طموحات الرئاسة وراء تصعيد المواجهة بين «فتح» و«حماس»

طموحات الرئاسة وراء تصعيد المواجهة بين «فتح» و«حماس»

فهمي هويدي
2002-10-22

طموحات الرئاسة وراء تصعيد المواجهة بين

New Page 1

طموحات الرئاسة وراء تصعيد المواجهة بين «فتح» و«حماس»

/

لا يستطيع المرء أن يخفي قلقه البالغ مما يجري في غزة، والذي يبدو في ظاهره تصعيداً للمواجهة بين «فتح» و«حماس»، بينما هو في حقيقته تمهيد لحرب أهلية يراد لها أن تشعل حريقاً كبيراً في القطاع، سوف يحقق لشارون ما يريده من تصفية للانتفاضة والمقاومة هناك، الأمر الذي يجنبه كلفة المغامرة باحتلال القطاع لكي يبسط عليه هيمنته، كما فعل في الضفة الغربية.

 لقد أفاضت التقارير الصحفية في عرض ما جرى في القطاع اثر مقتل العقيد راجح أبو لحية على يد شاب ينتمي إلى حركة «حماس» (عماد عقل)، أخذاً بثأر شقيق له (يوسف عقل) كان قد قتل أثناء إطلاق الشرطة الفلسطينية النار على تظاهرة احتجاجية لطلاب الجامعة الإسلامية في غزة قبل أكثر من عام، وكان الذي أمر باطلاق النار هو العقيد أبو لحية، الأمر الذي أدى إلى مقتل ثلاثة من الفلسطينيين وجرح العشرات من الطلاب، ذلك أن عماد الذي قرر أن يثأر لموت شقيقه تربص مع نفر من أهله وأصحابه بالعقيد أبو لحية ثم استدرجوه وقاموا بقتله، ورغم أن العملية لم يكن لها أي طابع تنظيمي، فلا القتل كان مرتباً من جانب «حماس»، ولا العقيد أبو لحية كان من عناصر «فتح»، رغم ذلك فقد تحول الموقف بسرعة إلى مواجهة بين التنظيمين، أدت إلى اشتباك مسلح بينهما قتل فيه خمسة فلسطينيين، برصاص فلسطيني للأسف الشديد، وهو ما يثير أسئلة عديدة ويبعث على الشك والارتياب، ذلك أن الأمر ما كان له أن يصعد ويصل إلى تلك الذروة الدامية لولا أن هناك أطرافاً أخرى سعت إلى ذلك وكانت لها مصلحة فيه.

لقد كان التوقيت الذي وقع فيه حادث القتل بالغ السوء على الجبهة الفلسطينية، إذ ما كان يتصور أحد أن يتواصل الهجوم الإسرائيلي الشرس على غزة، في حين يلجأ طرف فلسطيني إلى تصفية أحد قيادات الشرطة الفلسطينية. واختيار هذا التوقيت السيئ دال على أن عملية القتل انبنت على حسابات شخصية بحتة، ولم يكن لحركة «حماس» أي دور فيها أو علاقة بها.

ليس ذلك فحسب، وإنما كانت كل الدلائل تشير إلى أن «حماس» خارج الموضوع تماماً، ذلك أن الحركة اعتبرت من البداية أن الدم الفلسطيني خط أحمر لا يجوز الاقتراب منه تحت أي ظرف، لذلك فلم يعرف أنها قامت بأي عملية اغتيال ضد أي عنصر فلسطيني، بمن في ذلك رجال السلطة الذين ارتكب بعضهم بحقها جرائم تراوحت بين القتل وتسهيل القتل والاختطاف وتسليم الخلايا، وهناك قصص شهيرة في هذا الصدد يعرفها كل من اقترب من المشهد الفلسطيني، وللعقيد جبريل الرجوب الذي كان رئيساً للأمن الوقائي، دوره المحزن في تلك الممارسات، و«حماس» لم ترد وأغلب الظن أن ذلك كان بوسعها.

يحسب لـ«حماس» أيضاً في هذا السياق أنها توقفت عن إعدام العملاء الذين ألحقوا برجالها وأقرانهم من رجال المقاومة أضراراً بالغة، وكانت تكتفي بإلقاء القبض عليهم وتسليمهم للسلطة، حتى تتحمل من جانبها مسؤولية حسابهم، في حين أن كتائب الأقصى التابعة لحركة «فتح»، قامت بإعدام من وقع بأيديها من العملاء أثناء المقاومة.

