الحق والقوة ... وقرار محكمة العدل الدولية

الحق والقوة ... وقرار محكمة العدل الدولية

المرشد محمد عاكف
2004-07-15

الحق والقوة الحق والقوة وقرار محكمة العدل الدولية رسالة من محمد مهدى عاكف المرشد العام للإخوان المسلمين بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ومن والاه وبعد فقد صدر…

الحق والقوة

الحق والقوة ... وقرار محكمة العدل الدولية

رسالة من محمد مهدى عاكف

المرشد العام للإخوان المسلمين

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ومن والاه .. وبعد

فقد صدر أخيرا حكم محكمة العدل الدولية بشأن جدار الفصل العنصرى الذى أقامه الكيان الصهيونى فى الأرض المحتلة ليحتمى وراءه من غضب أصحاب الحق المغتصب والأرض المنهوبة والوطن السليب، وليظل متحصنا خلفه ينشر الموت والدمار على أبناء شعبنا الصابر فى فلسطين وليفرض واقعا يصعب على دعاة الإسلام تجاهله فى المستقبل، ملتهما فى طريقه آلاف الأفدنة من الأراضى المملوكة بالفعل لشعبنا فى الضفة الغربية، ملتويا فى طريقه كالأفعى ليفرق بين الناس ومزارعهم ومحال أعمالهم، وبين الأسرة الواحدة التى تقع مساكنها خلف الجدار وبقية أفرادها الساكنين أمامه، فى جريمة فاضحة وقف العالم الذى يدعى الحضارة وقيم العدل متفرجا إزاءها، واكتفى المنصفون منه بالتعبير عن استيائهم أو شجبهم .

وقضى قرار محكمة العدل الدولية بأن ذلك الجدار عمل غير قانونى ينبغى إزالته، إذ يتعارض مع كل الأعراف والقوانين الدولية التى تتصل بحقوق الإنسان سواء فى حال السلم أو الحرب .. وجاء الرد الصهيونى – كما هو متوقع – رافضا قرار محكمة العدل الدولية، وأعلن رئيس وزرائهم وكبير مجرميهم استمرار العمل فى إقامة ذلك الجدار العنصرى .. أما أمريكا الحليف الاستراتيجى للكيان الصهيونى والداعم الأكبر له فقد انساقت لرؤيته – كما هو معتاد – وأعلنت أن محكمة العدل الدولية ليست هى الجهة المختصة بالنظر فى مثل هذه المنازعات، وأن قرارها لا يشجع عملية السلام فى الشرق الأوسط ولا ينظر بعين الاعتبار للتهديدات التى يواجهها الصهاينة المحتلون .. وهى حجج واهية لا تستحق عناء الرد عليها – فإن الجمعية العامة للأمم المتحدة هى التى أحالت موضوع الجدار العنصرى إلى محكمة العدل، وارتأى غالبية أعضائها – وهم دول العالم كله عدا أمريكا وحليفها الكيان الصهيونى – الاختصاص الأصيل لمحكمة العدل فى بحث ذلك الموضوع .. أما كون قرار محكمة العدل لا يراعى التهديدات التى يتعرض لها الصهاينة فهى التى قدمت من شتات الأرض بعد أن أجاد الغرب تسليحها وتدريبها لتنشب أظفارها فى قلب عالمنا العربى والإسلامى، ولتحتل أرضنا فى فلسطين وغيرها، وتشرد أبناءنا، وتنهب أرضنا، فى جزء أصيل من أجزاء المشروع الغربى الصهيونى الاستعمارى لفرض الصراع فى هذه المنطقة المهمة من العالم، وشغل أهله به، كيلا تقوم لهم قائمة، ولا تكتمل لهم صحوة ولا نهضة، ليظل المشروع الإسلامى الحضارى الذى يفترضون خطره على ضلالهم وظلمهم منكفئا حول ذاته، مهموما بنفسه، مثقلا بجراحه.

توحد المشروع الصهيونى الأمريكى

ولم يكن أحد من العقلاء فى عالمنا يفترض موافقة الصهاينة والأمريكان على قرار محكمة العدل الدولية، أو انصياعهما له، وبخاصة فى ظل الإدارة الأمريكية الحالية التى التزمت التزاما كاملا بالأجندة الصهيونية، ورأت تحقيقها ضرورة سياسية وعقائدية، وتحولت أمريكا فى عهدها إلى سلطة احتلال غاشم للعراق العربى الإسلامى، تمارس فيه كل سوءات الاحتلال وشناعاته، من انتهاك لحقوق الإنسان، ونهب لخيرات الوطن المحتل، وقمع لأهله وتنكيل بهم، وبعدما تكشف فى الآونة الأخيرة من دور صهيونى خطير فى تحقيق الاحتلال الأمريكى للعراق، وتهويل لخطر النظام العراقى على أمريكا والعالم، وإشاعة افتراءات لا أصل لها حول امتلاك العراق أسلحة دمار شامل يريدون أن تظل حكرا على أمريكا وحلفائها، وهو ما ثبت كذبه يقينا .. ثم تكشف الدور الصهيونى فى العراق بعد احتلال أمريكا له، حيث نشط الصهاينة فى شراء الأراضى هناك، والتغلغل فى أحشاء المجتمع العراقى والعلماء الموالين لسلطة الاحتلال، حتى تناقلت الأخبار أن محققين صهاينة كانوا يشاركون فى استجواب الأسرى العراقيين فى سجن أبى غريب وغيره، ويشرفون على تعذيبهم على النحو الذى يفعلون فى فلسطين المحتلة، ويقدمون فى ذلك الخبرة العريضة والأحقاد المريضة، بل رأينا أن القاضى الذى عينوه لمحاكمة صدام حسين أخيرا هو شريك لأحد غلاة الصهاينة فى شركة استشارات قانونية، وتربطه بالعميل الأمريكى السابق أحمد الجلبى صلة قرابة قريبة !!

إن التوحد بين المشروعين الأمريكى والصهيونى ليس أمرا طارئا، بل إن أصل قيام الدولتين واحد، قامتا على إبادة أهل البلاد الأصليين لإقامة كيان مغتصب استيطانى، فعل ذلك الأمريكان القادمون من أوربا مع سكان أمريكا الأصليين، وفعل ذلك الصهاينة القادمون فى معظمهم من أوربا مع العرب فى فلسطين، ثم تأسستا على تعاظم القوة المادية الطاغية، وبخاصة العسكرية منها، وانتهجتا نهجا عنصريا يستهدف توفير كل الرفاه لأبناء شعبيهما على حساب الآخرين الذين لا يعترفون لهم بحق ولا نصيب، وإن جرائم أمريكا فى غزوها اليابان وضربها بالسلاح النووى لأول مرة فى التاريخ، وجرائمها فى احتلال فيتنام وإحراق أرضها وشعبها، ثم جرائمها فى غزو العراق وتدمير مقومات دولته وإذلال شعبه، تلك الجرائم لعظيمة الشبه بجرائم الصهاينة فى إبادة أبناء شعبنا فى فلسطين فى مذابحهم المروعة الشهيرة، وفى غزو جيرانهم فى مصر وسوريا والأردن، وفى كل بلد منها كم وفير من ذكريات مريرة عن جرائم الصهاينة ومذابحهم .. ثم فى لبنان وصابرا وشاتيلا وقانا وغيرها من سجل دموى أسود حافل.

لابد للحق من قوة تحميه

إننا نوقن أن قرار محكمة العدل الدولية سيكون مثل غيره من قرارات الأمم المتحدة ومنظماتها التابعة بشأن قضايانا العادلة، لن يجد حظا من تنفيذ، وسوف تقف المنظمة الدولية عاجزة أمام الفيتو الأمريكى والصلف الصهيونى، وهو ما ينذر بأوخم العواقب تجاه السلم الدولى، تماما كما حدث مع سابقتها منظمة (عصبة الأمم) التى وقفت عاجزة أمام شرود القوة الجامحة الظالمة فانهارت ليجنى العالم – وقد اختل ميزان العدل فيه – الثمار المرة لذلك الخلل الأسيف .

نحن نؤمن أنه لابد للحق من قوة تحميه، وإذا كانت دول العالم القوية قد ناصبت الحق الأبلج العداء، أو لاذت بالصمت وهى تراه معذبا مصلوبا، فإن أصحاب الحق أنفسهم باتوا هم المطالبين بالأخذ به والدفاع عنه، وإلزام المعتدين بمقتضاه .. نحن فى عالم لا يفهم غير لغة القوة، ولا يخدم إلا منطق الأقوياء .

إن أهلنا فى فلسطين ومن ورائهم ومعهم المسلمون والأحرار فى العالم كله قادرون بإذن الله على انتزاع حقوقهم انتزاعا، لقد أسمعوا بجهادهم النبيل العالم بأسره وأحيوا بقية الخير والشرف فيه، وأقاموا للحق المستضعف منارة يأوى إليها كل أصحاب الحق الطريد .. ويرون فى جهادهم وصبرهم القدوة والأمل .. وذلك لا يقلل بحال من قيمة الجهاد السياسى والقانونى الذى يفضح أساليب الاحتلال ويقلم أظافر كذبه وافترائه، ويكشف عن سوءاته أردية الزيف والادعاء .

الحق القوى فى الإسلام

إن الحضارة الغربية التى سمحت بكل ذلك الظلم والعدوان، والتى ارتضت انكسار الحق، واختلال ميزان العدل، مادام ذلك يحقق مصالحها، ويخدم أهدافها، ترتكب إثمًا كبيرًا فى حق نفسها وشعوبها وما قدمته للبشرية من منجزات فى مجالات العلم المادى والتقنية .

أما نحن فأتباع دين يقوم بناؤه الحضارى على العدل والحق، ويجعل الجهاد فى سبيلهما فرضا لازما، ويطالب أصحابه باستكمال أدوات القوة لنصرة الحق وردع العدوان عليه .. لقد اتخذ ربنا سبحانه لنفسه اسم العدل والحق .. وجعلهما من أسمائه الحسنى وصفاته العلى وكرر ذكر لفظ (الحق) فى القرآن الكريم نحو 227 مرة فى حفاوة بالغة واهتمام عظيم ببيان سماته وقسماته، وأعلمنا أنه أقام الكون كله على ميزان الحق، ( خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ )(الأنعام من الآية73)  (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ )(الحجر من الآية85)  (وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ، أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ)(الرحمن7-8) (وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ )(الاسراء من الآية105)  (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ )(التوبة من الآية33) وأعلمنا أن الحق مراده ومقصوده سبحانه ( وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ، لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ)(لأنفال7-8) وأنه لا شئ بعد الحق إلا الزيغ والضلال ( فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ)(يونس من الآية32) .. ثم كرر سبحانه أن الحق أولى بالنصر، وأن نصرة الحق فرض لازم، وقدر محتوم فى نهاية الأمر (قُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ)(سـبأ49)  (بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ )(الانبياء من الآية18)

غير أن إسلامنا يعلمنا أيضا أنه لابد للحق من قوة تحميه، ولابد لميزان العدل من سيف يدافع عنه، والله تعالى منزل الكتاب هو منزل الحديد الذى ينبغى أن يتسلح به أتباع الكتاب وحملة الرسالة (لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ)(الحديد25) ، وقد كان إمامنا الشهيد حسن البنا فى توفيق من الله وفضل حين جعل شعار جماعتنا المصحف محاطا بالسيفين، دلالة على القوة والحق معا .

إن الله تعالى لا يرضى للحق أن ينهزم، ولا للعدل أن يتراجع، ففى ذلك تغوّل للباطل يفضى إلى اختلال ميزان الكون .. ولكى لا يحدث ذلك لابد من أن ينهج أصحاب الحق نهج التضحية، فيقدموا فى سبيل الحق أرواحهم رخيصة، ولا ضير فى أن يمضى بعضهم إلى ربه شهيدا سعيدا لتبقى ظلال الحق وارفة، وأنواره ساطعة، وميزانه معتدلا .. وغير ذلك هو الخسران المبين (إِنَّ الْأِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ، إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ)(العصر2-3)

الشيخ القرضاوى ومؤتمر لندن

وفى هذا السياق يأتى ما حدث للداعية الإسلامى الكبير الدكتور يوسف القرضاوى الذى دعى لحضور مؤتمر لعلماء المسلمين هذا الشهر فى لندن، فتعرض لحملة منظمة حاقدة من المنظمات الصهيونية فى بريطانيا بسبب مواقفه الصلبة فى نصرة الحق وأصحابه فى فلسطين حيث أعلن الشيخ فى وضوح – وهو أهل للاجتهاد والفتوى وفى الذروة من علماء المسلمين فى عصرنا – أن العمليات الفدائية ضد الصهاينة المحتلين التى يفجر فيها أصحابها أجسادهم الطاهرة فى صفوف العدو هى عمليات استشهادية، يبغى بها أصحابها وجه الله ورضوانه وجنته، وليست كما يقول بعض المتخاذلين عمليات انتحارية، فشتان ما بين نفسية المجاهد الذى يسرع الخطو إلى الجنة، وهو يهتف فى قرارة نفسه ( وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى)(طـه من الآية84) ونفسية المنتحر الآيس من رحمة الله، والفار من قدره، والمعترض على قضائه ..

وما زالت الدعاية الصهيونية تلاحق الشيخ، وتؤجج من حوله العداء، واشتد ذلك فى الفترة السابقة على انعقاد المؤتمر وفى بداياته حتى اضطر الشيخ الجليل إلى الانسحاب منه احتجاجا على ما لاقاه من عنت وتضييق فى بلاد تدعى الحرية، وتملأ الدنيا ضجيجا بالحديث عنها، وعلى رأسها حرية الفرد فى اعتقاده وآرائه والتعبير عنها .. بل إنه قد سبق أن منعت الولايات المتحدة الأمريكية الشيخ الجليل من دخول أراضيها بحجة دعمه المعنوى للإرهاب !! وهكذا يصبح مجىء التعبير عن الرأى، والدفاع عن الحق ولو باللسان إرهابا .

وإننا إذ نحيى موقف أخينا الكريم الدكتور القرضاوى، وإذ ندين ما تعرض له من حملة ظالمة لنعلن أنه من العار على دعاة الحضارة والسلام الموهوم فى عالمنا أن تضيق صدورهم بمن يخالفهم الرأى، ولو كان رجلا فى مكانة الدكتور القرضاوى ومنزلته بين المسلمين ( وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ )(فاطر من الآية43) ( وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ)(الحج من الآية40)

* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع
جميع الحقوق محفوظة لدى دائرة الإعلام العسكري لكتائب الشهيد عز الدين القسام ©2026