وانقلب السحر على الساحر وانقلب السحر على الساحر صحفي فلسطيني بشكل لافت وغريب هدأت العاصفة السياسية التي ألمت بالمنطقة بما تأبطته من مآمرات وخفايا كادت أن تودي بمستقل القضية الفلسطينية…
وانقلب السحر على الساحر
صحفي فلسطيني
بشكل لافت وغريب هدأت العاصفة السياسية التي ألمت بالمنطقة بما تأبطته من مآمرات وخفايا كادت أن تودي بمستقل القضية الفلسطينية.
لغة سال أمامها لعاب المثبطين والمتخاذلين, لكنها سرعان ما انزاحت وحل محلها لغة أخرى لسان مقالها "الصواريخ", تلك الصواريخ التي علا صوتها فوق صوت دعاوى التريث أمام لغز رئيس الحكومة الصهيوني المعقد, والمتمثل في خطته للانفصال عن الفلسطينيين, وما ستنجبه للفلسطينيين من انسحاب محتمل من قطاع غزة في مارس (آذار) المقبل.
وما أجلاها وأوضحها من لغة يفهما الجميع ويقف أمامها على بينه من أمره, كيف لا وهي أجواء المقاومة ومقارعة الاحتلال التي تتكشف في حدها النوايا وتسقط قربها الأقنعة عن الوجوه الملونة.
فصائل المقاومة..
علمية واحدة بالقرب من حاجز "أبو هولي" في 28/6/2004م وما استيقظت عليه هذه العملية في الصباح من إطلاق صواريخ قسام قتلت وجرحت صهاينة, كانت كفيلة بان تعيد للشارع الفلسطيني صوابه, وللعقل السياسي الفلسطيني توازنه.
لقد كانت تلك الموجة من الهجمات النوعية للمقاومة بمثابة قبلة الحياة للقضية الفلسطينية, فأنقذتها من تآمرت كانت تحاك ضدها في الخفاء, ومن خطة الواضح منها قليل "وما خفي اعظم ".
أجواء مقلقة وحذرة عاشتها القضية الفلسطينية وفصائلها المقاومة تلك التي كانت قبل الثامن والعشرين من مايو (أيار), كان مطلوب من الفصائل تحديد موقف من خطة رفض شارون له فيها شريك, ومن انسحاب لم تجمع عليه قادة الكيان الصهيوني ولم تحدد منه موقفاً واضحاً.
كل ذلك انجلى دون مقدمات لتتحقق النظرية التاريخية التي تؤكد أن قضايا الشعوب لا تحل في الخفاء, وان المقاومة والدماء وحدها القادرة على كشف النوايا و فضح سياسة الستائر والظلمات.
فوفرت الفصائل على نفسها كثيرا من الوقت والأكثر من البيانات المطالبة بإجلاء الصورة, والداعية للتأني واخذ الحيطة والحذر من حفر قد تكون في الطريق.
أخذت المقاومة موقعها اللائق بها, و أثبتت وعيا فريداً تعلمته من ميادين القتال لا السياسية والجدال, ففرت بجلدها من مذبحة سياسية حقيقية كادت أن تُجر إليها قبل الثامن والعشرين من الشهر الماضي."لقد ابتغوا الفتنة من قبل وقلّبوا لك الأمور حتى جاء الحق وظهر أمر الله وهم كارهون".
الاحتلال ..
أما عن الاحتلال فلقد تبعثرت أوراقه, وانكشف القناع عن الوجه الحقيقي لانسحابه من قطاع غزة, وفهمَ كلُ ذي لب أنها لا تتعدى كونها خطة أمنية مسعفة للاقتصاد الصهيوني المطعون بسكين "أمن المغتصبات" في القطاع.
ودلل على ذلك اجتياح الاحتلال لشمال القطاع فور سقوط صواريخ "القسام" داخل الكيان الصهيوني, فنسي شارون خطته للانفصال, وظهرت وكأنها خطة للاقتراب والاحتلال.
فالكيان الصهيوني لا يفكر سوى بأمنه, بضعة صواريخ جعلته يلقى "قرفطة" السياسة ويحمل بدلا منها سلاح الإرهاب والقتل لاستعادة هيبته الأمنية.
إذاً هي خطةٌ أمنيةٌ لدى شارون فصلها بما يناسب و مقاس الكيان الصهيوني, حتى لو أطره ذلك لإقامة سياج أمنى شمالي القطاع, وهذا السياج دليل دامغ على أمنية الخطة.
وفي ظل تساقط صواريخ القسام داخل الكيان لن ينفع شارون وسيط عربي بمواصفات الجمهورية المصرية, ولن ينفعه أيضا اجتياح شمال القطاع وفقا لأبجديات المنطق والعسكرية , يقول ضابط أمنى صهيوني في 1/7/2004م إن معلومات جيش الاحتلال عن صواريخ "القسام" القديم تفيد أن مداه يصل إلى 10 كيلو مترات, ويتابع الضابط "و اجتياح بيت حانون بالكامل لن يزيد عن ثمانية كيلو مترات, وهذا يعني أن صواريخ القسام ستستمر في السقوط على "سديروت" حتى ولو بقي الجيش في شمال القطاع".
بضعة صواريخ سقطت على مغتصبة "سديروت" كانت كفيلة لإفشال خطة أعدها شارون منذ ثلاثة سنوات للقضاء على المقاومة في الضفة والقطاع, وهذه الخطة تمثلت في
1. الإيقاع بين الفصائل الفلسطينية من جهة, وبينها وبين السلطة الفلسطينية من جهة أخرى في قطاع غزة أمام تكهنات ما بعد الانسحاب, وتحليل نوايا شارون من وراء الخطة.
2. القضاء على قادة المقاومة من خلال خطة اغتيالات ممنهجة ومحكمة.
3. القضاء على عناصر المقاومة من خلال استدراجهم إلى السياج الأمني المحيط بمغتصبات القطاع.
4. القضاء على ما تبقى من خلايا المقاومة في الضفة الغربية لإعدام أي بصيص أمل في عمليات استشهادية داخل فلسطين المحتلة عام 48م.
خطة رباعية أفشلتها عشرات صواريخ "القسام" شمال القطاع, وعملية نوعية واحدة في جنوبه "ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرا , وكفى الله المؤمنين القتال , وكان الله عزيزا حكيما".
داخل الكيان..
صواريخ "القسام" قبل أن تسقطت على "سديروت" الصهيونية سقطت داخل الأروقة السياسية والعسكرية الصهيوني وأفقدت المؤسستين صوابهما, وظهر ذلك جليا من خلال تصريحات اتسمت بالعشوائية والتخبط, وعموما يمكن تصنيف التصريحات في وجهتي نظر, الأولى تدعو إلى الإسراع في تنفيذ خطة الانفصال, وترى أن صواريخ "القسام" دليل على نجاعة الخطة, والثانية تدعو إلى الكف عما أسمته بالهراء, و العمل على إعدام الخطة لأنها ستظهر الجيش الصهيوني بمظهر الهارب من القطاع , ورأت أن الانسحاب سيزيد من سقوط الصواريخ.
في حين وجدنا انقلابا رأسياً في توجه بعض من يسمون باليمينيين في الكيان الصهيوني, ووضح هذا من خلال تصريح وزير العدل الصهيوني "تومي لبيد" عقب مقتل المغتصبين في "سديروت"28/6/2004م فقال " يجب ألا تمر عملية سديروت دون رد حاسم من قبل جيش الدفاع يجب إنهاء هذه الحالة فورا".
الجمهورية المصرية..
أما عن الوسيط العربي فلقد انزاح قليلا إلى الوراء وخرج من حلبة الصراع المحتدم حيث لا لوسيط بأوصافه, فالأجواء الآن تحتاج إلى وسيط اكثر قوة واستقلالية ووضوحاً, وبطبيعة الحال يجب أيضا أن يكون اكثر انحيازا إلى الحق الفلسطيني وإنصافاً للمظلوم على حساب الظالم.
نعم صحيح أن خطة شارون بعد دخول الوسيط المصري ممثلا عن الفلسطينيين لم تعد أحادية الجانب كما أرادها شارون, إلا أن الأوضاع الأمنية في القطاع وما آلت إليه لن ينقذها هذا الوسيط لان تدخله هذه المرة لن يفرض أحد فيه حسن النية, لأنه حتما سيكون لصالح الكيان الصهيوني, على اعتبار أن هذه الأوضاع لصالح الفلسطينيين ضد الاحتلال.
فمثل هذا الوسيط لن يحقق لشارون ما يصبو إليه بعدما انتقلت مرامي شارون من ضمان منع تهريب السلاح عبر الحدود المصرية, إلى حماية العمق الصهيوني .. والذي فرض هذه المعطيات السياسية الجديد بالطبع صواريخ " القسام" المطورة.
الأمريكيون..
في المقابل بدت الإدارة الأمريكية مؤخرا اقل حرارةً أمام خطة شارون للانفصال عن الفلسطينيين, سيما بعد أن تلذذت أعينها بصور صدام حسين الرئيس العراقي المخلوع وهو أمام القضاء العراقي "العادل" المنبثق عن الحكومة العراقية "المؤقتة التي سلمها السلطة أما عدسات الصحفيين وفي حضور القليل من المقربين".
وفي ذات السياق لن تنفعه الضمانات الأمريكية المعطاة له في 14/4/2004م والتي فرح بها كثيرا, فأي ضمانات ستضمن له عدم إطلاق صواريخ "القسام", إذا كانت الدبابات الصهيونية على الأرض, والطائرات الحربية في السماء لم تستطع إيقافها؟!.
