أقسمت الحكومة اليمين الدستوري تسبقها صيحات التهديد وصرخات الوعيد تؤذن بحصار شديد أحكم قبضته على مفاصل الحياة الفلسطينية وشدد خناقه على موارد دعمها متنكرا لكل المبادئ الإنسانية…
أقسمت الحكومة اليمين الدستوري، تسبقها صيحات التهديد وصرخات الوعيد، تؤذن بحصار شديد أحكم قبضته على مفاصل الحياة الفلسطينية وشدد خناقه على موارد دعمها، متنكراً لكل المبادئ الإنسانية والقيم الحضارية التي ادعى الغرب أنه حامل لوائها ورافع راياتها، عندما اقدم على عقوبة جماعية لشعب رفض القيد وأبى الإستخذاء، لمجرد أنه حدد خياراته بما يخدم حقوقه ويحفظ إنجازاته.
مر هذا الحصار الصهيوأمركي من خلال البوابة الأوروبية عبر جسر التواطؤ العربي والتآمر الإقليمي ،فاهتز له الذنب الداخلي، بخماسية بلدية عزفت سنفونية فوضوية ،رسمت بعناية في الغرف المغلقة ودهاليز البيت الأبيض، أشرف على تسويقها القردة السوداء!! وشهدت زوراً أنها خلاقة!!!.
رقص المجلس البائد على السنفونية الأولى، بجلسة الوقاحة البرلمانية ،عندما تيقظ ضميره فجأة من موته السريري العميق، ليجود بصلاحياته التي تخوله المصادقة على قضاة المحكمة الدستورية، فيمنحها لرئيس السلطة، بما لا يفسر إلا بمهزلة نيابية تمنح الرئيس حق حل البرلمان!!!، ولم يكن تبرعهم بصلاحيات أمين السر آخر الجود ولا نهاية الكرم!!، ليتناغم على رقصتهم ويواكب سنفونيتهم؛ شركة القريع الحكومية، التي سابقت الزمن وسارت على بساط الريح ،في استباق الحكومة المقبلة بتسكين الوزارات وملء الشواغر وتوظيف عشرة آلاف في أقل من شهرين، ليغلقوا الطريق على حماس، ويضعوا العصي في دواليب حكومتها ،لتنتهي رقصتهم على أنغام مديونية عالية وخزينة فارغة، وصندوق استثمار اختفى فجأًة وغاب خلسة، بقدرة معارضة ايجابية، فكيف لو كانت سلبية؟!!! ولله الفضل والمنة!!! لتكتمل حلقات الحصار المالي من الخارج والداخل فتجف منابع الدعم وتقطع ومصادر التمويل.
تقدم دويك منصة البرلمان، ليبصر الناس فرقاً شاسعاً وتبايناً شديداً بين رنتيسي الضفة، بحكمته ورزانته المكللة بقوة شخصيته، وبين الذي قاد جلسة الوداع الخسيسة للمجلس البائد، الذي سعى ليعطل المجلس الجديد ويفرض عليه الوصاية ،تصدر دويك لأولى التحديات الداخلية ،وانتزع حقوقه البرلمانية بمعمعة نيابية انتهت بإلغاء قرارات جلسة الاستغفال الأخيرة، بالطعن في قانونيتها وفق القانون الذي اشرف عليه أساطين الحكم القديم* ،وأشرف بنفسه على تتويج هنية أول رئيس وزراء إسلامي في منظومة الحكم الفلسطينية، سبقت هذا التتويج مساجلات ومشاورات ،بذلت جهداً حثيثاً ومرونة واسعة، للحصول على حكومة وحدة وطنية تسير بمركب القضية نحو بر الأمان وشاطئ السلام ،لكن الضغوط الأمريكية ونوايا الإفشال الداخلية، التي لم تعترف بالنتائج الانتخابية من الناحية العملية، حالت دون تشكيل هذه الحكومة، بعدما تبين للجميع أن فتح لن تقبل الدخول في الحكومة حتى تتبنى كل برنامجها وتقبل بكل شروطها ،معتبرةً أن الدخول في حكومة تقودها حماس عاراً لا يمكن تحمله وخنوعاً لا يمكن تقبله؛ إذ لا يمكن لمن استمرأ الانبطاح للعدو أن يقبل التوافق مع الصديق.
هذا القرار الفتحاوي الذي لم يستغل خيار الشعب ،لرفع سقفه السياسي الذي خر إلى تحت مستوى الأقدام، بل حاول جاهداً أن يشد البرنامج الحمساوي إلى مستواه، كان بمثابة شارة البدء لفكي الحصار الإقليمي والدولي ليعمل أسنانه في طحن حماس ،من خلال الضغط على الشارع ليسقطها، مراهنا أن هناك برنامجا بديلا مستعد لتقديم الكثير من التنازلات، سينتصب بديلا لها إذا ما سقطت حكومتها، وما كان الغرب ليستشرس في حصاره لو علم أن برنامجاً بنفس المستوى إن لم يكن أشد صلابة سترفع رايته إذا ما أسقطت حكومة حماس، لكن إيثار مصلحة الجيب اليمنى على مصلحة الوطن العليا كانت هي سيدة الموقف وصاحبة القرار، ليعلم الجميع أن المحاصر الحقيقي للشعب هو من نزل بسقفه عن جدار الثوابت وقدم فاتورة من الحقوق ،أغرت الغرب لتشديد الحصار، ليسقط ملاًّك المبادئ ويعلو سماسرة الوطن.!!