برغم تلك الشواهد فإن بعض عناصر السلطة تحركت في اتجاهين، فهي من ناحية طالبت حركة «حماس» بإدانة قتل العقيد أبو لحية وتسليم القاتل، ومن ناحية ثانية دأبت تلك العناصر على استنفار أعضاء حركة «فتح»، وتأليبهم ضد «حماس».

حشر «حماس» في المشكلة كان مقصودا في ما يبدو، سواء لإضعاف موقفها في غزة، التي تتمتع فيها بقواعد عريضة وقوية، أو لإظهارها بمظهر المتحدي للسلطة، الذي يتعين «كسر أنفه» وتحجيم قدرته ودوره.

ولو أن الأمر مقصور على إدانة عملية القتل لهان، لكنه في حالة العقيد أبو لحية كان له وضع خاص، فالرجل الذي شغل منصب قائد قوات التدخل السريع (لمكافحة الشغب)، لم يكن يتمتع برصيد إيجابي من أي نوع في غزة، وإذا كان هو من أمر باطلاق النار على طلاب جامعة غزة الذين خرجوا احتجاجاً على السياسة الأميركية في أعقاب ما حدث في 11 سبتمبر (أيلول)، فانه يذكر له أيضاً انه من أمر باطلاق الرصاص على المصلين في مسجد فلسطين عام 94، مما أدى إلى مقتل 18 فلسطينياً، الأمر الذي أجج مشاعر الغضب والثورة في غزة ضد السلطة آنذاك.

هذا السجل السيئ ليس غائباً عن الإدراك الفلسطيني في غزة. وكما قال لي بعض من اتصلت بهم هاتفياً هناك، فان الرجل ارتكب جريمته تلك ولم يحاسبه أحد على فعلته، في حين أن الذين ثأروا منه طالبت السلطة بتقديمهم للعدالة.

اللافت للنظر أن الدور القمعي الذي مارسته الشرطة في غزة (20 ألفاً) ضد المتظاهرين من أبنائها ضد الاحتلال أو ضد الأميركيين، لم ير له أثر في مواجهة الاجتياحات الإسرائيلية لمدن القطاع وقراه، حتى أن أحد الأصدقاء سأل متعجباً، لماذا لا تظهر بنادق الشرطة إلا في مواجهة الفلسطينيين في حين تخلى المقرات ويلزم الجميع بيوتهم عند الهجوم الإسرائيلي؟ وهل يتصرف الجنود على ذلك النحو بناء على اجتهادهم الشخصي، أم انهم يطلقون الرصاص على الشباب الفلسطيني بناء على الأوامر، ويغادرون المقرات ويحتمون ببيوتهم، أيضاً بناء على أوامر؟

استنفار «فتح» في غزة على النحو الذي حدث في موضوع قتل العقيد أبو لحية، لم يكن له ما يبرره، لان الرجل لم يكن عضواً في الحركة كما ذكرت، ثم إن العملية ذاتها وجهت إلى شخصه، ولم توجه إلى الحركة، ولذلك فان ذلك الاستنفار الذي أدى إلى إدخال «فتح» كطرف أساسي في الموضوع، كانت له أهداف أخرى أبعد من الحادث وملابساته.

ونحن نستطيع أن نستشف تلك الأبعاد من التصريحات «الصقورية» التي صدرت عن العقيد محمد دحلان مسؤول الأمن الوقائي السابق في القطاع، الذي قيل انه قدم استقالته مؤخراً في وظيفة مستشار الأمن القومي التي كان قد عين فيها، وقد نشرت تلك التصريحات على نطاق واسع، وفيها هدد دحلان بحرق مقار «حماس» في غزة، ولوح باستخدام البلطجية لكي يردوا بدورهم على بلطجية «حماس»، كما هدد بقتل بعض قيادات حركة «حماس»، إلى غير ذلك من التلويحات «الشارونية»، التي نفاها العقيد دحلان في بيان صدر في وقت لاحق، ولكن تواتر الروايات التي نقلت عنه نفس الكلام ابطل مفعول النفي. وكان الأستاذ جهاد الخازن قد نشر في زاويته بصحيفة «الحياة» (يوم 10/16) انه سمع بأذنه هذا الكلام من مسؤول في السلطة لم يذكر اسمه، لكننا عرفنا من النشر الموازي في أماكن أخرى وصحف أخرى أن العقيد دحلان هو صاحب التصريحات والتهديدات.

