وحدة المسلمين ... الطريق إلى النهضة

وحدة المسلمين ... الطريق إلى النهضة

محمد مهدى عاكف
2004-09-02

صفحة جديدة الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا ونبينا وحبيبنا محمد

صفحة جديدة 1

 

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين - سيدنا ونبينا وحبيبنا محمد – المبعوث رحمة للعالمين، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم .. وبعد ؛

فقد تطرقنا فى رسالة الأسبوع الماضى إلى قضية تحرير الأوطان التى هى فريضة شرعية يأثم المسلمون بتركها .. وقد يسأل سائل وكيف السبيل لتحرير الأوطان وتحقيق الفريضة الشرعية؟ ونقول إن وحدة المسلمين أول شروط التحرير وألزمها، فإن الاختلاف والتفرق من أكبر المصائب التى أُبتليت بها الأمة الإسلامية فأوهنت عزمها وأطاحت براياتها وجعلتها نهبة لكل منتهب .

وقد جعل الإسلام التوحد على طاعة الله عز وجل وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم واتباع منهج الإسلام وترك النزاع أحد أسباب النصر، قال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ، وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ)(لأنفال45-46)

وإن من خصائص هذه الأمة أنها أمة واحدة (وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ)(المؤمنون52) "إن الله يرضى لكم ثلاثا ويكره لكم ثلاثا فيرضى لكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا وأن تعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا .... الحديث" رواه مسلم

ويقول الإمام الشهيد حسن البنا رحمه الله إن الإسلام جعل الأخوة معنى من معانى الإيمان بل هى أكمل معانيه (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ )(الحجرات من الآية10) "المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه" و "مثل المؤمنين فى توادهم وتعاطفهم وتراحمهم كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى" "المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا"

لقد كان من أهم ما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أن وطئت قدماه المدينة هو مؤاخاته بين المهاجرين والأنصار حتى يكونوا لحمة واحدة ، وبناءً صلبا قوياً قادرا على الصمود ومواجهة التحديات وللإنطلاق نحو بلوغ الأهداف والغايات (لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ ، وَالَّذِينَ تَبَوَّأُوا الدَّارَ وَالْأِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)(الحشر8-9) ويوم أن حاول بعض نفر من يهود أن يوقعوا فتنة بين الأوس والخزرج ، خرج إليهم النبى صلى الله عليه وسلم لساعته فوأد الفتنة فى مهدها وأعاد السكينة والطمأنينة إلى القلوب ، وفى ذلك نزل قوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقاً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ ، وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ، وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ)(آل عمران100-103)

ويوم واجه المسلمون العالم كله صفا واحدا وقلبا واحدا فى ظل هذه الأخوة الصادقة الحقة لم تلبث أمامهم ممالك الروابط الإدارية، أو السياسية المجردة ساعة من نهار، وانهزم أمامهم – بغير نظام – الروم والفرس على السواء، وكونوا إمبراطورية ضخمة تمتد من المحيط إلى المحيط، ذات علم وحضارة وقوة وإشراق"

ويوم غفلوا عن سر قوتهم ولم يأخذوا بهدى كتابهم، ودب إليهم داء الأمم من قبلهم من تغليب المصالح المادية الزائلة على الأخوة الإيمانية الباقية تمزقت هذه الإمبراطورية ولعبت بها المطامع الخارجية والداخلية وانتهى أمرها إلى الانهيار والوقوع فى أسر خصومها من غير المسلمين الذين احتلوا أرضها وملكوا أمرها وتقاسموها فيما بينهم" .

"وكانت الدسيسة الكبرى التى اقتحمت على المسلمين عقولهم وقلوبهم أولا، ثم أراضيهم وبلادهم ثانيا، هى تأثرهم بالعنصرية والشعوبية واعتداد كل أمة منهم بجنسها وتناسى ما جاء به الإسلام من القضاء على عصبية الجاهلية والتفاخر بالأجناس والألوان والأنساب" .

أى وحدة نقصد ؟

وقد يتبادر إلى أذهان البعض معنى واحد للوحدة بين المسلمين وهو تحقيق الوحدة السياسية واجتماع المسلمين فى دولة واحدة على نظام حكم واحد، وهو أمر يرونه مستحيلا، ونقول لأولئك المثبطين إن ما ترونه مستحيلا أمر وارد التحقيق، فضلا عن كونه واجبا شرعيا، وقد رأينا كيف تجمعت شعوب أوربا ضمن منظومة الاتحاد الأوربى بعد قرون من العداوة والاقتتال، ونرى كيف تسعى الولايات المتحدة لأن تأطر العالم أطرًا ضمن ما يسمى بالنظام العالمى الجديد الخاضع للسيطرة السياسية والثقافية والاقتصادية الأمريكية .

ونحن نرى أن الوحدة السياسية بين المسلمين تأتي فى مرحلة تالية بعد مراحل تمهيدية تسبقها، وبعد أن يحقق المسلمون فيما بينهم معانى وحدة العقيدة والمنهج والرسالة، ويعودوا إلى ما فرضه الإسلام على أبنائه حين جعل الوحدة معنى من معانى الإيمان .. والمطلوب أن يدرك المسلمون أهمية ذلك جيدا وأن يتمسكوا به وأن يعملوا على تحقيقه وأن يطالبوا حكوماتهم بتحقيقه .. ثم بعد ذلك تأتى الوحدة السياسية والإدارية والاقتصادية وغيرها، وستكون ساعتئذ نوعا من تحصيل الحاصل الذى لا خلاف عليه .

لقد نادى الإخوان المسلمون بضرورة تحقيق الوحدة بين المسلمين وقت أن كان هذا النداء يناقض تيار الفكرة السائدة فى العالم قبل أكثر من نصف قرن، فكرة التعصب للأجناس والألوان، وارتفاع شأن الدولة القومية ، فكيف وقد أخذت اليوم الحواجز بين الدول والشعوب فى الذوبان حتى كاد العالم أن يصبح قرية واحدة صغيرة، وبعد أن عادت الشعوب تتنازل طواعية عن استقلالية دولها فى سبيل الاندماج فى كيانات كبيرة قوية؟

ولا تعنى الوحدة بين المسلمين إنكار الفوارق الناشئة جراء اختلاف البيئات والثقافات والتأثيرات الإقليمية، إذ ستظل لكل شعب قوميته الخاصة به، ولكننا نعيد القول بأن الوحدة المنشودة أولا هى وحدة العقيدة والمنهج والرسالة، وهذه لا خلاف عليها بين المسلمين، فهى مرتبطة بالإسلام ، الدين الخالص الكامل الذى ارتضاه الله عز وجل للمسلمين ولا يقبل منهم سواه (وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْأِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ)(آل عمران85)

بل إن الإخوان المسلمين ينادون بالوحدة العالمية التى تشمل العالم كله لأن هذا هو مرمى الإسلام وهدفه، ومعنى قوله تبارك وتعالى (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ)(الأنبياء107)

إن على المسلمين أن يتخذوا من إيمانهم وتسليمهم بأركان الإسلام الخمسة والمجمع عليها والتى لا يتم الدين إلا بالإقرار بها – منطلقا لتحقيق الوحدة بينهم، وعلى العلماء واجب مهم وحيوى فى التأكيد على معانى الوحدة وارتباطها بالإيمان وتذكير الشعوب الإسلامية بقضاياها المشتركة، ومصيرها الواحد حتى تتولد الرغبة الشعبية المستجيبة لأمر الله تعالى، ولما افترضه الإسلام على أبنائه، وليعلم الجميع أن وحدة المسلمين هى طريقهم إلى تحقيق النهضة الشاملة المطلوبة، ومواجهة التحديات وإحباط مخططات الأعداء، حتى يتسنى للأمة الإسلامية أن تقوم برسالتها بين العالمين (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ )(آل عمران من الآية110) (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً )(البقرة من الآية143)

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع
جميع الحقوق محفوظة لدى دائرة الإعلام العسكري لكتائب الشهيد عز الدين القسام ©2026