• ياسر نمر النباهين

    على درب الجهاد تحلو الحياة

    • ياسر نمر النباهين
    • الوسطى
    • مجاهد قسامي
    • 2022-08-07
  • سمير عقل عبد القادر أبو سليمة

    أفنى حياته متنقلاً في ميادين الجهاد

    • سمير عقل عبد القادر أبو سليمة
    • رفح
    • مجاهد قسامي
    • 2022-08-08
  • أحمد محمد عفانة

    صاحب عزيمة جبارة وإرادة قوية

    • أحمد محمد عفانة
    • الشمال
    • مجاهد قسامي
    • 2022-08-07
  • سامر خالد ناصر

    باع الحياة رخيصة لله والله اشترى

    • سامر خالد ناصر
    • الشمال
    • مجاهد قسامي
    • 2022-07-23
  • إبراهيم محمد الشندغلي

    أقنى حياته لله

    • إبراهيم محمد الشندغلي
    • الشمال
    • مجاهد قسامي
    • 2022-07-03
  • محمود بشار الحمايدة

    في ركب الدعوة والجهاد منذ صغره

    • محمود بشار الحمايدة
    • رفح
    • مجاهد قسامي
    • 2018-08-18
  • رضوان محمد ادريس

    على درب الجهاد تحلو الحياة

    • رضوان محمد ادريس
    • غزة
    • مجاهد قسامي
    • 2014-08-18
  • شادي حسين ملاح

    لأجل دينه .. قدم الغالي والنفيس

    • شادي حسين ملاح
    • الضفة الغربية
    • مجاهد قسامي
    • 2006-08-18
  • عنان أحمد دراغمة

    جاهد بصمت وتقدم الصفوف في أحلك الظروف

    • عنان أحمد دراغمة
    • الضفة الغربية
    • مجاهد قسامي
    • 2006-08-18
  • آدم يحيى خفاجة

    التحق بركب المجاهدين بكل صدقٍ وإخلاص

    • آدم يحيى خفاجة
    • رفح
    • مجاهد قسامي
    • 2014-08-18
  • إسماعيل خليل قشطة

    طلب الشهادة لا يفارق لسانه

    • إسماعيل خليل قشطة
    • رفح
    • مجاهد قسامي
    • 2006-08-18
  • فتحي سعيد  الجعبري

    جنديُّ عرفَ كيف يضيء دربه إلى الجنة!

    • فتحي سعيد الجعبري
    • غزة
    • مجاهد قسامي
    • 2004-08-18
  • صلاح عبد الكريم الحية

    أحد أبطال وحدة التصنيع

    • صلاح عبد الكريم الحية
    • غزة
    • مجاهد قسامي
    • 2004-08-18
  • مالك جبر ياسين

    جندي سري من جنود كتائب القسام

    • مالك جبر ياسين
    • الضفة الغربية
    • مجاهد قسامي
    • 2006-08-18
  • علاء  علي الشريف

    وحيد ابن وحيد وشهيد حفيد شهيد

    • علاء  علي الشريف
    • غزة
    • مجاهد قسامي
    • 2004-08-18
  • محمد أحمد الجعبري

    براءة الطفولة وحرارة الشباب وخبرة الشيوخ

    • محمد أحمد الجعبري
    • غزة
    • قائد ميداني
    • 2004-08-18

نجم جهادي انضم إلى كوكبة الشهداء

يحيى عبد اللطيف عياش
  • يحيى عبد اللطيف عياش
  • الضفة الغربية
  • قائد عسكري
  • 1996-01-05

القائد المهندس/ يحيى عبد اللطيف عياش "أبو البراء"
نجم جهادي إنضم إلى كوكبة الشهداء


القسام ـ خاص:
عياش … شعلة للمقاومة … راية للشهادة … شعاع أثر شعاع … سنبلة تلو سنبلة ...وتواصل قافلة الشهداء عبر التاريخ ، نجم جهادي انضم إلى كوكبة الشهداء ، ريحانة قسامية انغرست في أرض فلسطين … هكذا ترجل فارس المجاهدين قائد مجموعات الاستشهاديين في كتائب الشهيد عز الدين القسام ، الذراع العسكري لحركة المقاومة الإسلامية حماس .

ميلاد المهندس

" يحيى  عياش الرجل المعنى في زمن تساقطت فيه المعاني عن كثير من الرجال ، الطيف العصى الذي لا يُرى بسهولة ، يحيى شحادة اليدان اللتان تتقنان صنع الحرائق لتشرق الشمس بلا كآبة على الذرى الفلسطينية ، العينان اللتان تصادقان الليل فـي البحث عن ممر إلى ثغور الغزاة ..الكوفية التي تتشابه خيوطها مع ندوب الأرض المقدسة ، يحيى عياش   نجم فلسطيني احترق وهوى كعباءة منسوجة بورق الزيتون ووجهه مقبل على الصلاة كحدود الشهادة ".

القلب الصغير الذي يحمله الشاب الهادىء الوادع يتسع كل فلسطين بأرضها وسمائها وبحرها وأقصاها وأهلها ، كان يعتقد دوماً أنه خُلق لأجلهم ، لأجل عزهم ، لأجل مستقبلهم .

 ولد يحيى ونشأ في قرية (رافات) بين نابلس وقلقيلية لعائلة متدينة محافظة ، وقد رزق الله (الحاج عبد اللطيف) ابنه البكر (يحيى في) الثاني والعشرين من مارس من عام 1966 ، وقد كان يحيى معروفاً بذكائه الحاد وحفظه الدقيق ، وبدأ بحفظ القرآن منذ السادسة من عمره ، وكان الصمت والخجل والهدوء ميزات خاصة في يحيى ، وكأي فلسطيني كبر يحيى وكبر معه الألم الذي يعتري الأحرار ، كان يدرس في مدرسة القرية الإبتدائيــة ويقف واجماً في وسط الطريق يحملق في جرافات المستوطنين التي تسوي أراضي القرية وتلتهمها لتوسيع المستوطنة .

