في الحقيقة إن تعبير زلزال ليس من بنات أفكاري بل هو إعادة استخدام للتعبير الذي استخدمته الصحافة الإسرائيلية مؤخرا في مجال التعقيب على النتائج المنتظرة والمتوقعة عند نشر نتائج تحقيق…
في الحقيقة إن تعبير زلزال ليس من بنات أفكاري بل هو إعادة استخدام للتعبير الذي استخدمته الصحافة الإسرائيلية مؤخراً في مجال التعقيب على النتائج المنتظرة والمتوقعة عند نشر نتائج تحقيق لجنة القاضي المتقاعد إلياهو فينوغراد التي تفحص أسباب الفشل العسكري والسياسي في إدارة العدوان الإسرائيلي على لبنان الصيف الماضي والمنتظر أن تعلن في النصف الثاني من أبريل الجاري. وبالرغم من أن هذه اللجنة تعد لجنة حكومية فإنها استطاعت أن تكسب ثقة الرأي العام من خلال طريقة عملها والمعايير التي ألزمت نفسها بها ومن هنا يتوقع الجميع أن تؤثر نتائجها كثيراً في البنية السياسية والعسكرية القائمة.
غير أن ما حدث في اليومين الأخيرين من مارس الماضي يوحي بأن الضغوط الحكومية تعمل من أجل التأثير على مضمون النتائج بشكل أو بآخر. حيث ألغت اللجنة نشر إفادة رئيس الوزراء والتي كان مقرراً لها يوم الثاني من أبريل تطبيقاً لقرار المحكمة الإسرائيلية العليا التي أقرت نشر هذه الإفادات لكن قرار الإلغاء جاء مسبباً بعوامل قانونية ودستورية وواقعية وهو ما فهم على أن مضمون إفادة أولمرت سيكون له تأثيراته الكبرى وربما تؤثر على الاستخلاصات الكلية لاحقاً وهي التي ينتظرها الجميع على أحر من الجمر.
والهدف الأساسي لهذه اللجنة هو الكشف عن أوجه القصور والفشل وراء عدم تحقيق الحملة العسكرية على لبنان لأهدافها رغم توظيفها لكل الإمكانيات والأسلحة الجوية والبحرية والبرية والإجابة على تساؤل جوهري وهو إلى أي مدى كانت الحرب اختيارية ومعداً لها جيداً. وفي المعلومات المتداولة فإن الأداء العسكري شابه قصور كبير يمكن تلخيصه في أنه لم يلتزم بعدد من المبادئ الأساسية للنظرية الأمنية التي أسسها بن جوريون وهي السعي إلى منع الحرب أو تأجيلها بقدر المستطاع وإن كانت حتمية فيجب الاندفاع لها عبر إعداد جيد يحقق الانتصار وفي أيام معدودة وعلى أرض العدو. وهي مبادئ لم تلتزم بها حملة العدوان على لبنان بل فرطت في كل عناصرها. فضلاً عن أن أهداف الحملة كانت طموحة جداً تمثلت في الإجهاز الكامل على حزب الله وهو ما لم يحدث رغم الخسائر الكبيرة التي مني بها الحزب بالفعل سواء في الجنوب معقله الرئيسي أو في الضاحية الجنوبية لبيروت.
والمثير هنا أن المقاطع التي نشرت سابقاً من إفادة أولمرت تضمنت اعترافاً بأن حكومته كانت تعد نفسها للحرب قبل أربعة أشهر وكانت تخطط لها وإن ما حدث من أسر حزب الله للجنديين لم يكن سوى الشرارة لبدء الحرب الإسرائيلية على لبنان. وسواء كانت هذه الإفادة جزءاً من مناورة سياسية للإفلات من الاتهام بالتقصير السياسي عبر تحميل المسئولية للعسكريين السابقين والموجودين في الخدمة أو هي إقرار بأمر واقع فإن هذا الاعتراف بالإعداد المسبق للحرب يوافق التفسير الذي قال به حزب الله أثناء العدوان من أن أسر الجنديين لم يكن سوى ذريعة لحرب وعدوان على لبنان مخطط لهما منذ فترة سابقة وأن قدر الحزب ورجاله هو مواجهة هذا العدوان لحماية لبنان. والمرجح أن نتائج اللجنة المنتظرة سوف تظهر إلى أي مدى نظرت حكومة أولمرت للعدوان الشامل على لبنان باعتباره الطريق الوحيد لرد الاعتبار لنظرية الردع الإسرائيلية القديمة والتي لم يبق منها سوى أثر بعد عين.
وعودة إلى تعبير الزلزال السياسي المنتظر فهو يعني ببساطة أن استخلاصاتها ستكون الأسوأ مهنياً وسياسياً بالنسبة للعديد من الشخصيات السياسية والعسكرية البارزة في الدولة العبرية في اللحظة الجارية وقد يتبعها الإطاحة برؤوس عدة سياسياً وعسكرياً وأن هزة سياسية كبرى ستعيشها البلاد لمدة ثلاثة أو أربعة أشهر لحين إجراء انتخابات مبكرة. في هذا السياق يبدو الاعتقاد محل الإجماع أن كلا من رئيس الوزراء أولمرت ووزير الدفاع عمير بيرتس سيكونان من أوائل الضحايا. وحتى إن لم تكن هناك انتخابات مبكرة فستكون هناك حكومة جديدة وهنا تتأرجح التوقعات بين أمرين الأول أن يشكل نيتانياهو زعيم الليكود هذه الحكومة الجديدة وهو الذي يحلم بانفراط عقد حزب كاديما بعد الإطاحة بأولمرت وأن يتلو ذلك عودة عدد من أعضاء كاديما المنهار لا يقلون عن عشرة إلى أحضان الليكود باعتباره الحزب الأم ومن ثم يصبح الأخير صاحب الأغلبية في الكنيست التي تؤهله لتشكيل حكومة ائتلاف مع الأحزاب الدينية واليمينية الأخرى بكل سهولة.
