يوجد استياء كبير يسود الشارع الفلسطيني بخصوص انسداد آفاق الحوار بين فتح وحماس وغزة ورام الله ويتمنى الكثير أن ينجلي المشهد السياسي عما قريب عن حوار بناء وجاد بينهما خاصة أننا أمام…
يوجد استياء كبير يسود الشارع الفلسطيني بخصوص انسداد آفاق الحوار بين فتح وحماس وغزة ورام الله, ويتمنى الكثير أن ينجلي المشهد السياسي عما قريب عن حوار بناء وجاد بينهما خاصة أننا أمام استحقاق مهم جدا ألا وهو المؤتمر الذي دعا إليه الرئيس الأمريكي جورج بوش والذي يتطلب أن يذهب الفلسطينيون إليه موحدين لا متدابرين , ذلك لأن عباس لو ذهب لهذا المؤتمر دون التسلح بالوحدة الوطنية سيواجه الضغوط وحيدا وضعيفا ومعزولا وهذا من شأنه في نهاية المطاف أن يفرض عليه وعلى الفلسطينيين تنازلات تاريخية مؤلمة هي بدورها ستزيد من الصراع بين قوى المجتمع الفلسطيني.
إن المتابع لما يجري وخاصة بعد زيارة عباس لمصر يستشف بأن عباس لم يعد يكترث بدعوات الحوار التي تطلقها مصر والسعودية والقوى الفلسطينية الأخرى بين الفينة والأخرى لرأب الصدع بين فتح وحماس تمهيدا للمؤتمر الدولي وكما تناقلت وكالات الأنباء إن الرئيس عباس لم يتجاوب مع دعوة الرئيس المصري له لإجراء حوار مع حماس واقترح مبارك أن تقوم مصر بتسلم المقرات الأمنية من حماس تمهيدا لتسليمها للسلطة ولكن مع وجود ضمانات بعدم عودة الانفلات الأمني والفساد وتطبيق مبدأ الشراكة السياسية, وكان أن طلب عباس مزيدا من الوقت لدراسة هذا الأمر وهو يرقى إلى الرفض المؤدب للاقتراح. وهذا مقترح حسب تقديري صائب ويشكل بداية جيدة لكسر الحلقة المفرغة التي يدور فيها المجتمع الفلسطيني منذ وقت طويل وهذا الرفض سيجعل عباس يذهب منفردا معزولا ودون دعم عربي إلى المؤتمر والنتيجة لا يصعب تخيلها.
يبدو لي أن عباس يعتمد الآن وبشكل تام على الدعم الأمريكي والإسرائيلي له ويعول عليه كثيرا لدرجة أنه لم يعد يلقي بدول الجوار العربية التي كان يحرص على التنسيق معها . ربما ظن بأن الدعم الأمريكي له يكفي ويغنيه عن دعم الدول العربية مقتنعا بأن واشنطن في النهاية هي سيدة العالم وهي التي تملك أوراق اللعبة كاملة وهي أيضا سيدة الزعماء العرب, لذلك فإنه إن عمل مباشرة مع واشنطن فهو أفضل له وما علم أن الموقف العربي وان كان هزيلا سيساعده في الصمود أمام الضغوط الأمريكية والإسرائيلية وأن جود العرب حتى في ظل هذا الوضع الرديء أفضل له من أن يذهب منفردا وأن يعول على واشنطن وحدها.
لا أريد أن أستنتج بأن الرئيس عباس قد قرر الذهاب إلى المؤتمر الدولي لأنه قد قرر أن لا يقول لا لأي عرض تتقدم به أمريكا إليه، وتاريخ الرجل مع الإسرائيليين والأمريكيين يخلو من استخدام كلمة لا , كما كان يفعل الرئيس عرفات الذي كثيرا ما رفض بل وقاوم مقترحات كانت تنتقص من حقوق الفلسطينيين في القدس وحق العودة ودولة فلسطينية في حدود الأرض التي احتلت عام 1967.