مسيرته التعليمية

وقد واصل دراسته الإعدادية والثانوية وحصل في امتحان التوجيهي على معدل 92.8% في القسم العلمي ليلتحق (بجامعة بيرزيت) في قسم الهندسة الكهربائية (قسم الإلكترونيات) وكان يحب دراسة الكيمياء التي تبحر فيها ، وقد كان خلال دراسته أحد نشيطي (الكتلة الإسلامية) .

وبعد تخرجه حاول الحصول على تصريح خروج للسفر إلى الأردن لإتمام دراسته العليا ورفضت السلطات طلبه ، وقد عقب على ذلك (يعكوف بيرس) رئيس المخابرات آنذاك بالقول: " لو كنا نعلم أن (المهندس) سيفعل ما فعل لأعطيناه تصريحاً ، بالإضافة إلى مليون دولار " ، وتزوج بعد تخرجه من إبنة عمه ورزقه الله ولده البكر (البراء) فيما رزق بولده (يحيى) بتاريخ 24/12/1995م .

ولمّا انطلقت شرارة الانتفاضــة أول (أبو البراء) رسالة إلى (كتائب الشهيد عز الدين القسام) ، يوضح لهم فيها خطة لمجاهدة اليهود عبر العمليات الاستشهادية وأصبحت مهمة (يحيى عياش) إعداد السيارات المفخخة والعبوات شديدة الانفجار .

فذاً ..مجاهاً ..قائداً ..صلباً …

لم يكن عياش انساناً عادياً ولا شخصاً محدود القدرات والمواهب بل كان رجلاً فذاً ومجاهاً متمرساً وقائداً صلباً ومؤمناً ورعاً تفيض نفسه بالإيمان وتعمر روحه بالصفاء والنور والتقوى نشأ يحيى عياش في قرية رافات التي ولد فيها عام 1966 ، على دراسة العلوم الإسلامية وحفظ القرآن الكريم ، وتفوق في دراسة الابتدائية والثانوية مما دفعة لدراسة الهندسة الكهربائية في جامعة بيرزيت فحصل منها عام 1991 على شهادة البكالوريوس .

تفوق عياش في الدراسة وانشغاله بمسألة التحصيل العلمي لم يمنعه من التفكير بقضايا شعبه والتخلص من الاحتلال الصهيوني  الجاثم على أرض فلسطين فاتجه عياش لتسخير مقدراته العلمية وتفوقه في مجال الهندسة الكهربائية لمحاربة الإرهاب الصهيوني  الذي يرتكب المجازر ضد الآمنين في منازلهم والعاملين في حقولهم والمصلين في معابدهم فبرع يحيى عياش في صنع المتفجرات والعبوات الناسفة واستطاع ابتكار طرق مختلفة للتفخيخ والتفجير وأجاد التحرك والاختفاء ، واستطاع من خلال ترؤسه لمجموعات الاستشهاديين في كتائب الشهيد عز الدين القسام أن ينتقم لضحايا الإرهاب الصهيوني الذي يدير منذ أوائل هذا القرن حرباً للقتل والإرهاب والتعذيب والبطش ، تارة بأيدي العصابات الصهيونية وطوراً بأيدي المغتصبين  وجيش الاحتلال .

كان الدم المسلم الفلسطيني نازفاً بغزارة الحقد اليهودي يغطي أرض (الحرم الإبراهيمي) في الخامس عشر من رمضان المبارك لتشتعل بهذه الدماء قلوب المسلمين ، فيما القلب الصغير تحوّل إلى نار وبارود ولهيب يلفح من ذبحوا شعبه على مرأى ومسمع العالم الظالم ، وأقسم أن يكون هو الرد ، هو القدر النافذ الذي يوقف زحف الغطرسة الصهيونية والاستعلاء الصهيوني ، كان حينها المهندس مطلوباً لقوات الاحتـــلال بسبب انتمائه إلى (كتائب الشهيد عز الدين القسام)، وقد أدرج على قائمة المطلوبين لأول مرة في نوفمبر سنة 1992م إثر اكتشاف السيارة المفخخة في رمات إفعال) .

أهم العمليات

عبقرية القائد يحيى عياش نقلت المعركة إلى قلب المناطق الآمنة التي يدّعي الصهاينة  أن أجهزتهم الأمنية تسيطر فيها على الوضع تماماً . فبعد العمليات المتعددة التي نفدت ضد مراكز الاحتلال والدوريات العسكرية نفذ مقاتلو حماس بتخطيط من قائدهم عياش عدداً من العمليات أهمها :

·      6 نيسان 1994 الشهيد رائد زكارنة يفجر سيارة مفخخة قرب حافلة صهيونية في مدينة العفولة مما أدى إلى مقتل ثمانية صهاينة وجرح ما لا يقل عن ثلاثين وقالت حماس أن الهجوم هو ردها الأول على مذبحة المصلين في المسجد الإبراهيمي في مدينة الخليل .

·       13 نيسان 1994 مقاتل آخر من حركة ( حماس ) هو الشهيد عمار عمارنة يفجر شحنة ناسفة ثبتها على جسمه داخل حافلة صهيونية في مدينة الخضيرة داخل الخط الأخضر ، مما أدى إلى مقتل 5 صهاينة وجرح العشرات .

·       19 تشرين أول 1994 الشهيد صالح نزال وهو مقاتل في كتائب الشهيد عز الدين القسام يفجر نفسه داخل حافلة ركاب صهيونية في شارع ديزنغوف في مدينة تل أبيب مما أدى إلى مقتل 22 صهيونياً وجرح مال لا يقل عن 40 آخرين .

·       25 كانون أول 1994 الشهيد أسامة راضي وهو شرطي فلسطيني وعضو سري في مجموعات القسام يفجر نفسه قرب حافلة تقل جنوداً في سلاح الجو الصهيوني في القدس ويجرح 13 جنداً .

·       22 كانون ثاني 1995 مقاتلان فلسطينيان يفجران نفسيهما في محطة للعسكريين الصهاينة في منطقة بيت ليد قرب نتانيا مما أدى إلى مقتل 23 جندياً صهيونياً وجرح أربعين آخرين في هجوم وصف أنه الأقوى من نوعه وقال المصادر العسكرية الصهيونية أن التحقيقات تشير إلى وجود بصمات المهندس في تركيب العبوات الناسفة .

·       9 نيسان 1995 حركتا حماس والجهاد الإسلامي تنفذان هجومين استشهاديين ضد مواطنين يهود في قطاع غزة مما أدى إلى مقتل 7 مستوطنين رداً على جريمة الاستخبارات الصهيونية في تفجير منزل في حي الشيخ رضوان في غزة أدى إلى استشهاد نحو خمسة فلسطينيين وبينهم الشهيد كمال كحيل أحد قادة مجموعات القسام ومساعد له .

·       24 تموز 1995 مقاتل استشهادي من مجموعات تلاميذ المهندس يحيى عياش التابعة لكتائب الشهيد عز الدين القسام يفجر شحنة ناسفة ثبتها على جسمه داخل حافلة ركاب صهيونية في رامات غان بالقرب من تل أبيب مما أدى إلى مصرع 6 صهاينة وجرح 33 آخرين .

·       21 أب 1995 هجوم استشهادي أخر أستهدف حافلة صهيونية للركاب في حي رامات اشكول في مدينة القدس المحتلة مما أسفر عن مقتل 5 صهاينة وإصابة أكثر من 100 آخرين بجروح وقد أعلن تلاميذ المهندس يحيى عياش مسؤوليتهم عن الهجوم .

عمليات تفجير متنوعة

وفي السادس عشر من أبريل سنة 1993م وفي مفترق (محولا) في الغور نفذ هجوم استشهادي بمحاذاة حافلة ركاب صهاينة قتل شخص واصيب تسعة آخرون ، وفي أغسطس 1993 بتوجيه من (المهنس) نفذ (علي عاصي ومحمد عثمان) هجوماً نحو موقع للجيش الصهيوني  قرب مفرق كفر بلوط أسفر عن مقتل جنديين ، وفي يناير 1994م ، توجه مع (علي عاصي) يحمل عبوة ناسفة محكمة ووضعها في ميدان رمايه للجيش الصهيوني  في منطقة رأس العين ، وانفجرت العبوة واصيب جنديان بجروح خطيرة ، وانطلق الشهيد (ساهر تمام) في سيارته المفخخة التي أعدها (المهندس) لتنفجر بجوار باص صهيوني  يقل جنود من جيش الاحتلال ، وقد أُصيب ثلاثين جندياً بجراح ، ثم انطلق الشيهد الشيخ (سليمان) بسيارته المفخخة وبجوار باص ينفجر حيث قتل شخصان وأصيب ثمانية بجراح . لكن الولادة الحقيقية (للمهندس) وعملياته التدميرية لكيان يهود كانت رصاصات (باروخ جولدشتاين) وهي تنفجر في رؤوس الساجدين لله تبارك وتعالى في الحرم الإبراهيمي (الشريف).

ففي الذكرى الأربعين للمجزرة وبالتحديد في السادس من نيسان 1994م كان الاستشهادي (رائد زكارنة يقل حقيبة (المهندس) وينطلق بها تجاه (العفولة) ، وفي حافلة ركاب كان (رائد زكارنة) يتفجر ويمزق معه ثمانية من الأجساد اليهودية ليشربوا من نفس الكأس الذي زرعوه ويمسح (رائد والمهندس) دمعة أولى عن وجنة فلسطين الغالية ، فيما قسم يحيى للثأر مازال ساري المفعول .

العفولة ..الخضيرة ..القدس ..تل ابيب

وبعد أقل من أسبوع ، وفي الثالث عشر من نفس الشهر وفي (الخضيرة) ينفجر (عمار عمارنة) لتسقط خمس جثث أخرى في استمرار لمدرسة (المهندس) التي أفتتحها .

وفي مواجهة المهندس وعملياته التدميرية لكيان الاحتلال الصهيوني  المجرم يكبر الهم الصهيوني  ويعجل الجيش الانسحاب بالفرار من غزة أولاً مع بداية شهر مايو 1994م ، وبعد أقل من شهر على عمليتي (العفولة والخضيرة) ، وبعد أشهر من المماطلة والتعنت الصهيوني  ، وتنشأ إثر ذلك حالة من الرعب الهستيري ، فشبح (المهندس) وحقائبه تطارد كل صهيوني  في كل مكان ليلعن اليهود (باروخ جولدشتاين) ، ورغم ذلك فمسيرة التفجير لم تكتمل ، ففي التاسع عشر من تشرين أول من نفس العام انطلق صالح نزال إلى شارع (ديزنغوف) في (تل أبيب) وهو يحمل حقيبة (المهندس) لينفجر وتهوي معه جثث اثنين وعشرين يهودياً ، يهرول (رابين) قاطعاً رحلته الخارجية ويعلن عداءه الشخصي مع (المهندس) ، ويواجه (أبو البراء) دولة (شعب وجيش وحكومة) فحاصرهم جميعاً وغدا شبحاً يطاردهم وكابوساً يؤرق أحلامهم ومستقبلاً قاتماً يغترف في قلوبهم الرعب ويقذف صدور قوم مؤمنين ، ألم يكن يتسع قلب المهندس لكل آلام الشعب الفلسطيني ؟؟ ، هذا بالإضافة إلى إطلاق (المهندس) نيرانه وقتل مستوطن وإصابة اثنين بجراح ، إضافة إلى قتل جندي صهيوني  بطلق واحد .

قطاع غزة مركز النشاط

ونتيجة الملاحقة المكثفة لشبح (المهندس) واعتقال كل من شاهد أو سمع أو علم به ، يضيق الخناق حوله خاصة بعد استشهاد رفيقيه (علي عاصي وبشار العامودي) ، وينقل (المهندس) مركز نشاطه إلى قطاع غزة ، ونجاح (أبو البراء) في الوصول إلى غزة يُعد بحد ذاته ضربة قاسية للكيان الصهيوني .

وفي الخامس والعشرين من كانون الأول 1994م يتقدم (أيمن راضي) من خانيونس يحمل حقيبة الرعب ويفجر نفسه قرب حافلة جنود بالقرب من (مباني الأمة) في (القدس) ليقتل شخصاً ويصيب ثلاثة عشر آخرين بجراح .

وفي التاسع من نيسان 1995م تنفجر سيارة (عماد أبو أمونة) قرب (نتساريم) في قطاع غزة ثأراً لدماء (كمال كحيــل) وإخوانه .

وفي الخامس والعشرين من حزيران 1995م تنفجر عربة (معاوية روقة) قرب حافلتي جنود في غزة .

وفي الرابع والعشرين من تموز 1995م تنفجر الحافلة الصهيونية  في (رمات جان) تقتل ستة صهاينة  وتجرح خمساً وثلاثيييين آخرين ، ويعلن تلاميذ يحيى عياش المسئولية ، فيما (ايجال عامير) يرقب اسحق رابين رئيس الوزراء ليقتله كردة فعل لهذه الضربات الموجعة .

وفي الحادي والعشرين من آب 1995م ينفجر الشهيد (سفيان جبارين) في الحافلة المزدوجة في مستوطنة (رمات اشكول) في القدس لتقتل خمسة وتصيب ما يزيد عن مائة آخرين ، ويؤكد (تلاميذ يحيى عياش) مسئوليتهم ليصل مجموع ما قتل بيد (المهندس) وتلاميذه إلى ست

وسبعين صهيونياً وجرح ما يزيد عن أربعمائة آخرين ، وهذا رقم قياسي لم ينازع (المهندس) فيه أحد، ليغدو (المهندس) شجرة باسقة الظلال ومدرسة يأوي إليها النماذج الفريــدة من المجاهدين ذوي الهمم العالية .

كان قلب (أبي البراء) الذي وسع كل فلسطين هادىء البال قرير العين ، فقد مسح دمع الثكالى والأرامل والأيتام وجفف جرح كل المصابين .

الملاحقة مستمرة

فيما الملاحقة الهوجاء (للمهندس) مستمرة على أشدها ، فتحاصر قريته ويداهم بيته باستمرار ويقطع عن (رافات) موقع الغرس الكهرباء ويمنع رصف شوارعها ، ويعتقل شقيقـــاه ووالده ووالدته

(الحاجة عائشة) يسألونها عن البطل المسافر كيف نشأ في أحشائها ... كيف كبر حتى صار بحجم الوطن ، يسألونها عن مكانه ، يحيى في كل مكان ... يحيى في كل زمان ... يحيى قنبلة فلسطين التي تحرق كل من مّس كرامتها .. أنين أمه يصله عبر الأثير ليصنع منه فتيل قنبلة أخرى وآهات والده الكهل الذي فقد حاسة السمع (بشكل مؤقت) نتيجة ضربه على يد الجنود الذين يبحثون عن (المهندس) يرحل إليه ونداء أشقائه (مرعي ويونس) من خلف زنازين القمع يصنع منها قنابل يفجر بها أياديهم التي صبغت بلون دمنا المراق على بوابات الوطن المغصوب ... ليغدو (يحيى) شمساً تشرق كل صباح وفجر كل فلسطين ونور كل حر ثائر ، وليل كل ظالم فاجر يغدو شبحاً وهاجساً يطارد الصهاينة  وأسطورة للفلسطينيين نظموا بشأنها القصائد والأشعار والأنغام ، وهاتفته قلوبهم وأرواحهم بالاستمرار ، " جهز يا عياش لي شيئاً ، يرفعني من أرض الدنيا .. لجنان الفردوس الأعلي ، جهز يا عياش لي عبوة توقظني من غفلة قومي ، لأعيش حياة أبدية " .

شبح المهندس

وتطور الحقد في قلب (رابين) شخصياً ليرى (شبح المهندس) عدواً خاصاً ، فيما يراه (أبو البراء) بذات العين ، ويعتبر نفسه في صراع مباشر مع رئيس الوزراء الصهيوني (رابين) والذي اغتيل في الرابع من نوفمبر 1995 .

وقد أكد المحللون اليهود القريبون من (رابين) أن (شبح عياش) خيم على حياة (اسحق رابين) الذي وظف جيشه وأجهزة أمنه وأموالاً طائلة لمطاردة المطلوب رقم واحد ، ولكن (عياش) يفلح في الإفلات من الذراع الطويل للجيش الصهيوني  ولجهاز (الشاباك) ، وقام بالتخطيط في أخطر مراحل المطاردة لهجمات وتشكيل خلايا مع أن مطلوبين عديدين من الذين عملوا في محيطه القريب قتلوا أو اعتقلوا ، ورغم الوحدات الخاصة التي لاحقته والكمائن في القدس والضفة وغزة في الجبال والكهوف ومخيمات اللاجئين والبيوت المهجورة .

وقد لقب رئيس الحكومة الصهيونية  (اسحق رابين) (يحيى عياش) (بالمهندس) وأطلق عليه هذا اللقب في احدى جلسات المداولة بين (رابين) وقادته أمنه للبحث في قضية (عياش) وسبل الوصول إليه ، وقد أبدى رابين (كما صرح جدعون عزرا رئيس جهاز الشاباك الأسبق) اهتماماً بكفاءات وقدرات (عياش) ، وأخذ يضفي عليه لقب (المهندس) بعد أن علم ما يمتلكه (المهندس) من إمكانيات ، وقد كان (رابين) يبدأ كل جلسات الحكومة ومجلسه المصغر ومجلس الأمن بالسؤال عن (المهندس) ، وقد صرح (رابين) بهذا اللقب للصحافة أكثر من مرة حتى غدا المقاتل الفلسطيني الفذ أسطورة ملحمية خالدة وشبحاً رهيباً يطارد بني صهيون  ، لذلك لم يكن من قبيل المصادفة أن يختاره جميع الخبراء اليهود والأجانب (كرجل العام 1995) حيث أثر على دولة الاحتلال  وحياتها ومستقبلها أكثر مما أثر رابين وحكومته وجيشه ، وقد بثت الإذاعة والتلفزيون الصهيوني  العديد من البرامج حول هذا الشبح الأسطورة وهذه أجزاء من ترجمة حرفية لبرنامج بثه التلفزيون عن المهندس في الخامس والعشرين من يناير 1995م .

أربعة من الخبراء

وقد تحاور في البرنامج أربعة من الخبراء والمستشرقين الصهاينة المتخصصين وهم الدكتور (ماتي شتاينبرغ) ، والدكتور (إبراهيم سيلع) من الجامعة العبرية ، شمعون رومح (من قادة جهاز الشاباك السابقين) والصحفي اللامع ايهود يعاري المتخصص في الشئون العربية ، حيث أمطر الصحفي المخضرم (مشعل) مقدم البرنامج ضيوفه بسيل من الأسئلة تمحورت على كيفية عمل (المهندس) ؟ من الذي يوجهه ؟ من يختار الاستشهاديين ؟ لماذا لم تفلح أجهزة الأمن في القبض عليه ؟

وبادرهم مشعل بالقول : " المطلوب يحيى عياش في سباق مع الزمن ، فمسلسل الهجمات العنيفة التي نفذها جعلت منه هدفاً رئيسياً ذا أولوية أولى لجهاز المخابرات الصهيونية  (الشاباك) الذي درس شخصيته وتركيبته الفسيولوجية بعناية في محاولة للعثور على نقطة ضعف واحدة تقود إلى إلقاء القبض عليه ".

(ايهود يعاري) اعتبر " أن لكل مرحلة من مراحل النضال الفلسطيني رموزها وأنه مثلما شكل (عماد عقل) (رمز العمل العسكري) في حركة (حماس) ، فإن (يحيى عياش) يمثل (رمز العمل العسكري الاستشهادي) " ، فيما عبر (شمعون رومح) عن إعجابه بالقول : " إنه لمن دواعي الأسف أن أجد نفسي مضطراً للإعتراف بإعجابي وتقديري بهذا الرجل الذي يبرهن على قدرات وخبرات فائقة في تنفيذ المهام الموكلة إليه ، وعلى روح مبادرة عالية ، وقدرة على البقاء ، وتجديد النشاط دون انقطاع " .

وكان رأي (د. سيلع ود. شتاينبرغ) : " أن المشكلة في البيئة العقائدية الأصولية التي يتنفس (المهندس) من رئتها هي التي تبدع وتفرز ظاهرة المهندس ، وظاهرة الرجال المستعدين للموت في سبيل عقيدتهم " ، وكما هو الحال بالنسبة لكل شخصية أسطورية فإن الهوس الصهيوني  ينسب له عجائب عدة ، فهو صاحب هويات مختلفة وله حضور في كل مكان يتواجد في (مصر وإيران وليبيا والسودان ، وفي خانيونس وغزة ، رام الله ، قلقيلية ، جنين ، القدس ، تل أبيب) حتى في منزله (برافات) ، وهو متنكر بزي يهودي متدين وأحياناً (كمغتصب) مسلح ببندقية ، وأنه يتجول بشخصية دبلوماسية في تل أبيب ، ويقود سيارة ذات لوحات تسجيل صهيونية ، وأنه يتنكر بهيئة امرأة ، وبهيئة شيخ مسلم ، فقد شارك في جنازة الشهيد (كمال كحيل) بهذه الهيئة ولم يكن يعرفه أحد ، عياش يبدل هيئته يومياً ولا يبيت سوى ليلة واحدة في البيت الواحد .

عياش القائد

وعند الفلسطينيين فهو مجاهد قدير يشبهونه (بصلاح الدين الأيوبي) أو (عز الدين القسام وأبو جهاد) ، ويتندرون بأنه (أبو جلدة) ذلك الرجل الذي نجح في الإفلات من البريطانيين لمدة عشر سنوات .

بلغ الهوس الصهيوني  ذروته حين قال (رابين) : " أخشى أن يكون جالساً بيننا في الكنيست " ، هذا الهوس لم يطل رابين فحسب بل غدا كابوساً يتسلل إلى مضاجع الصهاينة ، فأكثر من 80% من سكان دولة الاحتلال يخافون استخدام المواصلات العامة ، واشتكى أكثر من عشرين ألف صهيوني  من أمراض نفسية نتجت عن عمليات التفجير ، وتشاجر يوماً جنديان ، فقال أحدهما للآخر : " إن شاء الله تقع في يد (المهندس) " .