الأمر الثاني فهو أن تنجح تسيبي ليفني وزيرة الخارجية في حكومة أولمرت وهي الأكثر شعبية في المرحلة الجارية في أن تصبح زعيمة كاديما خلفا لأولمرت وأن تتمكن من الحفاظ على الحكومة الحالية بتعديلات بسيطة.
مثل هذه المشاهد السياسية التي يقلبها المحللون الإسرائيليون تقوم على افتراض بات شبه مؤكد وهو أن تقرير لجنة فينوغراد المقرر نشره في النصف الثاني من أبريل سوف يتضمن تحميلاً شبه كامل للمسئولية لأولمرت الأمر الذي سوف يهز مكانته الشخصية والحزبية إن لم يدمرها تماماً لاسيما في ضوء الاتهامات بالفساد المالي وسوء استخدام النفوذ الموجهة له ولبعض المقربين منه. والحقيقة أن بعضاً من هذه المؤشرات باتت ظاهرة للعيان منها تدني شعبية أولمرت إلى ما دون 9% حسب استطلاع للرأي جرى في نهاية فبراير الماضي وهي نسبة ضئيلة تعكس فقدان الرأي العام ثقته في رئيس وزرائه. في الوقت نفسه ارتفعت نسبة شعبية نيتانياهو إلى 34% وبما يؤهله ومعه الليكود للفوز بنسبة عالية من الأصوات إذا جرت الانتخابات في ظل هذه الظروف شريطة أن يظل حزب العمل متعثراً في انتخاب شخصية قيادية محنكة يمكنها أن تجمع شتات الحزب وتنتصر في الانتخابات المرتقبة.
وبينما يسود الرأي العام حالة من الترقب والانتظار لنتائج التحقيق فإن بعض ما تسرب من إفادة أولمرت تعطي الانطباع بأن الرجل بات فاقداً للتوازن أو أنه يناور ويراوغ بما يفوق ظروف اللحظة أو ربما منفصل عن واقعه بشكل مريب وفي ذلك يقول عوزي بنزيمان وهو كاتب رئيسي في صحيفة هاآرتس في الأول من إبريل الجاري "لشدة الاستغراب أن أولمرت لا يعاني من منصبه هذا وأنه ينجح في عزل نفسه عن كل الخناجر التي ترسل نحوه بسبب الشبهات الموجهة إليه بتهم الفساد ومقاييس شعبيته المحرجة. الدرع السيكولوجية التي ارتداها هي المقلقة أو ليس هذا دليلاً على انفصامه عن واقعه".
ماذا يهمنا نحن العرب في هذه التطورات الإسرائيلية؟ اعتقد أنه كثير وجوهري فأولمرت فاقد الشعبية داخلياً والمرجح غيابه من المشهد السياسي الإسرائيلي كله بدأ في إظهار بعض المرونة النسبية لفظياً على الأقل تجاه عملية السلام عبر إشارات ترى في المبادرة العربية للسلام عناصر إيجابية وأنها يمكن أن تشكل أساساً للمفاوضات وفي الدعوة المريبة للسعودية أن تعقد قمة عربية يشارك فيها شخصياً والإيحاء بأنه بات أكثر انفتاحاً على الرئيس محمود عباس رغم تشكيل حكومة وحدة وطنية برئاسة حماس الموصوفة إسرائيلياً بالإرهاب والمطلوب رأسها ورأس كل من ينتمي إليها. ومن يتأمل هذه التصريحات يدرك أنها ليست أكثر من مناورة وتصريحات محدودة القيمة لا تهدف سوى الانخراط في جهد سياسي ودعائي على أمل أن يؤدي ذلك إلى التخفيف من حدة الانتقادات الداخلية من جانب وأنها مجرد استعداد لاستيعاب نتائج لجنة فينوغراد.
ولما كان اليمين الإسرائيلي لا يعترف أساساً بالتعامل مع الفلسطينيين ولا يعترف بحقوقهم ولا بالمبادرة العربية للسلام فهو لن يقبل بنجاح هذه المناورة بل سيعمل على إفشالها بكل قوة من خلال سرعة إسقاط حكومة أولمرت أو الإطاحة به شخصياً بعد إعلان تحقيق فينوغراد. وإذا ما حدث ذلك فإن على العرب والفلسطينيين أن ينتظروا شهورا أخرى إلى حين إجراء انتخابات إسرائيلية جديدة ثم تشكيل حكومة أخرى.
وفي كل الأحوال لن يقف الاستيطان ولا نهب الأراضي ولا الاجتياحات العسكرية ولا اعتقال الناشطين من كل الفصائل. وربما كان الأخطر في كل ذلك أن يهرب أولمرت إلى الأمام عبر إثارة حرب إقليمية يكون عنوانها ضرب منشآت إيران النووية وبما يربك حسابات الجميع داخلياً وإقليمياً وأمريكياً أيضاًً.
* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع