواقف مثل فتح – آخرها 300 "شيكل وطني جديد" ثمن حضور الفرد صلاة الجمعة في الميدان العام في غزة - ولأن أحدا لم يحصد جراء هذا كله الهزائم المنكرة في كل محفل مثل فتح!
ترى هل جرب أي من أذناب الصهاينة الحرمان والجوع والقلة وشظف العيش والحياة على راتب الجمعية الخيرية الضئيل؟ لو جربوا ذلك لقدروا حجم الجائحة الصادمة التي حلت بفقراء فلسطين عبر قرارهم الوحشي.
هذه هي إذا سياسة تجفيف المنابع وقتل الجذور؛ وهذا هو "أحسن" ما تعلمه الفتحويون من إقامتهم في تونس. لن أخوض الآن في كيف أن سياسة تجفيف المنابع لا تنجز على المدى الطويل حتى في بلد المنشأ. فتونس الثعالبي وابن عاشور تعود للإسلام رغم أنف " شَيْنِ الجاحدين" لظروف وعوامل عدة أولها بديهي يتعلق بطبيعة هذا الدين الفطري؛ وقرب هذا الدين للإنسان أكثر من قرب نفسه إلى نفسه. هذا مع العلم أن تونس مضت بعيدا وتعدت حظر العمل الخيري إلى ما يشبه حظر الصلاة وحظرت الصيام فعلا والحجاب.
أما فلسطينيا؛ فإن عوامل النجاح النسبي المؤقت لسياسة تجفيف المنابع في تونس غير متوفرة في فلسطين أبدا. فإن كانت لقمة التحرير الأوسلوي الوهمي العمودي – لا الأفقي على الجغرافيا والشعب – لقمة لا تسمن ولا تغني من جوع فإن سياسة التهجير القسري للتونسيين من دينهم وعقيدتهم كانت ثمنا لصحن دسم اسمه تحرير تونس واستقلالها استقلالا تاما. فالهالك الحبيب بورقيبة قدم هذه الورقة لفرنسا التي اطمئنت إلى أن مشروعها في ضرب الثقافة الإسلامية في البلد الذي صد أحد آخر الحملات الصليبية مستمر؛ ولذلك أعطت "بلاد الغال" من عندها ورقة ثقيلة في المقابل وهي الاستقلال الوطني الكامل لتونس. فأي ورقة سيربحها عباس أو فياض أو المالكي أو أي من الأسماء القبيحة الأخرى ليتم تسويق طغام ورغام فتح بين الفلسطينيين؟ بأي شيء سيسدد هؤلاء ثمن تجريم المقاومة وثمن تجفيف المنابع؛ وثمن التنازل عن الكفاح المسلح والتنازل عن الثوابت الفلسطينية؛ وثمن تقبيل أقدام أولمرت؛ وثمن الاسقاط والخيانة والتبني الكامل لرؤية "كاديما"؟ حتى لو قامت إسرائيل بمنح فتح كل ما أعطته أياها من مال وسلطة موهومة في سني التسعينات العجاف فلن يكون هذا عدلا ولا بكبيرة واحدة من كبائر فتح 2007؛ فكيف لو كان أعلى سقف ترجو فتح طرقه الآن من إسرائيل أوطأ من سقف أوسلو 1993 بكثير؟
لقد بطل السحر يا فتح؛ ولن يكون بوسع رفع العلم الفلسطيني على بلدية قرية أو مدينة في فلسطين دغدغة مشاعر موهومة تجعل الفلسطيني يخدع نفسه سنين عددا أخرى. والفلسطيني الذي يقف الآن بين يدي انتفاضة الأقصى؛ وبين يدي تجربة قوية وحامية وطازجة في غزة – إن بخصوص التحرير أو التطهير – سوف لن تذهب ببصره "مازات" سكارى المقاطعة؛ ولن تضل بوصلته عما يصح وعما لا يصح؛ ولو هرَّجت لذلك كل وسائل إعلام فتح!
لذلك كله نقول لعباس وصحبه استمتعوا قليلا. أمامكم فترة زمنية من أسابيع وأشهر تبلغون فيها نهاية الأرب في الخيانة والتفريط. لكن حين يتأذن رب العزة وتحين ساعة الحقيقة – إن بصاعق من داخل فلسطين أو بصاعق اقليمي – فلا تلوموا إلا أنفسكم. وحينها تذكروا أنكم أنتم من حدد شكل العقوبة التي ستحل بكم إن شاء الله تحقيقا لا تعليقا.