رأس المقاومة مطلوب في الخريف

رأس المقاومة مطلوب في الخريف

حسن القطراوي
2007-08-25

السياسة الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط ليست عفوية ولا تؤخذ الأمور في واشنطن على عواهنها كما أنها لا تعتمد على أساس ردات الفعل هي بلا شك سياسية مدروسة ويقرها كبار صناع القرار الأمريكيين…

السياسة الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط ليست عفويّة ولا تؤخذ الأمور في واشنطن على عواهنها كما أنها لا تعتمد على أساس ردات الفعل، هي بلا شك سياسية مدروسة ويُقرها كبار صناع القرار الأمريكيين معتمدين على دراسات إستراتيجية يُدفع من أجلها ملايين الدولارات وربما مليارات، لذلك فإن دراسة السياسة الأمريكية في المنطقة يجب أن تعتمد من قبل السياسيين العرب والمسلمين خصوصاً الفلسطينيين على شيء من الجدية والتعامل معها بشيء من الاهتمام ودراستها بكل جوانبها للتعرف على ما وراءها والهدف التي تنشده الولايات المتحدة من خلالها.

مؤتمر الخريف الذي دعا إليه الرئيس الأمريكي له أهمية خاصة ويأتي في توقيت مرعب ومخيف وله دلالات سياسية ذات أجندة أمنية بحتة فالتعثر العسكري الأمريكي في أفغانستان والذي بدا واضحا مؤخراً بعد الإعلان السابق لطالبان عن تكثيف عملياتها العسكرية ضد الوجود العسكري الغربي في بلادهم في الربيع وهو ما حدث فعلا ومازال يؤدي إلا خسائر كبيرة في صفوف الغربيين على حد سواء خصوصًا الجنود الأمريكيين وسيطرة المقاتلين على أجزاء كبيرة من أفغانستان يقلق الأمريكيين على وجه الخصوص.

 ثم إن الخسارة العسكرية البطيئة التي يواجهها الجنود الأمريكيون في العراق أيضاً نتيجة العمليات الفدائية التي يقوم بها المقاتلون الإسلاميون والتي تصل إلى معدلات قياسية في اليوم الواحد هي أشد ما يؤرق القيادة الأمريكية في العراق وهناك أيضاً في واشنطن، ناهيك عن البرنامج النووي الإيراني والذي يسبب معضلة كبيرة للأمريكيين والإسرائيليين وبعض العرب المعتدلين على حد سواء لما قد يحققه في المنطقة من توازن للقوى في ظل التفوق العسكري الإسرائيلي الواضح على كل دول الشرق الأوسط وبعض دول آسيا وهو الأمر الذي لن تقبل به أمريكا بحال من الأحوال وهو ما يفسر القرارات المتتالية من العقوبات التي تبناها مجلس الأمن على إيران بضغط مباشر من الولايات المتحدة الأمريكية وهو ما يفسر أيضاً سر الصفقة الأمريكية الإسرائيلية التي لم تشهدها إسرائيل منذ نشأتها والتي تقدر بثلاثين مليار دولار موزعة على عشر سنوات 60% منها للأغراض العسكرية والباقي للأغراض الاقتصادية.

أما فيما يتعلق بالقضية اللبنانية فإن واشنطن لن تتردد في دعوة من تسميهم القادة اللبنانيين المعتدلين لحضور مؤتمر الخريف لزيادة الضغط على حزب الله صاحب الرأس المطلوبة للقطع في الخريف وعلى طاوله مؤتمرهم، لإضعاف سوريا صاحبة الذراع الطويل في قلب لبنان والمتمثل في حزب الله لأجل قضمها وسهولة هضمها والتضييق عليها وإرغامها على الاستسلام للإرادة الأمريكية في المنطقة.

اليوم باتت الأمور مكشوفة فيما يتعلق بكماليات المؤتمر أما عن جوهرياته فالمطلوب رأس المقاومة في فلسطين بشكل خاص لما تشكله من خطر استراتيجي على وجود الدولة الصهيونية بالمسمى الذي ندركه وتعمل من أجله أمريكا واللوبي الصهيوني فيها والذي يشكل ورقة ضغط على صناع القرار في الولايات المتحدة الأمريكية، ولاشك بأن أمريكا وحلفاءها في الداخل الفلسطيني لم يدخروا جهداً من أجل القضاء على حماس سياسياً واقتصادياً حيث لم يسبق في التاريخ بأن قامت دولة بانتخابات شفافة وديمقراطية شهد العالم لها بمن فيهم أمريكا وإسرائيل ثم فرض عليها حصار لديمقراطيتها وشفافيتها، الأمر لا يعقل في الظاهر لكنه عادي وبسيط فقد سبق وان فسرته وزيرة خارجية إسرائيل حين قالت بأن الديمقراطية ليست ماكينة غسيل تنظف من يصل إلى الحكم من الإرهاب، بمعنى أنها تقصد الأيديولوجيا التي يقوم عليها فكر حماس والثوابت غير القابلة للتفريط في قاموسها فمنذ أن وطئت أقدام حماس السلطة في فلسطين ووضعت الشروط الإسرائيلية والتي تحولت لشروط دولية تبنتها الرباعية ورفضتها حماس بدأ العمل الجاد حينها من أجل إسقاطها اقتصادياً وسياسياً من السلطة بكل وضوح في مدة أقصاها ثلاثة أشهر بالاشتراك مع الداخل الفلسطيني الموالي لأمريكا وإسرائيل والخارج العربي والإسلامي الموالي لهم أيضاً وحين فشلوا جميعا في إسقاط حماس من الحكم في فلسطين بدأ التفكير الجدي بإسقاطها عسكرياً عبر دعم طرف على آخر وعلناً من خلال دعم أجهزة السلطة الموالية لحركة فتح التي تحولت إلى المعارضة بالسلاح والأموال المشروطة رغم حصارها غير المسبوق للفلسطينيين بمنع الدعم الدولي والذي يشكل الوسيلة الوحيدة لاستمرار عمل السلطة بل تعدي الأمر إلى تهديد البنوك إن هي تعاملت مع أي حكومة تديرها حماس الأمر الذي زاد من الاحتقان في الشارع الفلسطيني المحتقن أصلاً من تبعات الحصار حتى تحول الاحتقان إلى اقتتال فلسطيني فلسطيني لم تشهده فلسطين من قبل أدى في النهاية إلى سيطرة حماس على غزة بالكامل وهو ما نتج عنه حالة الانقسام الحاصلة بين شقي الوطن.

اليوم بات مؤتمر الخريف والذي أُريد منه أن يكون مدخلا لعملية سلام قادمة مطلباً أمريكاً بقدرة قادر لذر الرماد في العيون ليس إلا، فمسلخ الخريف ليس للسلام بتاتاً، بل هو مدخل للنيل من رأس المقاومة في المنطقة فحماس بالفعل أصبحت خطراً حقيقيا على المشروع الأمريكي والإسرائيلي في المنطقة يتساوق معها حزب الله وسوريا وإيران، فكان مؤتمر الخريف، هذا المؤتمر له استحقاقات بدون أدنى شك مطلوبة من الحضور الكريم، هذه الاستحقاقات على رأسها ضمان بقاء إسرائيل كدولة يهودية في المنطقة.

هذا الضمان يتطلب وقوف المعتدلين بالمنطقة إلى جانب أمريكا وإسرائيل في المنطلقات السياسية التي ترسمها الدولة الأعظم في العالم على طريقة "من ليس معنا فهو ضدنا " كما سمعناها قبل حربي أفغانستان والعراق لذلك فإن الحرب القادمة ستشهد تغييراً في المنطقة لكنه ليس محسوماً لطرف على آخر ولن يكون القادم سهلاً فأمريكا تدرك معاناة وجودها في كل من أفغانستان والعراق وبأن الأمور ليست في صالحها بحال من الأحوال لكن التغير السريع في المنطقة لصالح أعدائها والشعبية والالتفاف الذي باتوا يتمتعون به شكل قلقا غير مسبوق للوبي الصهيوني هناك في واشنطن خوفاً منهم على اندثار يهودية إسرائيل و " صهيونيتها " وهو الأمر الذي لن يقبل به هذا اللوبي الحليف لبوش بحال من الأحوال.

* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع
جميع الحقوق محفوظة لدى دائرة الإعلام العسكري لكتائب الشهيد عز الدين القسام ©2026