لا يستطيع مراقب أن يغفل نبرة تحريض الفتحاويين في تصريحات دحلان، كما لا يستطيع أن يتجاهل اللهجة الصقورية التي يتحدث بها، وهذا وذاك لا نستطيع أن نعزله عن التصريحات التي نقلها على لسانه راديو لندن صبيحة يوم السبت الماضي 19/10، وانتقد فيها الرئيس عرفات، بحجة انه لم يتقدم في مسيرة الإصلاحات، ولم ينجح في وقف العمليات الاستشهادية أو الانتفاضة، ذلك أن هناك خيوطاً تربط بين هذه الإشارات، التي تلاحقت في أعقاب مقتل العقيد أبو لحية.

وهذه الخيوط تتمثل في ما يلي

يستثير دحلان الفتحاويين في غزة موحياً لهم بأن ما جرى موجه ضد نفوذهم ووجودهم في الساحة الفلسطينية بوجه عام، وفي غزة بوجه أخص. واستنفار العصبية الفتحاوية يراد له أن يشكل ضغطاً على الرئيس عرفات وهو بصدد تشكيل حكومة جديدة، لكي يرد الاعتبار لـ«فتح» التي صورت بحسبانها معتدى عليها و«جريحة»، ومن ثم يعطيها الحصة الأكبر في الحكومة، وإذا ما تحقق لها ذلك فإن أغلبيتها في الحكومة إذا وضعت إلى جوار أغلبيتها في المجلس التشريعي (55 من 85)، فذلك معناه سيطرة «فتح» على إدارة الوضع الفلسطيني في المرحلة المقبلة، وتهميش أدوار الفصائل الأخرى.

حين يلوح دحلان بإحراق مقار «حماس» وإطلاق البلطجية عليهم وقتل بعض قياداتهم، فانه يقدم نفسه باعتباره الرجل القوي والحازم، القادر على تحدي «حماس» وإيقافها عند حدها، وهو الدور الذي لم يستطع عرفات أن يقوم به، حيث يصور في المشهد الراهن وكأنه أقل حزماً وأضعف من أن يقوم بمواجهة شاملة لـ«حماس» مثل تلك التي توعد بها دحلان.

ثم انه حين يعلن استقالته ويجهر بانتقاداته تلك لعرفات، فانه يبعث برسالة إلى كل من يهمه الأمر خلاصتها انه غير راض عن العمليات الفدائية وعن استمرار الانتفاضة أو بطء الإصلاحات، ثم يقدم نفسه في الوقت ذاته، باعتباره رجل تلك المهام الكبيرة التي فشل غيره في النهوض بها.

ولأن الأمر كذلك، فإننا لا نستغرب ما نشرته صحيفة «معاريف» في عدد 15/10، حين ذكرت انه عقب استقالة دحلان أعلن سكرتير حزب العمل الإسرائيلي، النائب أوفير بيلس أن تلك الخطوة جديرة بالتقدير، خصوصاً أن دحلان انتقد عدم تنفيذ الإصلاحات في السلطة، الأمر الذي يضعه كبديل قيادي لعرفات.

يقول المقربون من الدوائر الفلسطينية الضيقة أن دحلان في كل حركاته وتصرفاته لم تفارق عيناه مقعد عرفات، وانه إذا كان أبو مازن قد رشح ليكون رجل المرحلة الانتقالية، فان محمد دحلان يرشح نفسه لكي يكون رجل المرحلة النهائية، والورقة الأساسية في مسوغات ترشيحه هي مراهنته على القضاء على «حماس» ووقف الانتفاضة (وهما في مقدمة المطالب الأميركية والإسرائيلية) حتى وان كان ثمن ذلك هو إشعال حريق الحرب الأهلية الفلسطينية، وهو الذي يجري التحضير له بهمة مشهودة الآن، في السر والعلن.

* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع
جميع الحقوق محفوظة لدى دائرة الإعلام العسكري لكتائب الشهيد عز الدين القسام ©2026