وهنا أيضا يطيب أن انقل قول قائد كبير في جيش الحرب الصهيوني "لا تأتي التهديدات من البحر والبر فقط بل من الجوع أيضا وحتى من تحت الأرض".في إشارة إلى توالي تساقط صواريخ القسام.
صواريخ القسام..
ولقد بات واضحاً لدى شارون أن إطلاق صواريخ القسام معضلة لا يصعب حلها بالقوة العسكرية بعدما استنفذها جميعا.وهذا ما أكده الخبير العسكري الصهيوني "عمير ربابورت" في مقال نشرتها له صحيفة "هاريتس" الصهيونية في 2/7/2004م حيث قال فيها أن خطة جيش الاحتلال لمنع إطلاق صواريخ القسام قد فشلت ,و أشار إلى أن الخطة شملت على ثلاثة عناصر وهم
العنصر الأول يتمثل في تدمير الورش الصناعية في قطاع غزة ، فقال " حتى بعد تدمير عشرات ورشات الحدادة في أرجاء القطاع، سيستمر الإنتاج وان كانوا يتصعبون الاعتراف بذلك في الجيش الإسرائيلي".
العنصر الثاني يتمثل في إحباط الصواريخ منذ اللحظة التي توضع فيها على قاعدة الإطلاق. فقال "ربابورت" يجب رؤية أفلام وثقت فيها إطلاق صواريخ القسام بواسطة طائرات الاستطلاع، لتفهم مدى تعقيد هذه الإمكانية. من ناحية قتالية، لا يوجد للجيش الإسرائيلي اليوم أية وسيلة تمكنه من إصابة صاروخ القسام في الجو. لهذا، فان الإمكانية الوحيدة لوقف الإطلاق، إذا كان ذلك ممكنا، هي إصابة الخلايا المنفذة أو الصواريخ أنفسها، قبل الإطلاق بلحظة".
إلا أن " عمير ربابورت" استدرك حديثه قائلا "غير ان المشكلة هنا هي أن رجال القسام يأتون بالصواريخ داخل سيارة تجارية وينزلونها تحت غطاء أعمال زراعية، وهو ما يصعب تعرفها جدا. زيادة على ذلك، الزمن الذي يكون في حوزة قوات الجيش الإسرائيلي هو ربع ساعة كأقصى حد، وهو الزمن الذي يستغرقه رجال القسام لتوجيه الصواريخ ولتشغيلها من بعيد بواسطة ساعة زمنية. نجح الجيش الإسرائيلي في الماضي في استغلال هذه الفترة الزمنية القصيرة لتدمير صواريخ. ولكن لا يمكن الاعتماد على النجاح في كل مرة، أساسا بسبب الكلفة الباهظة لابقاء مروحيات مقاتلة في الجو لاربع وعشرين ساعة يوميا، لسبعة أيام في الأسبوع".
العنصر الثالث
يتمثل في منع نقل الصواريخ من ورشات الحدادة ومخازن حفظ صواريخ القسام إلى مواقع الإطلاق. الغرض الأساس للتصور الجديد هو انه لن يكون ممكنا منع إطلاق صواريخ القسام منعا باتا.
المستقبل القريب..
اعتقد أن الانسحاب من القطاع في ضوء التغيرات النوعية و الإستراتيجية في أساليب المقاومة, والتي دفعت قائد جيش الاحتلال في القطاع يؤكد أنها فاقت توقعه شخصياً, ستزيد من إصرار شارون على الانسحاب من ذي قبل, وستدفعه للمضي قدما في سياسة ترقيع حكومته من الداخل لتمرير خطته.
ولكنني أؤكد هنا أيضا أن التغييرات الحادثة على الأرض بعد 28/6/2004م دللت لشارون انه لن يستفيد من خطته إذا ما بقيت أحادية الجانب.
المستقبل القريب لخطة شارون سيشهد بحثاً حثيثاً وجاداً عن طرف آخر لها, والذي في الغالب لن يخرج عن الفصائل الفلسطينية خاصة ذاك الفصيل الذي يقف وراء صواريخ "القسام".
ليس ضروريا أن يكون الاتصال مباشرة مع الفصائل الفلسطينية ولكن في المحصلة النهائية ما أريد قوله إن الانسحاب سيطرح في المرحل المقبلة لا محالة ولكن ضمن اتفاق سياسي فلسطيني صهيوني ينسحب الثاني بموجبة من كامل قطاع غزة, مقابل اشتراطات سياسية يقطعها الطرف الأول على نفسه و أولها إيقاف إطلاق صواريخ القسام من قطاع غزة.
وعندها ستدخل المنطقة في دوامة الضغط والجذب مرة أخرى بين كافة الأطراف.
* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع