فياض وإسقاط حق المقاومة

فياض وإسقاط حق المقاومة

عبد الباري عطوان
2007-07-30

من يتابع تصريحات السيد سلام فياض رئيس وزراء حكومة الطوارئ الفلسطينية يعتقد أن الرجل يتزعم كتلة تحتل أغلبية مقاعد المجلس التشريعي ويتزعم فصيلا هو الأكبر على الساحة الفلسطينية…

من يتابع تصريحات السيد سلام فياض رئيس وزراء حكومة الطوارئ الفلسطينية، يعتقد أن الرجل يتزعم كتلة تحتل أغلبية مقاعد المجلس التشريعي ويتزعم فصيلاً هو الأكبر على الساحة الفلسطينية وليس رئيس حكومة ما زالت تبحث عن الشرعية في المجلس المذكور الذي يمثل ثلث الشعب الفلسطيني في أفضل الأحوال.

تاريخ السيد فياض في العمل السياسي الفلسطيني لا يزيد عن بضعة أعوام محدودة، بدأه عندما وقع عليه الاختيار، بحكم علاقاته الوثيقة مع واشنطن، ليكون وزيراً للمالية في أول حكومة فلسطينية تتشكل بضغوط أمريكية، وتسحب الصلاحيات المالية من الرئيس الفلسطيني الراحل، كمقدمة لسحب صلاحياته الأمنية، وتصفيته جسدياً عقاباً له على رفضه القبول بالإملاءات الأمريكية في لقاء كامب ديفيد والتنازل عن حق العودة، والقبول بسيادة سطحية في القدس الشرقية.

السيد فياض الذي يترأس حكومة فلسطينية غير شرعية، ويمثل كتلة ليس لها إلا مقعد واحد في المجلس التشريعي الفلسطيني من مجموع مئة وثلاثين مقعداً، بدأ يقدم تنازلات ضخمة في قضايا جوهرية، ويصدر فتاوى جازمة حول الحوار أو عدمه مع حركة المقاومة الإسلامية حماس، ويفرض شروطاً تعجيزية وهو أمر غير مسبوق من قبل شخص في موقعه وظروف توليه منصبه الحالي.

قبل أربعة أيام أدلى بحديث إلى صحيفة إسرائيلية قلل فيه من أهمية حق العودة للاجئين الفلسطينيين، وتجاهل كل القرارات الدولية التي تثبت هذا الحق، وخاصة قرار الأمم المتحدة رقم 194، عندما قال إن قضية اللاجئين تحل من خلال التفاهم بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي، والاتفاق عليها بينهما.

ويوم أمس الأول ذهب السيد فياض إلى ما هو أبعد من ذلك، عندما لم يشر في برنامج حكومته مطلقاً، إلى تعبير المقاومة في إشارة إلى الكفاح ضد الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية، وهو أمر يتجاوز كل الأعراف المتبعة، ويخرج على تقليد اتبعته كل الحكومات الفلسطينية السابقة، منذ تأسيس السلطة الوطنية الفلسطينية بناء على اتفاقات أوسلو.

حق المقاومة من ثوابت الشعب الفلسطيني الأساسية لا يملك أي إنسان إسقاطه بهذه السهولة، وبهذه الطريقة المجانية، ودون الرجوع إلى الشعب الفلسطيني ومؤسساته الشرعية في الوطن والمهجر.

فإذا كان السيد فياض سيتنازل عن المقاومة، ويشطب قرارات الأمم المتحدة بشأن حق العودة، ويجعل هذا الحق قضية ثنائية إسرائيلية ـ فلسطينية، أو بالأحرى بين حكومته والطرف الإسرائيلي، فماذا ترك للمفاوضات، ومفاوضات الوضع النهائي على وجه التحديد؟.

نفهم مثل هذه المرونة، لو أن السيد فياض ورئيسه الأعلى محمود عباس، يستعدان لشد الرحال إلى مؤتمر دولي تتعهد فيه "إسرائيل" بالانسحاب من جميع الأراضي العربية المحتلة، وإزالة جميع المستوطنات، وإعادة القدس بكاملها، وتقديم اعتذار ومن ثم تعويضات للشعب الفلسطيني على كل ما ألحقته به من قتل وتدمير وسلب لأراضيه وثرواته على مدى ستين عاماً، ولكن المفاوضات لم تبدأ بعد، وحكومة إيهود أولمرت تواصل بناء الجدار وتوسيع المستوطنات، والاحتفاظ بأكثر من عشرة آلاف أسير فلسطيني على الأقل.

القضية الفلسطينية تتعرض لعملية خطف هذه الأيام من قبل بعض الشخصيات الفلسطينية التي تريد تسوية مسلوقة لها وفق الشروط الأمريكية والإسرائيلية، وفي أسرع وقت ممكن، مستغلة الظروف المعيشية الصعبة التي يمر بها الفلسطينيون من جراء عمليات التجويع المتعمدة، والحصار الخانق.

فالقضية الفلسطينية في نظر هؤلاء لم تعد قضية شعب تعرضت حقوقه وأراضيه وكرامته الوطنية للاغتصاب في أبشع جرائم العصر وأكثرها ظلما، وإنما كقضية رواتب ومعابر، وكيفية رفع الحصار الاقتصادي، وتأمين وصول المساعدات المالية الأمريكية والأوروبية.

فالحديث الآن منصب حول كيفية حل مشكلة ستة آلاف فلسطيني محصورين في الجانب المصري من معبر رفح، وتخلي حركة حماس عن أجهزة السلطة الأمنية في قطاع غزة، ودفع رواتب الموظفين، أو الموالين منهم للسيد عباس في موعدها، أما الجدار العنصري العازل، وبلوغ عدد المستوطنين اليهود في الضفة والقدس المحتلة أكثر من نصف مليون شخص، وتحويل قطاع غزة إلى سجن كبير، فهذه قضايا ثانوية لا تحتل سلم أولويات حكومة الطوارئ أو تصريف الأعمال التي يترأسها السيد فياض.

نشعر أن طبخة ما يجري إعدادها حالياً من خلف ظهر الشعب الفلسطيني ومؤسساته الشرعية، أحد إرهاصاتها حال الحراك الحالية التي تتمثل في زيارة وفد الجامعة العربية إلى القدس المحتلة في أول خطوة تطبيعية عربية على هذا المستوى، والجولات المكوكية لتوني بلير مبعوث اللجنة الرباعية الدولية، والجولة التي تبدأها اليوم السيدة كوندوليزا رايس وزيرة الخارجية الأمريكية، وروبرت غيتس وزير الدفاع الأمريكي إلى المنطقة، ودعوة الرئيس جورج بوش إلى مؤتمر للسلام في نيويورك أو واشنطن قبل نهاية هذا العام.

فالإصرار على عدم الحوار مع حركة حماس للخروج من الأزمة الراهنة التي تشل العمل السياسي الفلسطيني، وتعمق الانقسام بين الضفة وغزة كلما طال أمدها، يثير الريبة والشكوك، وكأن الرئيس عباس وشريكه الجديد فياض يشعران براحة غير عادية باستمرار الوضع على حاله، وكأنهما ارتاحا من غزة ومتاعبها، والشراكة المكلفة مع حركة حماس، الأمر الذي يمكنهما من التحرك في اتجاه التسوية الأمريكية ـ الإسرائيلية المطروحة، وبمباركة عربية رسمية، دون أي عوائق.

لا بد من تحرك فوري من جميع القوى الفلسطينية للحيلولة دون حدوث أي تفرد بهذه القضية المصيرية، ومنع أي محاولة لخطفها من قبل أناس طارئين على العمل السياسي والنضالي الفلسطيني، والعبث بالثوابت الوطنية بمثل هذه الطريقة الارتجالية.

هناك مؤسسات وطنية جاءت نتاج تاريخ نضالي طويل، وثمرة مسيرة من التضحيات تضمنت سقوط آلاف الشهداء، ولا بد من تفعيلها على أسس حديثة تستوعب المتغيرات الجديدة، وظهور فصائل مقاومة لها تمثيل قوي على الساحة وبعضها يمثل نصف الشرعية الفلسطينية على الأقل، حتى لا تترك الساحة لاجتهادات الطارئين الجدد.

* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع
جميع الحقوق محفوظة لدى دائرة الإعلام العسكري لكتائب الشهيد عز الدين القسام ©2026