ما حقيقة الاقتتال الدائر في غزة بين الفلسطينيين والذي عاد ليطل برأس فتنته من جديد هل هو صراع بين حركتي فتح وحماس كما يظهر في وسائل الإعلام أم أن طبيعة الصراع مختلفة وثمة حقائق ما…
- ما حقيقة الاقتتال الدائر في غزة بين الفلسطينيين والذي عاد ليطل برأس فتنته من جديد ؟ هل هو صراع بين حركتي فتح وحماس كما يظهر في وسائل الإعلام ؟ أم أن طبيعة الصراع مختلفة وثمة حقائق ما تزال مغيبة عن المتابع العربي؟ هل هناك من يريد فرض أجندة معينة على الشعب الفلسطيني وعلى مقاومته وشرعيته القائمة المتمثلة بحكومة الوحدة الوطنية ويريد أن يقلب الحقائق ليظهر المشهد وكأنه صراع على السلطة والمغانم؟ وأين تقف إسرائيل من كل تطورات الأحداث الجارية وما سبقها؟.
ـ عند الوقوف على النتائج المرتبطة بالأحداث الآنية واليومية سنرى أن من يسقط قتلى وجرحى هم إما من حركة حماس أو القوة التنفيذية التابعة لوزارة الداخلية في الضفة الأولى للصراع ، أو من حركة فتح أو عناصر في الأمن لاسيما جهاز الأمن الوقائي أو حرس الرئاسة في الضفة الأخرى للصراع الدائر، لكن القراءة المتأنية لما حصل من بداية تفجر الصراع، والمقدمات التي سبقت ذلك تشير إلى أن حقيقة الصراع مختلفة تماما، وأن ثمة تيارا محدودا في"فتح" له أجندته الخاصة التي يريد أن يفرضها على حركته أولا، وعلى حماس باعتبارها الشريك الكبير لفتح وصاحبة الأغلبية البرلمانية والحكومية الحالية ثانيا، وعلى مجمل الفصائل ومكونات البيت الفلسطيني الأخرى ثالثا، ويستغل هذا التيار حضوره الأمني الملحوظ وارتباطاته الخارجية للوصول إلى ما يريد.
ويلاحظ المراقب للأحداث الأخيرة أن الصراع عاد للانفجار من جديد عقب اللقاء الأخير الذي جمع بين الرئيس محمود عباس ورئيس الوزراء إسماعيل هنية قبل نحو عشرة أيام، والاتفاقات التي تمت بينهما بشأن إجراءات بعض التعديلات في المؤسسات الأمنية، وإعادة صياغتها وفقا لأسس وطنية تخضعها لسلطة وزير الداخلية.. وهو ما دفع بعض شخصياتها للبدء في تطبيق خطة أمنية استباقية، نزلت بها إلى الشارع دون تنسيق مع الحكومة وفقا لأجندتها الخاصة، وهي غير الخطة التي كان وزير الداخلية المستقيل ينوي الشروع فيها.
وبتعبير آخر فإن ما حصل كان عبارة عن تمرد على حكومة الوحدة الوطنية لواحد من سببين أو للاثنين معا، إما لأن هذه الشخصيات لم تكن لترغب في أن تأخذ وزارة الداخلية والمسؤول الأول فيها صلاحياتهما الكاملة التي تحد من نفوذ الأجهزة الأمنية التابعة لها ومن قياداتها الحالية فتحركت مؤخرا وهو ما أدى إلى تثبيت استقالة وزير الداخلية السابق هاني القواسمي الذي شعر أنه مسؤول شكلي بلا صلاحيات، أو لأنها ترغب في خلق الظروف المناسبة لتفجير حالة الفوضى والفلتان الأمني تحت مبررات مختلقة وهو ما يؤدي إلى توتير الأجواء وصولا إلى حالة من الاقتتال الأهلي الذي ينتهي بالانهيار الكامل وخلق أوضاع جديدة على الأرض وإسقاط الحكومة الراهنة، ويرى مراقبون أن هذا الدور جاء بعد أن فشل الحصار الإسرائيلي الأمريكي الأوربي في تغييب حماس عن وجودها في قيادة العمل الحكومي سواء في ظل الحكومة التي شكلتها، أو في ظل الحكومة الائتلافية الحالية أي المراهنة على الإفشال الداخلي بعد فشل الرهان الخارجي. في ظل تلاقي مصالح هذا التيار مع مصالح إسرائيلية.
ـ لقد ظهرت جملة من التصريحات والحقائق تدفع للقول بأن اتجاها تخريبيا تستفيد منه جهات خارجية يقف وراء ما يحصل ويحاول أن يلبس ذلك نار تأجيج الخصومة بين فتح وحماس ومن أهم هذ الأمور
ـ القصف الإسرائيلي لمقارّ وعناصر القوة التنفيذية التابعة لوزارة الداخلية وقد جاء ذلك بعد تصريحات لقيادات من فتح معروفة بتعويقها لأي اتفاق مع حماس والتي تضمن أحدها الدعوة الصريحة إلى إبادة هذه القوة ومحوها من الوجود، فيما في ما طالب الآخر بعصيان مدني للقضاء عليها.
ـ إعلان الكيان الصهيوني ولأكثر من مرة عن استعداده إلى تقديم الدعم العسكري لهذا التيار من فتح ضد حركة حماس، وأحدها ورد على لسان وزير الحرب الصهيوني عامير بيرتس.
ـ سماح قوات الاحتلال قبل يومين بعبور 450 عنصراً من عناصر تنفيذية حركة فتح بعد أن تلقوا تدريبات خاصة في بلد عربي مجاور للاراضي الفلسطينية المحتلة، وقالت مصادر أمنية مطلعة إنه سمح لهم بالعبور مع بدء انفجار الأحداث في غزة ".
ـ تلقى عدد من الجرحى المحسوبين على أمن الرئاسة وعناصر الأمن الوقائي ومقاتلي فتح والمصابين في الاشتباكات الدائرة بغزة العلاج في مستشفيات صهيونية وهو ما كشفت عنه القناة الثانية في التلفزيون الإسرائيلي التي قالت إن ذلك تم في مستشفى "برزيلاي" الصهيوني في مدينة عسقلان (شمال فلسطين المحتلة سنة 1948). ويأتي هذا الأمر في الوقت الذي تغلق فيه قوات الاحتلال معبر بيت حانون أمام العمال الفلسطينيين، وأمام الحالات الإنسانية من المواطنين المرضى الذين يتلقون علاجاً في مستشفيات داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة سنة 1948، دون أن يسمح لهم بالعبور لتلقى العلاج.
ـ وثمة من يعتبر من المراقبين للوضع الفلسطيني أن ما يحدث اليوم ما هو إلا تحصيل حاصل، ونتيجة طبيعية للتعاون الأمني بين الكيان الصهيوني وبين شخصيات أمنية بارزة في هذا التيار، مشيرين في هذا الصدد إلى اجتماعات التنسيق الأمني في الشهور الأخيرة بين الجانبين الفلسطيني والصهيوني، برعاية أمريكية، والتي ناقشت ما عرف بخطة "اختبارات التنفيذ"، والتي تحدثت عن ضرورة قيام السلطة الفلسطينية بوقف صواريخ المقاومة تجاه أهداف تابعة للاحتلال، وأن يأمر الرئيس عباس بنشر قوات من "حرس الرئاسة" في المناطق التي تطلق منها، مقابل تسهيلات محدودة على المعابر والحواجز الصهيونية، وقبل ذلك "خطة دايتون" التي دعت إلى تقوية طرف فلسطيني على آخر، وقدمت مبلغا يزيد على خمسين مليون دولار لتقوية حرس الرئاسة، والسماح بوصول أسلحة وعتاد عسكري له بموافقة سلطات الاحتلال، وأعادوا إلى الأذهان ما ورد في تصريحات لنائب وزير الحرب الصهيوني إفرايم سنيه، وهو حلقة الاتصال بخطة دايتون، والذي اعتبر أنّ دعم قوات رئيس السلطة محمود عباس بالأسلحة والذخائر لا يشكل خطراً على أمن الكيان الصهيوني، لأنّ الهدف من تسليح هذه الأجهزة هو تعزيز ما وصفه بالتيار المعتدل في الساحة الفلسطينية، مقابل تعاظم قوة "حماس" والجهاد الإسلامي. على حد تعبيره.
ـ وإذا كان الداخل الفلسطيني لا يبدي قلقا كبيرا للاجتياحات الصهيونية ، لأن مقاومته كفيلة بردعه كما حصل في مرات سابقة، فإن التحدي الكبير الذي لا بد أن تتعاون جميع الفصائل والقوى الفلسطينية فيما بينها لمواجهته حسب المتابعين للشأن الفلسطيني هو مسألة مواجهة الفتنة الداخلية، المرتبطة بمكايد المحتل، والتي توشك أن تعصف بمجمل البيت الفلسطيني، إذا لم يتم كفّ مثيريها، والأخذ على يديهم، فقد بات واضحا أنهم يسعون مجددا لتسميم أجواء العلاقة بين فتح وحماس أكبر فصيلين وطنيين بعد توقيع اتفاق مكة، وتقويض حكومة الوحدة الوطنية التي تمثل غالبية لون الطيف الفلسطيني، واستهداف المقاومة وفصائلها ورموزها، ولن يتم ذلك إلا بفضح أدوارهم أمام الرأي العام، وعزلهم حتى من داخل فصليهم.. إنها مهمة ليست يسيرة، وتحتاج إلى تكاتف وتعاون وحكمة الجميع، الذين هم في سفينة واحدة، وفي المقدمة حركة فتح والسلطة الفلسطينية، ولا ينبغي الصمت عن الجريمة مهما كلف الثمن.
ـ بكل تأكيد إن الخاسر مما يحصل ليس حركة حماس التي يراد إنهاء وجودها السياسي، بل مجمل القضية الفلسطينية، فلا أحد يعرف مقدار حجم كرة الثلج الذي ستصل إليه فيما لو قدر لها أن تتدحرج وخرجت الأمور عن نطاق السيطرة، وصولا إلى "الفوضى الخلاقة" التي ما فتئت تروج لها سياسات الإدارة الأمريكية في عهد الرئيس بوش.. المتوقع ألا تقف الأمور عند حد إسقاط حكومة الوحدة الوطنية بل التوقعات تشير إلى سقوط السلطة الوطنية بكاملها في مرحلة تالية، ومن ثم دخول الأراضي المحتلة في أتون حرب أهلية طاحنة لا تبقي ولا تذر، وتوجه فيها البنادق الفلسطينية إلى صدور أبنائها لا إلى صدور أعدائها، ولا يستفيد منها سوى سماسرتها. وعندها سيكتفي الكيان الصهيوني لا قدر الله بالتفرج على مشاهد الدمار والخراب والتلذذ بمنظر الدم الفلسطيني المسفوك على يد الأخوة المتشاكسين وقد كفاه الله مؤونة القتال، ومخاطر المقاومة التي كانت توجه بوصلة عملياتها إليه.