وفي أحد البرامج التلفزيونية عن المهندس قال المذيع : " إنني أخشى أن يفجر المهندس هذا الاستيديو أمام أعين المشاهدين "، وقد وقف علماء النفس حيارى أمام (ظاهرة المهندسلوجي) ، فلا يملكون لها وصفاً أو ادراجاً تحت أبواب العلم المعهودة ، فهل هو رجل حقاً بمفرده أم هي أمة تنكرت على هيئة رجل له عقل واع مستنير وأصابع ماهرة وقلب يطفح بالإيمان ، وكلما تحركت يداه جهز النازيون الجدد أكفانهم وأعدوا لسيول الدمع أجفانهم وبدأ العد التنازلي لوعد الآخرة . هذا الهــوس الصهيوني  أضفى على (المهندس) حالة من القداسة حتى أعظم قادة العدو  كانوا عند ذكره لا يخفون حالة الرعب والخوف .

رابين: عياش معجزة

(فاسحق رابين) رئيس الوزراء السابق يقول : " لا شك أن (المهندس) يمتلك قدرات خارقة لا يملكها غيره ، وإن استمرار وجوده طليقاً يمثل خطراً داهماً على أمن دولة الاحتلال  واستقرارها " .

أما (موشيه شاحل) وزير الأمن الداخلي السابق فيقول : " لا أستطيع أن اصف المهندس يحيى عياش إلا بالمعجزة ، فدولة الاحتلال بكافة أجهزتها لا تستطيع أن تضع حلاً لتهديداته " .

و(الجنرال أمنون شاحاك) رئيس أركان الجيش الصهيوني  السابق فيقول : " إن دولة الاحتلال  ستواجه تهديداً استراتيجياً على وجودها إذا استمر ظهور أناس على شاكلة المهندس " .

بينما يقر (يعكوف بيرس) رئيس المخابرات الصهيونية  سابقاً قائلا : " إنني أقر أن عدم القبض على المهندس يمثل أكبر فشل ميداني يواجه المخابرات منذ إنشاء دولة الاحتلال  " .

فيما (جدعون عزرا) نائب رئيس المخابرات سابقاً يقول : " إن احتراف المهندس وقدرته تجلت في خبرته وقدرته على اعداد عبوات ناسفة من لا شيء " .

إن (عياش) غدا كالسحر تنشق الأرض وتبلعه صاحب أرواح سبعة ، إن مجرد ذكر اسم (يحيى عياش) كافياً لأن يرتعد الصهاينة  وهم يستعيدون صدى الانفجارات الاستشهادية التي أحرقت وهم أمنهم على أرض فلسطين ، فمهندس الكهرباء الفلسطيني الذي لم تستطع وسائل الإعلام أن تحصل على أكثر من صورة واحدة له استطاع أن ينظم توجيه عدة ضربات موجعة في قلب مواقع قوات الجيش الصهيوني  ، وأن يذهل الأجهزة الأمنية الصهيونية برسائله المفخخة التي كانت تصل دوماً من عنوان جديد ، وقد فشلت كل المحاولات الصهيونية  لاقتفاء أثره والوصول إليه برغم كل التدابير الأمنية ، فكان حقاً رمزاً للمقاتل ذي القلب الحديدي المؤمن بالله ، في ليالي الصهاينة  شبحاً مرعباً قض مضاجعهم وزرع الرعب في ناقلاتهم .

أصعب من الوصف

هذا هو (يحيى عياش) في نظر الصهاينة  أصعب من الوصف ، وأعقد من الخيال لا يُرى بالعين فيمسك ، ولا يُسمع بالإذن فُيرصد ، اختار الخيار الأصعب ، وقبل المواجهة الأخطر ، وطوال أربع سنوات المطاردة التي عاشها (المهندس) بكل ما تحمل من تحدي وخطورة لم تقف أجهزة الدولة الصهيونية  عن البحث عنه في كل مكان ، فقاموا بتوزيع البيانات في شهر يوليو 1993 على أهالي نابلس يحذرونهم مساعدة (المهندس) ، إضافة إلى توزيع صوره ومواصفاته على جميع عناصر الجيش الصهيوني  ، بينما صورة بوستر كبيرة بالألوان معلقة للمهندس في المكتب الرئيسي للشاباك ، عدا عن نشاط الوحدات المستعربة وأجهزة الرصد والمعلومات إضافة إلى تضيق الخناق على (المهندس) باعتقال كل من كانت له معهم علاقة ، وساعدوه حتى غدا وحيداً . وكانت أبرز محاولات اغتيال (المهندس) تلك التى وقعت في (دير بلوط) في 6 أغسطس 1993م حيث اصطدمت سيارته بحاجز عسكري أسفر عن استشهاد رفيقه (عزيز مرعي) واعتقال (محمد ريان) بينما تمكن (المهندس) من الفرار .

وفي حي القصبة بنابلس في 11 تموز 1994م تعرض منزل كان يأوي (المهندس) وإخوانه للقصف ، وبعد ساعات من الاشتباك استشهد (علي عاصي وبشار العامودي) اللذين غطيا انسحاب المهندس .

المطلوب رقم واحد

إنجازات المهندس التي أنهكت الاحتلال وأجهزته الأمنية جعلته المطلوب رقم 1 للأجهزة الصهيونية التي طاردته طوال 5 سنوات وسخرت كل إمكانياتها لكشف هذا اللغز وشكلت وحدة تنسيقية بين كافة الأجهزة الأمنية لتقصي أية إشارة عن تحرك المهندس ونظموا دراسات عديدة حول شخصية المهندس وأسلوب حياته وراقبوا أصدقاءه في فترة الدراسة وأرسلوا وحداتهم الخاصة التي نصبت له الكمائن في الليل والنهار في المدن والمخيمات في الغابات والكهوف حيث لم تعد هناك قرية في الضفة الغربية إلا وداهمتها وحدة مختارة من جنود الاحتلال الصهيوني  بحثاً عن الأسطورة الجهادية التي ولدتها وأهلتها حماس .

مرات كثيرة أنجى الله يحيى عياش قبل وصول الصهاينة بدقائق في حي القصبة في نابلس ، وفي حي الشيخ رضوان في غزة حيث استشهد رفيق جهاده الشهيد كمال كحيل ومطلوب أخر من حماس هو إبراهيم الدعس .

ويستريح المقاتل الصلب

تمكن الشاباك من الوصول إلى معلومات بموقع المهندس والتسلل إلى قطاع غزة إلى دائرة الأشخاص الأقرب إلى (أبي البراء) ، وكما يروي (أسامة حماد) صديق (المهندس) والشاهد الوحيد على عملية الاغتيال حيث قال أن (يحيى) إلتجأ إليه قبل خمسة شهور من استشهاده حيث آواه في منزله دون أن يعلم أحد ، وكان (كمال حماد) وهو خال (أسامة) ويعمل مقاول بناء ، على صلة وثيقة بالمخابرات الصهيونية  يلمّح (لأسامة) بإمكانية زيارة يحيى له في شركة المقاولات وأعطاه جهاز بيلفون لاستخدامه ، وكان (كمال) يأخذ جهاز البيلفون ليوم أو يومين ثم يعيده ، وقد اعتاد والد المهندس الاتصال مع (يحيى) عبر البيلفون ، وقد طلب منه (يحيى) مراراً الاتصال على الهاتف البيتي ، وقد اتفق (يحيى) مع والده على الاتصال به صباح الجمعة القادم على الهاتف البيتي ، وفي صباح الجمعة الخامس من يناير 1996م اتصل (كمال حماد) بـ (أسامة) وطلب منه فتح الهاتف المتنقل لأنه يريد الاتصال من دولة الاحتلال  ، واتضح أن خط هاتف البيت مقطوع ، وفي الساعة التاسعة صباحاً اتصل والد يحيى على الهاتف المتنقل الذي أبلغ أسامة أنه لم يستطع الاتصال على الهاتف البيتي ، واستلم المهندس الهاتف وقال لوالده : " يا أبي لا تظل تتصل على البيلفون " حين دوى انفجار ويسقط المهندس واللحم يتناثر والزجاح يتحطم وبقع الدم تتناثر ويتضح أن عبوة ناسفة تزن 50 غرام انفجرت في (الهاتف النقّال) ، يهوي الجسد المتعب ليستريح من وعثاء السفر ، يستريح المقاتل الصلب بعد سنوات الجهاد ، ويصعــــــد إلى العلا والمجد يلتقي هناك بالنبيين والصديقين والشهداء بإذن الله ، هكذا يفوز المهندس في الدنيا والآخرة .

سقط تاركا أمانة الدم

لم تنم غزة ذلك المساء فقد كان بانتظارها ليل آخر تسرب في خيوطه الأولى دمٌ ترامى فوق يديها كالشظايا ... (دم يحيى عياش) ، في البرهة التي يتكاثر فيها الزبد ويصبح المقاتلون فئة قليلة ، في الوقت الذميم الذي تتربص فيه الحواجز والأسلاك الشائكة بالعيون المقاتلة الشاخصة إلى كل بقاع فلسطين ، غاب (يحيى عياش) واحترق نجم فلسطين هوى على (جباليا) كعباءة منسوجة بورق الزيتون ووجهه مقبل على الصلاة كحدود الشهادة ، (يحيى عياش) الرجل المعنى في زمن تساقطت فيه المعانـي عن كثير من الرجال ، الطيف العصي الذي لا يُرى بسهولة .

 (يحيى عياش) اليدان اللتان تتقنان صنع الحرائق لتشرق الشمس بلا كآبة ، على الذرى الفلسطينية العينان اللتان تصادقان الليل في البحث عن ممر إلى ثغور الغزاة ، الكوفية التي تتشابه خيوطها مع ندوب الأرض المقدسة ، كان يدرك كلما وصل غزة أن عليه أن يخفي ملامحه والخفق الفلسطيني في قلبه وبيارات البرتقال في عينيه كي لا يكتشف أحد موقع الانفجار القادم فيما الغدر يتربص به ويكمن في الزوايا والأزقة وتحت أصغر الظلال .

الليلة وبعد أن تسرب دم (يحيى عياش) في هدوء الأمسية ، سيصعد صوته من غموض الأشياء القاتمة في فلسطين مثل برج حجري لصوته الشهيد ، أنا (يحيى عياش) المولود في حقل فلسطين على أزهاره دم لم أستطع تفسيره طفلاً ، ولم أستطع احتماله رجلاً ، فبحثت عن أسرار الانفجار ، تعلمت كيف أمسح الدم عن الحرم الإبراهيمي بالحرائق . ليس في فلسطين حجر أو زاوية أو جدار لا يستطيع أن يتهجأ اسمه ليس هناك جدولاً ولا سنبلة أو شجرة لا تتشابه به مع ملامحه ، تتشابه مع الرجل الذي أخفى ملامحه لتتضح معالم البلاد .

دم (يحيى عياش) في غزة كان يركض في شوارعها كنهر بلا مستقر ، كان يرفع صوته ذبيحاً، يحكي قصة المجاهد الأسطوري الذي صوب قلبه إلى الشمس في (قلب) غزة هاشم ، ولم يتسع له الوقت ليطرق أبوابها واحداً واحداً كي يضع أمانة الدم في الدم ، فكان أن ترك وصيته على الأرصفة حتى تصافح في الصباح وجوه تلاميذ المدارس وهم يذهبون إلى درس القراءة عن الوطن المحاصر بين الوثائق وسلاح الغزاة ، استشهد (عياش) تاركاً أمانة الدم لنا وإشارة صريحة إلى جهة الخرق الصهيوني  القادم .