قبلت حماس التحدي؛ وشكلت حكومتها التي لا يعني جبن الآخرين وإحجامهم عن الدخول فيها أنها حزبية أو فئوية، لا سيما وأن يد الشراكة ما زالت ممدودة، وباب التوحد لم يزل مفتوحا، لتقع بين مطرقة الحصار الغربي وسنديان التآمر الداخلي، وتقف في أول امتحان كتب على صفحة الموظفين يحتاج إلى قلم المساعدات ليرسم أجوبة الرواتب.
كان على حماس أن تسلك بدائلها الموعودة، بالركون إلى عمق عربي وسند إسلامي، يفتح بوابة المشرق بعد أن حول البعض قبلته إلى المغرب ،فرهن المشروع وقايضه على لقمة خبز غمست بالذل ،ويدفع الثمن من الحقوق ويصرفه من الثوابت، عندها توجهت حماس في جولة مكوكية، تجول البلدان وتعقد اللقاءات على المستويات الرسمية والشعبية والمدنية ،لتحقق دعما سياسياً ومعنوياً للقضية على أساس الثوابت، قبل أن تحقق دعماً مالياً ليس على مقايضة الحقوق بل حفظها كان هو المقابل، وفت حماس بوعدها ونجحت في إيجاد البدائل التي حدثت عنها ناخبها عندما شغل باله وأهم كيانه سؤال عن الحل إذا فرض الحصار ،ولن أجانب الصواب أو أحيد عن الحقيقة ،إن قلت أن ما كانت تقصده حماس من البدائل، هو الحصول على مصادر دعم ومنابع تمويل، وقد حققتها بامتياز، لولا أن عكر صفوها ما فرض من حصار مصرفي، لم يكن في حسبان حماس فضلاً أن يخطر في بال غيرها، والكمال ليس من شيم البشر..
وتجدد التحدي؛ فزادت وتيرته وقويت قبضته ،تحكم أصابعها على البنوك الوطنية قبل غيرها، لتقطع الطريق على نجاح حققته حماس في توفير مصادر الدعم ومنابع التمويل، فتمنع دخول الأموال وترفض تحويلها، بعد أن نجحت حماس في تجميعها، لتكدس في حسابات الجامعة العربية ،لم تقف حماس مكتوفة اليد أمام هذه الحلقات المتتابعة من التضييق، وتحركت وحيدة في ميدان التخاذل شامخة في ساحة الانبطاح ،ترفض اليأس وتأبى الانحناء، فأدخلت ما استطاعت من الأموال عبر الحقائب اليدوية، مفتخرة بصنيعها فرحة بخدمة شعبها، لا يضرها من طلب من المغني أن يعزف ترنيمة القضاء مع ابو زهري، ولا من لمز المطَّوعين في الصدقات أو بلغت به غمرة الانبطاح إلى التشكيك في مصارف الأموال ومواطن صرفها، رغم التقارير المفصلة التي قطعت الشك باليقين من أول قرش إلى آخر مليم، متجاهلاً ما تسرب بالليل سراً إلى حسابات الرئاسة دون رقيب يدقق أو حسيب يحقق!!! .
ومن غرائب الزمن أن المعارضة البناءة!!! دعية الوطنية، والتي تفنن رجالاتها في تهريب المال إلى الخارج وأتقن أزلامها فنون الاختلاس ومهارات الإهدار،حتى لم يجد إبليس له مكاناً بينهم فانتقل من طور الوسوسة إلى التعلم ، لم يساهموا في إدخال قرش واحد يساهم في فك الضائقة المالية عمن انتخبهم وأوصلهم إلى مقعد البرلمان، وتركوا ساحة الحرب تخوض غمارها حماس، فيما جلسوا على فراشهم الوثير يتشدقون زوراً بالمصلحة العليا ،في انعدام مطلق للقيم الوطنية والمبادئ التحررية .
استطاعت حماس بهذه الطريقة الشاقة ،والوسيلة البدائية، أن تخفف من وطأة الضائقة المالية التي ألقت بظلالها على أفواه الموظفين وقوت يومهم، عبر سلف مالية، عزيزة رغم قلتها ،لم تغمس بذل الخنوع ولا رجس التنازل، في أول قسط مالي يدفع للموظفين دون مقابل سياسي، ولا ثمن يدفع نقداً من قيم الثوابت والحقوق ،في تاريخ السلطة بأسرها، ليسقط رهان كاد يصل مرحلة الإجماع على سقوط الحكومة الفلسطينية في فترة قياسية، مدعمين رهانهم بما وضعوه من العقبات في طريقها ،ونصبوه من الألغام في مسلكها، لكن سرعان ما تهاوى رهانهم في مستنقع الواقع وتكسرت أوهامهم على صخرة التحدي.
والحق الذي ما منه مفر، أن ما أدخلته حماس من الأموال عبر حقائبها اليدوية، والتي كان الزهار بطلها الذي لا يشق له غبار ولا تلين له قناة، لا يمثل إلا جزءاً يسيراً مما تمكنت من جمعه حماس، وأودعته في حسابات الجامعة العربية، فإذا ما جمع النذر اليسير الذي تسلل عبر الطرق اليدوية، مع مستحقات الضرائب التي شرع العدو في مصادرتها، لانتزاع الحقوق وسرقة المواقف، لحلت مشكلة الرواتب برمتها، بل لفاض من المال ما يسمح بتقوية البنية التحتية والسير في طريق الإصلاح، في حين فشلت حكومة قريع السابقة في توفير راتب شهرها الأخير، رغم ما أبدته من المرونة بلغت حد الانبطاح، فكيف إذا تبين أن جل ما صرفته من الرواتب كان عبر ديون بنكية، أثقلت كاهل الموازنة وكبلت سواعد الاقتصاد ، فيما لم تدخل الديون قاموس الحكومة العاشرة، فضلا عما قامت بسداده من ديون الحكومات السابقة .