السؤال الذي يطرح نفسه الآن هل يستطيع عباس الحصول على أكثر مما رفضه عرفات؟ أم هل قرر القبول بما رفضه عرفات؟
الإجابة واضحة ولا تحتاج إلى جدل, ذلك لان الأمريكيين لن يعطوه أكثر مما عرضوا على عرفات خاصة أن هناك تغيرات حدثت منذ لقاء كامب ديفيد بين عرفات وايهود براك وكلينتون لغير صالح القضية الفلسطينية , ومن أسوأ ما حدث هذا الانقسام الداخلي الخطير.
كما إنني أتساءل على ماذا يعتمد عباس في المفاوضات للحصول على الحقوق الفلسطينية؟
حقيقة, إن عباس الآن هو في أسوأ وأضعف حالاته وهكذا وضع لا يسمح له بانتزاع أدنى الحقوق للفلسطينيين ولقاءاته مع أولمرت تشي بذلك، فلقاؤهما الأخير تحدث عن إزالة الحواجز. وهل يجتمع الرؤساء للحديث في إزالة الحواجز؟ أم هذا ما يمكن مناقشته ؟ يبدو أن هذه هي الأمور المطروحة للنقاش والمفاوضات خاصة وأن ايهود براك قال لصحيفة هآرتس بأنه لن يكون هناك حل للقضية الفلسطينية قبل خمس سنوات ورفضت وزيرة الخارجية الإسرائيلية ليفني مناقشة قضايا الوضع النهائي مع الفلسطينيين ووزيري الخارجية المصري والأردني وتكرر وزيرة الخارجية الأمريكية باستمرار وفي كل مناسبة أنه لم يحن الوقت لحل الصراع العربي الإسرائيلي.
أود أن أؤكد على أن دعوة بوش هي فرصة تفرض على عباس من موقع مسؤوليته أن يتفاوض مع حماس, خاصة أن مطالب حماس لا تعتبر تعجيزية كمطالبه وشروطه وخطواته.
يحزنني أن أقول بأن عباس قد قرر منذ أمد بعيد أن لا حوار مع حماس وكل ما كان يحدث في الماضي كان مناورات لأن ما حدث في قطاع غزة لا يمنع مطلقا من إجراء حوار جاد إن كانت المصلحة الوطنية العليا هي معيار الحكم على الخطوات والتوجهات لا سيما أن حماس تكرر قبولها بشرعيته وعدم منازعتها له في هذه الشرعية وتطالبه بالحوار.
أرجو أن لا يكون عباس قد أحرق جميع السفن التي ستعيده للحوار مع حماس ذلك لأنه إن حاول فعل ذلك فستحاصره أمريكا وإسرائيل وقد أعلن أولمرت بأنه تعهد بمحاصرة عباس إن أجرى حوارا مع حماس.
إن أخشى ما أخشاه أنه حتى في حالة فشل المؤتمر الذي دعا له بوش وهو فاشل لا محالة أن لا يعود عباس لمحاورة حماس لأنه مطلوب منه وبقوة أن يتجاوز حماس كما قالت أمريكا علنا ولم يكن الرجل مؤمنا يوما بالشراكة السياسية معها وإلا كيف نفسر أن اتفاق القاهرة الذي ألغاه بعد توقيعه بسنتين لم ينفذ مما أجبر حماس أن تقوم بما قامت به كأحد الأسباب التي ارتكزت عليها فيما قامت به, لأنه تأكد لها بما لا يدع مجالا للشك بأن اتفاق القاهرة كان وسيظل حبرا على ورق وسيبقى يراوغهم عباس وأتباعه حتى تنتهي ولاية المجلس التشريعي وتجري انتخابات من المؤمل أن تفوز فيها فتح وتقصى فيها حماس ويبقى فيها حال منظمة التحرير الفلسطينية كما هو وبذلك يحرم حماس من جني ثمار فوزها في الانتخابات التشريعية إذن يمكن الاستنتاج بأنه لو كان عباس حريصا على الشراكة السياسية مع حماس لطبق اتفاق القاهرة وبذلك يكون جنب الساحة الفلسطينية مما وقعت فيه من اقتتال وتشرذم وصراع ومما يعزز هذه الرؤية إلغاؤه لاتفاق مكة وهو لا شك لا يمكن تفسيره إلا على أنه قطع لآخر شعرة تربطه بحماس.
* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع