القسام – غزة :
كثيرٌ همُ الراحلونِ من دارِ الفناء إلى دارِ البقاء، ولكنّ قلةً قليلةً تركتْ آثاراً وبصماتٍ وأفكارٍ في قلوبِ وعقولِ الناسِ، لكننا نقفُ اليومَ أمام جبلٍ أشم ليثٍ هصورٍ فارس مقاتلٍ تسلحَ بالإيمانِ وحبِ الأوطانِ، فطالتْ يدُه المنافقينَ وأركع السجان، خاضَ غمار معتركٍ شديد البأسِ مع عدو وأعوانِه الذين حاولوا بشتى الطرقِ القضاء على المقاومة وجذورها.
على الرغمِ من وفاةِ والده بعد أسبوعٍ على قدوم مجدي إلا أنه شبَ عزيزاً كريماً مجاهداً في سبيلِ الله، بعدما رضعَ العزةَ والكرامة والإباء، وحبِ الأوطان، كارهاً للظلمِ والاستبداد محبا للانتقامِ ممن قتلوا ودمروا وحرقوا واستباحوا ديار فلسطين.
كان لابد لهذا العشقِ الكبير للمقاومة أن يُترجم إلى واقعٍ عمليٍ، فكانَ وسامَ الشرفِ في الانضمام لأول مجموعات عسكرية لكتائب الشهيدِ عز الدينِ القسامِ، لتمر السنون تلو السنين، لتصبحَ تلك المجموعات جيشاً عرمرماً يرعب بني صهيون ويقض مضاجعهم ويقصف (تل أبيب) !
عاشَ مجاهداً ومطارداً
عاشَ مجاهداً ومطارداً بعدما أسس كتائب القسامِ، وجمع الأسلحةَ للمجاهدين، وطارد عملاءِ الاحتلالِ وأعوانِه، حتى أصبح كابوسَ رعبِ لكل من تسول نفسُه بمساندة الاحتلال في هجماته على أبناء الشعب الفلسطيني، وخاصة المقاومة.
في العامِ 1991م، وبعد فترة طويلةٍ من المطاردةِ، اعتقلت قواتُ الاحتلالِ الصهيوني شهيدنا أثناء توجهه إلى الأراضي المصريةِ، لتوجه إليه تهمة حيازة الأسلحة وقتل العملاء، فكانت كل تهمةٍ وسامَ شرفٍ على صدر أبي المعتصم، لتحكم عليه المحكمة الصهيونية ب6 مؤبداتٍ و30 عاماً.
تحدَى أبو المعتصم السجّان الصهيوني بكل ما أوتي من قوةٍ، فكانَ يتنقلُ بين السجونِ الصهيونيةِ بكل ثباتٍ وصمود، وهو على ثقةٍ باللهِ أن القيدَ سينكسرَ يوماً ما، ويبزغُ فجرُ الحرية معلناً انتصار الحق على الظالمين.
في سجون الاحتلال
فاسألوا سجن عسقلان عن ثباتِ أبي المعتصم، واسألوا زنازين السبع كيف أذل مجدي السجان؟ واسألوا نفحة وجدرانه عن صبرِ فارسِ القسامِ مجدي وجلده، رغم الوجعِ والجراح والآلام وبعدِ الأهل والغيابِ، واعتداءات السجانين وإدارة السجون، وعلى الرغم من إصابته إصابة بالغة في إحدى المواجهات مع الصهاينة، نُقل على إثرها إلى مستشفى الرملة الصهيوني للعلاج!
اسألوا العزل الانفرادي كيف حوّله مجدي من عذابٍ إلى رحمةٍ وإيمان، بتلاوة القرآن الكريم، على الرغم من تكبيل اليدين والقدمين، فكان معلماً وقدوةً للسجناءِ يوجه إليهم النصائح يعلمهم كيف يكون الصبرُ في سبيل الله والأوطان، ويخفف عنهم ويبشرهم بأن الهمَ زائل لا محالة، وأن الفرجَ قريب.
عشرون عاماً قضاها مجدي داخل السجون الصهيونية، فداءً لدينِ الله ومن ثم الأوطان، فكان جلادَ العملاء، وتحقق وعدُ اللهِ وخرج من سجونِ الاحتلالِ رافع الرأسِ، بعدما أسر مجاهدو القسام الجندي الصهيوني شاليط، وليخرجَ مجدي والمحررون في صفقة "وفاء الأحرار" رافعي الرأس شامخين فرحين بنصرِ الله وبزوغ فجر الحرية.
وفاة المجاهد
عاد مجدي إلى بيته ليعانق طفلته التي كبرت وزوجته التي صبرت، وإخوانه الذين ينتظرونه بفارغ الصبر، فرحاً بلقائهم على الرغم من الوجع والألم والمرض الذي عانى منهم خلال تواجده داخل السجون الصهيونية.
اشتدَ الوجعُ على مجديِ والألمُ والجراحاتِ فكان يتنفسُ بصعوبة بالغةٍ جراء الإهمال الطبي في داخل السجون الصهيونية، والتشخيص الكاذب المتعمد من قبل طبيب السجن الصهيوني، لتتدهور صحته بشكل مفاجئ وينتقل إلى المستشفى، لتعلن المصادر الطبية عن رحيلِ المجاهد مجدي، فنزل الخبر كالصاعقة على كل محبي الفارس القسامي.
كان لمشهد وداعِ مجدي دليل واضحٍ على حبه، فخرج عشراتُ الآلاف عن بكرة أبيهم، يزفون قاهر القيدِ والسجانِ، فلقد حفر في قلوب وعقول من عاشره أفكاراً لا يمكن للذاكرة أن تنساها على مر الزمن، رحل مجدي تاركاً خلفه زوجته وابنته، وطفليه اللذين أتيا بعد صفقة وفاء الأحرار وهما معتصم، ومجدي التي أتى إلى هذه الدنيا، يوم استشهاد أبيه ليكمل المشوار من بعدِه.
رحل مجدي تاركاً آلاف القساميين من أبنائه يكملون طريق الجهاد والاستشهاد والتحرير، وما زالت أفعاله وأقواله نبراساً يضيء طريق الجهاد والمقاومة.