وعلى حافتي الطريق يبقى المهرولون أصحاب الدنيا يبحثون عن مكان فوق الطين فيما يستقبل المهندس الشهادة وهو يرفع الراية في زمن الصعود الصهيوني الأمريكي يبرز الخيار ناصع البياض ، فعندما يسقط رأس (يحيى عياش) حينها (يحيى) غير قابل للرثاء ويستعصي على الكلمات ، (يحيى) كان قابلاً للانفجار ، قابلاً للاشتعال وقلبه وسع كل فلسطين من بحرها إلى نهرها ، فأي لغة يمكن أن تسعه .

إن دم (يحيى عياش) قد وضعنا على طرف الخيار ، إما أن نُغيب أو نُعلب أو نموت على مزاج الأوصياء ، وذلك منطق الجنون ، جنون السقوط طالما أننا نستطيع الموت على مزاجنا، وبينما يختار المهندس الشهادة والآخرة ، يختار قاتله حفنة من الدولارات ، ويلقيه الشاباك بعد ذلك جيفـة تتسكع في ممرات (تل أبيب) .

وما أن انتشر خبر استشهاد المهندس حتى ساد في أنحاء فلسطين خاصة والعالم الإسلامي عامة حالة من عدم الاستقرار ، وخرجت الآلآف في شوارع قطاع غزة وفلسطين يهيمون على وجوههم بغير وعي ، وأعلنت دولة الاحتلال حالة الطوارىء ، وأغلقت الضفة وغزة ونشرت قوات معززة ، ولم تخف فرحتها العظمى بهذا الخبر ، حيث صرح (يعقوب بيري) رئيس المخابرات السابق بالقول : " موت عياش وضع حداً لأخطر وأعنف المحاربين الذين عرفناهم " . فيما صرح (موشيه شاحل) وزير الأمن الداخلي بالقول : " بتنا نتنفـس بشكل أفضل بعد إعلان موته ".

فيما سيطر على دولة الاحتلال  شبح العمليات الاستشهادية ، وفي قرية (رافات) مسقط رأس الشهيد الأسطورة توجه الآلآف إلى بيت (عياش) ، فيما انهمرت الدموع من عيني والديه وأخويه ، ويصرح والد المهندس أن استشهاد المهندس ليس النهاية ، فيما عبر شقيقه عن مزيج من الفرحة والحزن ، وأكد قائلاً أن : " أخي كان بطلاً " .

وقد نعت (حماس) شهيدها العملاق عبر البيانات ومكبرات الصوت ، وأعلنت الحداد الوطني لمدة ثلاثة أيام ، وعقدت مؤتمراً صحفياً قرب المنزل الذي صعدت فيه روح (يحيى) ، بينما خرج الملثمون التابعون لحركة (حماس) في مختلف أنحاء الضفة الغربية وغزة ينعون المهندس الشهيد ، وانطلق مسيرات جماهيرية حاشدة في مختلف أرجاء فلسطين حيث انطلقت مسيرات جماهيرية حاشدة شاركت فيها كل القوى نعت الشهيد في رام الله وطولكرم وجنين ونابلس وأريحا وقلقيلية وفي الخليل وبيت لحم ، وعم الإضراب مدينة القدس .
وقد أدانت (السلطة الوطنية) اغتيال (المهندس) ، وصدرت الأوامر من الرئيس (عرفات) بتشكيل لجنة تحقيق مشتركة ، وتوجه لتقديم واجب العزاء لحركة حماس في موقع العزاء للمهندس ، وقد أدانت كافة الشخصيات الفلسطينية في الضفة والقطاع ومناطق الـ (48) جريمة الاغتيال خاصــة أنها وقعت في ظل التحضيرات الكبيرة لإجراء أول انتخابات للسلطة الفلسطينية . فيما نقلت وكالات الأنباء تنديدات مختلفة من شتى بقاع العالم بحادث الاغتيال الذي أثّر بشكل ملموس على الجو الهادئ في مناطق السلطة الفلسطينية خاصة بوجود توافق بين السلطة والمعارضة .

السادس من يناير 1996، يوم لا مثيل له

أَيقَن الاحتلال أنّ بقاء العياش على قيد الحياة يشكل خطورة لهم، ففي 5 يناير عام 1996، وبعد أشهر ممتلئة بالجهاد والمقاومة والإثخان بالقوات الصهيونية، كان الموعد مع حور الجنة التي كانت تتحرق شوقاً لفارسها الجديد.
اغتيل القائد في بيت لاهيا شمال قطاع غزة، وذلك باستخدام عبوة ناسفة زرعت في هاتف نقال كان يستخدمه أحياناً، ليمضي المهندس يحيى عياش، بعدما أدى الأمانة، ليخرج في جنازته نحو نصف مليون فلسطيني في قطاع غزة وحده.
وتواصلت مسيرة الجهاد حتى غدا القَسام يفخر بجيش من المهندسين القساميين، الذين لا تحيد بوصلتهم عن تحرير فلسطين.
فقد قالها يحيى عياش للصهاينة: "لا تنزعجوا فلست وحدي مهندس التفجيرات، فهناك عدد كبير قد أصبح كذلك، وسيقضون مضاجع المحتلين وأعوانهم بعون الله"، فكان لعياش ما أراد؛ حيث أصبح الجناح العسكري لحركة حماس بعد اغتيال عياش أشد قوةً وأكثر تماسكًا.

جميع الحقوق محفوظة لدى دائرة الإعلام العسكري لكتائب الشهيد عز الدين القسام ©2022