ولكن لماذا يقتلون الأطفال؟!

ولكن لماذا يقتلون الأطفال؟!

أ. د. سليمان صالح
2007-04-18

هل يمكن أن يتخيل أحد محنة أكبر وأقسى من أن يرى طفله أمام عينية ينزف حتى الموت هذه المحنة واجهتها أسرة فلسطينية فخلال سبع سنوات قتلت إسرائيل طفلا فلسطينيا قتل النفس بغير نفس جريمة…

هل يمكن أن يتخيل أحد محنة أكبر وأقسى من أن يرى طفله أمام عينية ينزف حتى الموت، هذه المحنة واجهتها 900 أسرة فلسطينية، فخلال سبع سنوات قتلت "إسرائيل" 90 طفلاً فلسطينياً.

قتل النفس بغير نفس جريمة، فما بالك والمقتول طفل يحلم بالحرية، ويحمل في صدره مرارة الحرمان من كل الحقوق الإنسانية الطبيعية.

ابتسامة الطفل هي أجمل ما يشتاق الإنسان لرؤيته، لكن الحضارة الحديثة بكل تفوقها التكنولوجي ضاقت بابتسامة طفل يتيم ويقاتل دفاعاً عن حقه في وطن ومدرسة ودولة، فوجهت رصاصة حية إلى قلبه، الرصاصة مصنوعة في بلاد العم سام الذي يدعى كذباً الدفاع عن حقوق الإنسان، والقاتل الجبان لص ضاقت به أوروبا بعد أن خان وغدر فأعطته أرض فلسطين ليطرد منها أهلها، ويقتل أحلام أطفالها.

من يقتل طفلاً لا يعرف أيها السادة حضارة ولا مدنية، ولا ينتمي للإنسانية، و"إسرائيل" لم تقتل طفلاً على سبيل الخطأ، ولكنها قتلت 900 طفلاً خلال سبع سنوات فقط بمعدل 130 طفلاً سنوياً عمداً ومع سبق الإصرار.

الجنود الإسرائيليون الذين يقتلون أطفال فلسطين لا يملكون أخلاقاً ولا عقلاً ولا ضميراً، لقد أفقدتهم العنصرية إنسانيتهم.

اقترب من الموت

من لا يصدق ما أقول يمكن أن يعود إلى تحقيق صحفي نشرته جريدة النيويورك تايمز الصحفي كريس هيدجز يصف فيه حالة لا يمكن أن تجول بخاطر إنسان.

يقول هيدجز إن الجنود الإسرائيليين ينصبون فخاً لأطفال فلسطين، ويقومون بإغرائهم للاقتراب منه، ثم يقومون بقتلهم من أجل التسلية، وقد وصف هذا الصحف العملية بأنها أشبه ما تكون بمصيدة الفئران.

تخيلوا معي أيها السادة أننا في بداية القرن الحادي والعشرين نشهد كيف يتم التعامل مع الأطفال كفئران يتم إغراؤهم للاقتراب من مصيدة، ثم يقوم الجنود بقتلهم.

إنه مشهد يجب أن تخجل منه البشرية وتشعر بالعار، هكذا أيها السادة تم قتل 900 طفلاً فلسطينياً خلال سبع سنوات فقط.

والقيادة العسكرية الإسرائيلية تشجع جنودها على قتل الأطفال فعندما تثبت عليهم الجريمة يتم إضفاء الحماية الرسمية عليهم، ومنع محاكمتهم أو إعلان براءتهم.

القاتل هو الضباب

في رفح كان جنود الاحتلال يهاجمون المدينة، وكانت طفلة فلسطينية تحمل حقيبتها المدرسية في طريقها إلى المدرسة وفجأة أطلق عليها جنود "إسرائيل" عشرين رصاصة مزقت جسدها الطاهر، وعندما تم اكتشاف الجريمة ادعت "إسرائيل" أن الجنود الإسرائيليين لم يتمكنوا من رؤية الطفلة بوضوح نتيجة الضباب، واعتقدوا أن الحقيبة المدرسية تحوي متفجرات!!

ماذا يمكن أن يحدث لإنسان يرى جسد ابنته ممزقاً بعشرين رصاصة، ثم يقال له بكل برود إن القاتل هو الضباب.. وعليه أن يصدق فالضباب ران على قلوب قاسية أعمتها العنصرية، وعلى عقول لم تعد تفكر إلا في الشر، ثم تحول ذلك الضباب إلى قطران فاسودت القلوب وعميت الأبصار.

وذلك الضباب الأسود قد ران أيضاً على قلوب وعقول ممثلي دول العالم التي تملك حق الفيتو في مجلس الأمن، وعلى عقول حكام العالم التابعين لأمريكا.

إن كل طفل وطفلة من بين الـ900 طفلاً الذين قتلتهم "إسرائيل" له قصة تجعل الحجر يبكي، ولكن وسائل الإعلام العالمية لا تهتم بالقصص الإنسانية لأطفال فلسطين، بالرغم من أنها تشكل تراجيديا واقعية مستمرة.

في فصلها الدراسي كانت تجلس غدير، عمرها لا يتجاوز الحادية عشرة، ربما تحلم بمقعد في الجامعة، وبأن ترتدي يوماً زي الطبيبة الأبيض، لكن رصاصات الغدر الإسرائيلي لم تدعها تكمل الحلم الجميل.. فاخترقت الرصاصات سويداء القلب.

ترى لماذا يقتلون الأطفال؟! ومن الذي حول هؤلاء الجنود إلى مجرمين وقتلة؟!

جريمة فكرية وأيديولوجية

إن الذي يستحق المحاكمة العالمية هو الفكر الذي شكل نفسية الجنود الإسرائيليين، وسلوكهم الإجرامي.. إنها جريمة ثقافية وأيديولوجية، فهؤلاء الجنود يستندون في ارتكابهم لتلك الجرائم البشعة على فتاوى أصدرها الحاخامات تبيح لهم قتل أطفال فلسطين، وكان آخر تلك الفتاوى تلك التي أصدرتها لجنة حاخامات مستوطنات الضفة الغربية وقطاع غزة، ونشرتها جريدة يديعوت أحرونوت والتي تبيح للإسرائيليين قتل النساء والأطفال في فلسطين، واستندت تلك الفتاوى إلى نصوص التوراة، كما أن تلك الفتاوى قد اعتبرت أن من يتعاطف مع أطفال فلسطين يعتبر خارجاً على الديانة اليهودية، والأمر لا يتوقف على الفتاوى الدينية حيث يشارك السياسيون الإسرائيليون في تحفيز الجنود على قتل الأطفال بتوفير المبررات السياسية لتلك الجريمة حيث قال رئيس حزب شينوي تومي لبيد في مقالة نشرتها صحيفة معاريف إن على "إسرائيل" أن تقتل الفلسطينيين صغاراً قبل أن ينموا ويكبروا، وتقع "إسرائيل" في ورطة لمجابهتهم.

إن هذا يعني أن رجال الدين اليهود قد استخدموا نصوص التوراة لتبرير قتل الأطفال، في الوقت الذي يقوم فيه رجال السياسة بتبرير هذا القتل لحماية العنصرية الإسرائيلية.

و"إسرائيل" لا تعترف بالاتفاقيات الدولية، ولا تلتزم بأية مبادئ إنسانية، لكن لا أحد يجرؤ على أن يوجه اللوم ل"إسرائيل" التي تحميها الولايات المتحدة وتضمن لها التفوق العسكري.

جرائم إبادة عنصرية

قتل أطفال فلسطين عملية منظمة تقوم بها "إسرائيل" بهدف الإبادة العنصرية، وسأقدم على ذلك دليلاً واحداً، فلقد ارتكبت "إسرائيل" مذبحة ضد الأطفال خلال أسبوع واحد في سبتمبر 2004، قتل في هذه المذبحة 17 طفلاً، كما أصيب 86 طفلاً خلال الاعتداء الذي شنته القوات الإسرائيلية على مخيم جباليا في غزة.

ومن الواضح من خلال الإصابات أن الجنود الإسرائيليين يتعمدون إلحاق عاهات مستديمة بالأطفال الفلسطينيين، وبحيث يظل الطفل الفلسطيني معوقا طوال حياته إذا كتبت له النجاة.

الحرمان من الطفولة

هناك وسيلة أخرى لقتل أطفال فلسطين هي الحرمان والتجويع، فأطفال فلسطين تم حرمانهم من أفراح الطفولة ولعبها وبهجتها، لكن ذلك يهون أمام المأساة التي يتعرض لها هؤلاء الأطفال، الجوع ينهش بأنيابه أمعاء خاوية في ظل حصار بشع تشارك فيه الدول العربية التابعة لأمريكا.

الطفل الفلسطيني يعيش بين نار الجوع وآلام الحرمان ورصاص الغدر الإسرائيلي، فأين ضمائر البشر من تلك المأساة؟!

ومع ذلك فالطفل الفلسطيني المحروم الجائع يفكر ويبدع ويحلم بالحرية، ويتفوق في الدراسة.

على سبيل المثال قتلت "إسرائيل" طفلاً فلسطينياً اسمه رامي في منزله وفي الحجرة التي كانت يزين جدرانها عدد لا بأس به من شهادات التقدير التي تؤكد تفوقه في دراسته.

يقول طفل فلسطيني عبارة كاشفة إنهم لا يريدوننا أن نكبر حتى لا نطالبهم بالرحيل، وحتى لا تشتد عليهم المقاومة مستقبلاً.

لكن أطفال فلسطين الذين يحلمون بالحرية سوف يكبرون ويبدعون في مقاومة الاحتلال، وفي الثأر لرفاق الطفولة الذين اغتالتهم "إسرائيل" غدراً.

ومع أطفال فلسطين سيكبر أطفال العرب الذين سيثورون يوماً على التبعية ومعاهدات الاستسلام والحدود التي صنعها الاستعمار، وسينصرون إخوانهم في فلسطين.

الذين يستسلمون اليوم للأوامر الأمريكية ويشددون الحصار على أطفال فلسطين يشتركون في حمل الآثام والأوزار التي يحملها جنود الاحتلال الإسرائيلي الذين يوجهون رصاصهم بخسة ونذالة وعنصرية إلى صدور أطفال فلسطين.

ودماء أطفال فلسطين لن تضيع، إنها ستشعل شموع الحرية، وستضيء طريق الكفاح الطويل لتحرير فلسطين.

900 طفلاً فلسطينياً قتلتهم "إسرائيل" خلال سبع سنوات، إنها أبشع جرائم التاريخ، ولا يمكن أن يرتكب تلك الجريمة من ينتسب للإنسانية.

الثأر تحرير فلسطين

الوسيلة الوحيدة للثأر لأطفال فلسطين هي نعد ما استطعنا من قوة لتحرير فلسطين ومن أهم مصادر القوة أطفالنا الذين يجب أن نعدهم ثقافياً وحضارياً ليكونوا مقاتلين من أجل الحرية، "إسرائيل" تقتل أطفال فلسطين لأنها تعرف أنها ستواجه غداً جيلاً جديداً يحول حلم الأمة في تحرير فلسطين إلى حقيقة وواقع.

الثأر لأطفال فلسطين الذين قتلهم جنود "إسرائيل" غدراً يكون بإعداد هذا الجيل العربي الجديد.. وتعليمه فن عشق الحرية والإبداع في المقاومة.

ونصرة أطفال فلسطين واجب على كل مسلم، وعذاب هؤلاء الأطفال وحرمانهم يشكل وزراً وإثماً على كل من يشارك فيه أو يوافق عليه.

ولذلك فإننا لابد أن ننتفض دفاعاً عن أطفالنا في فلسطين، وعن حق أطفالنا في لقمة الخبز والتعليم والحرية والوطن.

إننا لابد أن نكافح لكسر هذا الحصار الظالم الذي فرضه القتلة على أطفالنا.

أمريكا تريد أن تقتل أطفال فلسطين جوعاً وحرماناً، بعد أن قتلت "إسرائيل" 900 طفلاً برصاص الغدر، وجريمة أمريكا لا تقل بشاعة عن جريمة "إسرائيل".

لذلك لابد أن ينتفض العرب ضد التبعية لأمريكا التي جعلت النظم العربية تساهم في فرض الحصار على شعب فلسطين وتساهم في تجويع أطفاله.

 إن الشعوب العربية يجب أن تكسر هذا الحصار الظالم، وأن تفتح أبواب التبرعات لبناء المدارس في فلسطين، فأطفال فلسطين الذين عانوا الجوع والحرمان يمكن أن يتفوقوا علمياً، ويساهموا في تشكيل مستقبل أفضل للأمة كلها.

وفي مقابل 900 طفلاً استشهدوا على أرض فلسطين يجب أن نعد 900 ألفٍ من أطفال فلسطين ليكونوا علماء وقادة ومقاتلين من أجل الحرية.

* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع
جميع الحقوق محفوظة لدى دائرة الإعلام العسكري لكتائب الشهيد عز الدين القسام ©2026